تتّجه الأنظار صباح اليوم، الخامس والعشرين من نيسان، إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزّة، حيث تُجرى أوّل انتخابات بلديّة في القطاع منذ أكثر من عقدين، في مشهد استثنائيّ تُفتح فيه مراكز الاقتراع داخل خيام لاستقبال نحو 70 ألف ناخب، في ظلّ ظروف إنسانيّة صعبة ومعقّدة تمنح هذا الاستحقاق أبعاداً تتجاوز الطابع الخدميّ إلى دلالات سياسيّة ووطنيّة.
تُعقد الانتخابات في دير البلح بالتزامن مع مدن وبلدات الضفّة الغربيّة، بموجب قرار صادر عن الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس، في خطوة تعكس محاولة إعادة وصل ما انقطع بين الضفّة وغزّة على الرغم من سنوات الانقسام وتعقيدات المشهد الميدانيّ.
جاء اختيار السلطة الفلسطينيّة دير البلح تحديداً لإجراء الانتخابات نظراً إلى كونها أقلّ مناطق القطاع تضرّراً نسبيّاً جرّاء العدوان، وهو ما أتاح إمكانية تنظيم العمليّة الانتخابيّة فيها، ولو بحدودها الدنيا.
تتّجه الأنظار صباح اليوم، الخامس والعشرين من نيسان، إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزّة، حيث تُجرى أوّل انتخابات بلديّة في القطاع منذ أكثر من عقدين
حدث مفصليّ؟
يعود آخر استحقاق انتخابيّ محلّيّ في قطاع غزّة إلى عام 2005، قبل أن تتوقّف العمليّة الديمقراطيّة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعيّة عام 2006، ثمّ سيطرتها على القطاع في عام 2007 وتولّيها إدارة البلديّات عبر التعيين.
على مدار السنوات الماضية، تعثّرت محاولات إجراء انتخابات شاملة، فبات هذا الاستحقاق، مع محدوديّته الجغرافيّة، حدثاً مفصليّاً يفتح الباب أمام تساؤلات عن التحوّلات الجارية في بنية الحكم داخل القطاع.
تبرز دلالات إضافيّة في طبيعة هذه الانتخابات، إذ تُجرى وفق القانون الانتخابيّ الجديد، الذي ألزم القوائم المترشّحة بالتوقيع على تعهّد بالتزام البرنامج السياسيّ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة والاعتراف بها ممثّلاً شرعيّاً، وهي نقطة كانت تمثّل خلافاً جوهريّاً مع حركة حماس في مراحل سابقة.
يلفت الانتباه غياب إعلان أيّ فصيل سياسيّ رسميّاً دعمه لقوائم بعينها، خلافاً لما درجت عليه الانتخابات سابقاً، ويعكس هذا التحوّل تقدّم البعد الخدميّ والمعيشيّ على الاعتبارات الحزبيّة، في ظلّ واقع ضاغط يفرض أولويّات تتعّلق بإعادة تنظيم الحياة اليوميّة وتوفير الخدمات الأساسيّة للسكّان.
بحسب جميل الخالدي، المدير الإقليميّ للجنة الانتخابات المركزيّة في قطاع غزّة، ستُجرى العمليّة الانتخابيّة عبر 12 مركزاً انتخابيّاً تضمّ نحو 100 محطّة اقتراع موزّعة في أنحاء المدينة، بما يتيح للناخبين الوصول إليها بسهولة. يقتصر حقّ التصويت على المواطنين الذين تبلغ أعمارهم 18 عاماً فأكثر، ويحملون بطاقات هويّة تثبت سكنهم في دير البلح.
قال الخالدي، في حديث مطوّل مع “أساس”، إنّ الناخبين يُدلون بأصواتهم لاختيار قائمة واحدة من بين أربع قوائم، إلى جانب اختيار ما يصل إلى خمسة مرشّحين من داخلها، لانتخاب مجلس بلديّ مكوّن من 15 عضواً يتولّى إدارة شؤون المدينة.
أضاف: “سيتحمّل المجلس البلديّ المنتظر انتخابه مسؤوليّات كبيرة في ظلّ الاكتظاظ السكّانيّ الناتج عن نزوح أعداد كبيرة من المواطنين إلى دير البلح، إلى جانب سكّانها الأصليّين، وهو ما يفرض تحدّيات مضاعفة تتعلّق بإدارة الخدمات الأساسيّة والتواصل مع الجهات المحليّة والدوليّة لتوفير الموارد”.
