الإصلاحات الفلسطينيّة خارج الاشتراطات الدّوليّة

مدة القراءة 5 د

عقب إدلاء الرئيس محمود عبّاس بصوته في الانتخابات المحليّة، صرّح بأنّ مسيرة الديمقراطيّة انطلقت، مشيراً إلى أمثلةٍ على ذلك، منها انعقاد مؤتمر الشبيبة الفتحاويّة قبل عدّة أشهر، وإجراء الانتخابات المحليّة، وتحديد موعدٍ لعقد مؤتمر “فتح” بعد أيّامٍ قليلة، مع الإعداد لإجراء انتخابات المجلس الوطنيّ.

 

يواصل الدكتور محمّد مصطفى رئيس الوزراء الفلسطينيّ إعلان قراراتٍ إداريّة ينسبها إلى الإصلاح الحكوميّ الجاري على قدمٍ وساق، مع تواصل الأزمة الماليّة التي تُعاني منها السلطة، التي مرّت فترةٌ طويلةٌ من دون أن يتقاضى رواتبَ كاملةً موظّفوها الذين وصل عديدهم إلى ما يزيد على مئتي ألف، إلّا باستثناءاتٍ تكاد لا تُذكر تخصّ موظّفي المراتب الدنيا.

الأزمة السّياسيّة أشدّ صعوبة

تترافق الأزمة الماليّة مع أزمةٍ سياسيّةٍ أشدّ صعوبة من الأزمات الكثيرة التي سبقتها على مدى تجربة السلطة الفلسطينيّة على أرض الوطن، وغنيٌّ عن التذكير بأنّها كانت متعثّرةً منذ ولادتها حتّى أيّامنا هذه بفعل الإغلاق السياسيّ الذي تمارسه إسرائيل ولا يملك العالم بما في ذلك أميركا قدرةً على فتحه.

يصحّ وصف الأزمة الماليّة بالمركّبة لتداخل وترابط عناصرها وإمساك إسرائيل بجميع خيوطها، ويُضاعف تأثيرها على الفلسطينيّين التهميش الملحوظ للسلطة في معظم الفعّاليّات المتّصلة بالشأن الفلسطينيّ، بدءاً بالحضور الضعيف في ملفّ غزّة، وإجلاسها على مقاعد الاحتياط في اللعبة الجارية، مع الوعدٍ بدعوتها إلى دورٍ أكثر وضوحاً حين يُصبح ذلك لازماً شريطة أن تُنجز الإصلاحات المطلوبة أميركيّاً وأوروبيّاً حتّى صارت الإشارة إلى السلطة الفلسطينيّة ودورها مرتبطةً بجملة “بعد إصلاحها”.

تترافق الأزمة الماليّة مع أزمةٍ سياسيّةٍ أشدّ صعوبة من الأزمات الكثيرة التي سبقتها على مدى تجربة السلطة الفلسطينيّة على أرض الوطن

تختلف مواصفات الإصلاحات المطلوبة أميركيّاً وأوروبيّاً كلّيّاً عن الإصلاحات التي أنجز الرئيس عبّاس بعضها وبصدد استكمالها. إذ لا يعني أصحاب هذه الاشتراطات الإصلاحيّة ترتيب أوضاع “فتح” الداخليّة، ولا احتمال إجراء انتخابات المجلس الوطنيّ، ولا حتّى مؤتمر “فتح”، فهي إجراءاتٌ خاصّةٌ يمكن أن تُشجَّع، لكنّ العالم لا يراها بديلاً عن الإصلاح المنشود وفق مواصفاته، من دون استبعاد الدور الإسرائيليّ الذي يتولّى مهمّة الضغط على الفلسطينيّين بذريعة عدم تلبيتها.

