تهجير “الخان الأحمر”: رصاصة الرّحمة على الدّولة الفلسطينيّة؟

مدة القراءة 6 د

يمثّل قرار وزير الماليّة الإسرائيليّ بتسلئيل سموتريتش إخلاء تجمّعات الخان الأحمر شرقيّ القدس تصعيداً سياسيّاً وميدانيّاً يتجاوز حدود التجمّع البدويّ الصغير ليبدو تحدّياً للمجتمع الدوليّ.

 

يحمل استهداف الخان الأحمر بعداً سياسيّاً خطِراً، وقد جاء ردّاً على إصدار مذكّرات توقيف واحتجاز من المحكمة الجنائيّة الدوليّة بحقّ سموتريتش، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة إسرائيليّة مباشرة إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة، التي سبق أن حذّرت عام 2018 من أنّ تهجير سكّان الخان الأحمر قسراً قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسيّ.

يأتي قرار سموتريتش في وقت توسّع فيه إسرائيل سياسات التهجير والاستيطان بالتوازي مع الحرب المستمرّة على قطاع غزّة، بينما تتصاعد الانتقادات الدوليّة لوزراء في الحكومة الإسرائيليّة، آخرهم سموتريتش ووزير الأمن القوميّ إيتامار بن غفير على خلفيّة تنكيله بنشطاء أسطول الصمود.

عقبة رئيسة

يخدم تهجير الخان الأحمر المشروع الاستيطانيّ الاستراتيجيّ “إي 1″، الذي يستهدف إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينيّة حول القدس، من خلال ربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بالقدس المحتلّة، بما يؤدّي فعليّاً إلى فصل شمال الضفّة الغربيّة عن جنوبها وتقويض أيّ إمكانيّة لإقامة دولة فلسطينيّة متّصلة جغرافيّاً.

يقع الخان الأحمر على الطريق الواصل بين الأغوار الفلسطينيّة والقدس المحتلّة، ويعدّ من أكثر المناطق حساسيّة نظراً لموقعه الذي يشكّل حلقة وصل جغرافيّة بين شمال الضفّة الغربيّة وجنوبها. يقطن التجمّع نحو 200 فلسطينيّ من عائلات بدويّة هُجّرت منذ عام 1948 واستقرّت في بادية القدس.

تنظر إسرائيل إلى الوجود الفلسطينيّ في هذه المنطقة باعتباره العقبة الرئيسة أمام تنفيذ مشروع “إي 1″، الذي تسعى من خلاله إلى خلق تواصل استيطانيّ كامل يطوّق القدس الشرقيّة ويعزلها عن محيطها الفلسطينيّ، في إطار مشروع “القدس الكبرى” الممتدّ حتّى البحر الميّت.

يحمل استهداف الخان الأحمر بعداً سياسيّاً خطِراً، وقد جاء ردّاً على إصدار مذكّرات توقيف واحتجاز من المحكمة الجنائيّة الدوليّة بحقّ سموتريتش

يعدّ قرار الإخلاء الحاليّ تتويجاً لمسار طويل من السياسات الإسرائيليّة الهادفة إلى تفريغ بادية القدس من سكّانها الفلسطينيّين. وخلال السنوات الأخيرة، كثّفت سلطات الاحتلال إنشاء بؤر استيطانيّة رعويّة حول التجمّعات البدويّة تحوّلت إلى منصّات لاعتداءات المستوطنين ووسيلة ضغط مباشرة على السكّان، وهو ما أدّى بالفعل إلى تهجير نحو 80 تجمّعاً منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل.

يحمل استهداف الخان الأحمر أبعاداً سياسيّة تتجاوز حدود التجمّع نفسه، إذ إنّ نجاح إسرائيل في فرض التهجير سيفتح الباب أمام استكمال السيطرة على المنطقة الممتدّة بين القدس والأغوار، ويعزّز مشروع الضمّ التدريجيّ للضفّة الغربيّة.

تعيش قرية الخان الأحمر على الأرض حالة ترقّب وخوف متواصلين عقب إعلان قرار الإخلاء، وسط مخاوف من تنفيذ العمليّة بشكل مفاجئ، وخاصّة خلال ساعات الليل.

يقول رئيس المجلس القرويّ في الخان الأحمر عيد أبو دهوك إنّ الأوضاع داخل القرية “صعبة جدّاً”، وإنّ السكّان يعيشون حالة قلق دائم وترقّب لما قد يحدث “بعد دقيقة أو ساعة أو يوم”، في ظلّ خشية من اقتحام قوّات الاحتلال القرية وبدء عمليّات الهدم والتهجير.

يشير أبو دهوك في حديث إلى “أساس” إلى أنّ حالة الخوف تتفاقم خلال ساعات المساء بسبب توقّعات لوصول الجرّافات الإسرائيليّة ليلاً، مؤكّداً أنّ النساء والأطفال يعيشون تحت ضغط نفسيّ كبير نتيجة التهديدات المستمرّة بالإخلاء.