تابع: “على الرغم من صعوبة الظروف، تمكّنت الجهات المنظِّمة من تجاوز جملة من التحدّيات اللوجستيّة، من خلال إنشاء مراكز اقتراع داخل خيام بدعم من برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ واللجنة المصريّة، إلى جانب العمل على توفير صناديق الاقتراع، مع وضع بدائل محليّة في حال تعذّر إدخال الموادّ اللازمة. يجري أيضاً اعتماد بطاقة الهويّة وسيلة أساسيّة للتحقّق من الناخبين، في ظلّ عدم تحديث السجلّ الانتخابيّ نتيجة ضيق الوقت والظروف المعيشيّة”.
في ما يتعلّق بالجوانب الأمنيّة، قال الخالدي: “تُبدي شريحة من المواطنين مخاوف من تأثير الاستهدافات المتواصلة في القطاع على سير العمليّة الانتخابيّة، إلّا أنّ الجهات المختصّة أكّدت اتّخاذ ترتيبات لضمان سلامة المراكز والناخبين، وستتولّى الشرطة المدنيّة في دير البلح تأمين العمليّة وفق الإمكانات المتاحة”.
يعود آخر استحقاق انتخابيّ محلّيّ في قطاع غزّة إلى عام 2005، قبل أن تتوقّف العمليّة الديمقراطيّة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعيّة عام 2006
أكّد الخالدي أنّ “هذه الانتخابات تحمل رسالة سياسيّة تتجاوز حدود المدينة، مفادها أنّ الفلسطينيّين، على الرغم من الحرب والدمار، ما يزالون متمسّكين بخيارهم الديمقراطيّ، ويسعون إلى ممارسة حقّهم في اختيار ممثّليهم، في تأكيد لاستمراريّة الفعل السياسيّ حتّى في أحلك الظروف”.
فرصة لإيصال رسالة؟
من جانبه، رأى الكاتب والمحلّل السياسيّ، مدير مركز “ثبات” للبحوث واستطلاعات الرأي، جهاد حرب، أنّ إجراء الانتخابات في دير البلح، بعد 21 عاماً من الانقطاع، وبالتزامن مع الضفّة الغربيّة، يمنحها أبعاداً وطنيّة تتّصل بفكرة وحدة الأرض والنظام السياسيّ الفلسطينيّ.
أضاف حرب لـ”أساس”: “جاءت هذه الخطوة استجابة لمطالبات من مؤسّسات المجتمع المدنيّ، قبل أن تتبنّاها الحكومة الفلسطينيّة، في محاولة لمواجهة أيّ مسارات تهدف إلى تكريس الفصل بين الضفّة والقطاع”.
في ما يتعلّق بحركة حماس، أوضح حرب أنّه لا يمكن فصل هذا التطوّر عن واقع الحركة في القطاع، إذ قد تنظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لإيصال رسالة بأنّها لا تعارض إجراءها، وربّما تسمح بمشاركة شخصيّات قريبة منها ضمن القوائم المستقلّة، في ظلّ تراجع قدرتها على إدارة الشأن الحكوميّ بشكل مباشر.
إقرأ أيضاً: “فتح”… نسخة طبق الأصل عن مجتمعها (2/2)
أشار إلى أنّ إجراء الانتخابات قد يسهم في تسهيل تدفّق التمويل إلى البلديّات في قطاع غزّة، وهو عامل حيويّ في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة والإنسانيّة، وهو ما يمنح هذه الخطوة بعداً عمليّاً يتجاوز الإطار السياسيّ.
استحضر حرب محاولات سابقة جرت في عامَي 2021 و2022 لإجراء انتخابات محليّة في القطاع تعثّرت بسبب خلافات تتعلّق بجهة الإشراف وطبيعة المرجعيّة القانونيّة، إذ كانت بعض الأطراف داخل حركة حماس تفضّل إجراءها تحت إشرافها المباشر، وهو ما حال دون التوصّل إلى تفاهمات في حينه.
تحمل انتخابات دير البلح في طيّاتها رسائل سياسيّة أهمها رسالة مفتوحة للعالم بأنّ إرادة المشاركة السياسيّة لا تزال حيّة على الرغم من كلّ التحدّيات.