أين الانتخابات التّشريعيّة؟

نظر العالم باهتمامٍ للانتخابات المحليّة، التي تستحقّ الاهتمام فعلاً لأنّها ذات طابع عامّ، ذلك لأنّ المجالس المحليّة المنتخبة أو حتّى الفائزة بالتزكية لها دورٌ فعّالٌ في تنظيم الحياة الفلسطينيّة الداخليّة، وتوفير الخدمات الضروريّة للمواطنين بمعزلٍ عن الأجندات الحزبيّة والفصائليّة، مع إقرارٍ من العالم بأنّ المجالس المحليّة هي ضرورةٌ سياسيّةٌ لاستقرار المجتمع، مع حقّها في التزام الأهداف الوطنيّة التي تجسّدها منظّمة التحرير وبرامجها الموافَق عليها إقليميّاً ودوليّاً. غير أنّ تقويم العالم للانتخابات المحليّة جاء في سياقٍ مختلفٍ عمّا أعلنه الرئيس عبّاس أمام صندوق الاقتراع حين أدلى بصوته، وكان أوضح مَن عبّر عن الفهم الغربيّ للانتخابات المحليّة هو الإعلان الفرنسيّ الذي رحّب بالنجاح في إجرائها لكنّه ربطها بحتميّة إجراء الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة التي توقّف الحديث الفلسطينيّ الرسميّ عنها منذ أُجّلت في أيّار قبل سنوات، ومنذ طُرحت فكرة استبدالها بانتخابات المجلس الوطني والعمل على إنجاز دستور الدولة.

الانتخابات

تبدو صورة الوضع الفلسطينيّ منذ حرب غزّة حتّى أيّامنا هذه معتمة ومغلقةً على أزمةٍ مركّبة، فلا أفق عند السلطة أو الإقليم أو العالم لحلّ الأزمة الماليّة، ولا أفق لفتح مسارٍ سياسيّ يُعتبر فتحه ولو دون تقدّمٍ ملموسٍ نحو الحلّ عاملاً مساعداً على استعادة الدعم الدوليّ الماليّ المتوقّف للسلطة، ولو بمستوى التنقيط في الحلق.

عقب إدلاء الرئيس محمود عبّاس بصوته في الانتخابات المحليّة، صرّح بأنّ مسيرة الديمقراطيّة انطلقت

تنافس بين من يُلحق الأذى أكثر بالفلسطينيّين

ما يزيد الطين بلّة أنّ إسرائيل الممسكة بكلّ عناصر الضغط المباشر على الحالة الفلسطينيّة دخلت مبكراً في موسمٍ انتخابيّ هو الأكثر سخونةً من كلّ المواسم السابقة، حيث المتنافسون على المقاعد من القوى الرئيسة المرشّحة لتشكيل الحكومة المقبلة يتسابقون على حصد الأصوات من خلال إقناع الناخبين بالتصويت لمن هو أكثر فاعليّةً في إلحاق الأذى بالفلسطينيّين. بوسعنا تقدير صعوبة الموقف، من خلال بقاء بتسلئيل سموتريتش وزيراً للماليّة لمدّة ستّة أشهر ولا رصيد له لعبور نسبة الحسم في الانتخابات إلّا مواصلة احتجاز مستحقّات السلطة والسطو عليها بذرائع وعناوين شتّى.

في ظلّ حكومة نتنياهو وحروبها التي أساسها تصفية القضيّة الفلسطينيّة، بإغلاق كلّ الأبواب والنوافذ أمام إقامة الدولة الفلسطينيّة، لم يبقَ لدى الفلسطينيّين في مواجهة أزماتهم المركّبة والمتوالدة، إلّا الصمود واحتواء الأذى الإسرائيليّ المتعاظم، وعدم تمكينه من الانتصار عليهم، ذلك أنّ البديل الذي ينتظرهم وفق الخطط الإسرائيليّة أشدّ خطورةً عليهم، وهو ما يجعلهم أكثر استعداداً للمواجهة بالبقاء على أرض الوطن والإصرار على عدم رفع الراية البيضاء أمام التغوّل الإسرائيليّ عليهم. و يحتاج هذا الأمر إلى إجراءاتٍ تقشّفيّةٍ مدروسةٍ من قبل السلطة ومعالجاتٍ أكثر حكمةً وذكاءً للفجوة المتّسعة بين السلطة والناس، واعتماد مسارٍ وطنيٍّ فعّالٍ ومقنعٍ للإصلاح بما يلائم المصالح الفلسطينيّة أساساً.

إقرأ أيضاً: الانتخابات في حياتنا الفلسطينية

إسرائيل في غير وارد تقديم مرونةٍ باتّجاه التعامل مع الفلسطينيّين، والفلسطينيّون من جانبهم يزدادون تحدّياً للإسرائيليّين، وهذا هو الوضع من الآن إلى أن يُفتح مسارٌ سياسيٌّ نحو الحلّ.

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…