الخان الأحمر

يرى أبو دهوك أنّ الحكومة الإسرائيليّة “لا تستمع حتّى لقرارات المحاكم”، وهو ما يقلّل من فرص استجابتها لأيّ ضغوط دوليّة قد تمارَس لمنع التهجير، وخاصّة أنّ المستوطنين كثّفوا خلال السنوات الماضية اعتداءاتهم على القرية وسكّانها عبر مجموعات “فتية التلال” التي نفّذت اعتداءات متكرّرة على المدرسة والطلبة والهيئة التدريسيّة، إلى جانب سرقة الأغنام والخيام وتخريب ألواح الطاقة الشمسيّة وقطع المياه، في محاولة لدفع السكان إلى الرحيل.

يقع الخان الأحمر على الطريق الواصل بين الأغوار الفلسطينيّة والقدس المحتلّة، ويعدّ من أكثر المناطق حساسيّة نظراً لموقعه

يؤكّد أبو دهوك أنّ المخطّط الإسرائيليّ لا يستهدف الخان الأحمر وحده، بل يهدف إلى فصل شمال الضفّة الغربيّة عن جنوبها وربط المستوطنات ضمن ما يسمّى “الحزام الشرقيّ” حول القدس، بما يؤدّي إلى إحكام السيطرة على المدينة وعزلها عن محيطها الفلسطينيّ.

صراع مفتوح

من جهته، يؤكّد القائم بأعمال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبدالله أبو رحمة أنّ مخطّط هدم وتهجير الخان الأحمر يأتي ضمن مشروع استيطانيّ متكامل يستهدف تكريس السيطرة الإسرائيليّة على القدس والضفّة الغربيّة.

يوضح أبو رحمة في حديث إلى “أساس” أنّ مخطّطات “إي 1” ليست جديدة، بل مطروحة منذ عشرات السنوات، وجرى إقرارها خلال عام 2025، مشيراً إلى أنّ ما يجري حاليّاً هو الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، وأنّ الخان الأحمر يشكّل جزءاً مركزيّاً من هذا المخطّط.

يشير أبو رحمة إلى أنّ سموتريتش يمارس فعليّاً سياسات التهجير والهدم على الأرض حتّى دون إعلانها، مؤكّداً أنّ عشرات التجمّعات البدويّة تعرّضت خلال الفترة الماضية للتهجير القسريّ، وأنّ ما يجري في الخان الأحمر ليس حالة منفصلة، بل يأتي ضمن سياسة متكاملة تنفّذها الحكومة الإسرائيليّة وميليشيات المستوطنين.

يضيف أنّ المنطقة المحيطة بالخان الأحمر تشهد انتشار نحو عشر بؤر استيطانيّة تمارس اعتداءات متواصلة بحقّ الفلسطينيّين بدعم مباشر من الحكومة الإسرائيليّة، سواء عبر الحماية الأمنيّة أو التمويل أو توفير الغطاء السياسيّ.

يؤكّد أبو رحمة أنّ المشروع يحمل أبعاداً سياسيّة واستراتيجيّة خطِرة، أبرزها القضاء على أيّ إمكانيّة لإقامة دولة فلسطينيّة متواصلة جغرافيّاً، وتوسيع ما يسمّى “القدس الكبرى” وصولاً إلى البحر الميّت، إضافة إلى تعزيز سياسة الضمّ وفرض السيادة الإسرائيليّة على الضفّة الغربيّة.

 يؤكّد القائم بأعمال نائب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبدالله أبو رحمة أنّ مخطّط هدم وتهجير الخان الأحمر

يلفت إلى أنّ الاحتلال يواصل تنفيذ سياسة تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينيّة عبر الحواجز والإغلاقات والبوّابات العسكريّة، موضحاً أنّ عدد الطرق المغلقة في الضفّة الغربيّة تجاوز 930 طريقاً، سواء عبر السواتر الترابيّة أو الحواجز أو البوّابات الحديديّة، وهو ما يحوّل التجمّعات الفلسطينيّة إلى “جزر وكانتونات” معزولة.

إقرأ أيضاً: الإصلاحات الفلسطينيّة خارج الاشتراطات الدّوليّة

في ظلّ انشغال العالم بالحروب والتوتّرات الإقليميّة، يرى فلسطينيّون أنّ إسرائيل تستثمر تراجع الاهتمام الدوليّ بالقضيّة الفلسطينيّة لتسريع مشاريع الضمّ والاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض تجعل من الخان الأحمر عنواناً لمعركة تتجاوز حدود تجمّع بدويّ صغير إلى صراع مفتوح على مستقبل القدس والوجود الفلسطينيّ في الضفّة الغربيّة.

مواضيع ذات صلة

“عقدة بيروت” في حرب ترامب المؤجلة

انطلقت الحرب على إيران في 28 شباط من هذا العام. بعد 15 أسبوعاً، في 12 من حزيران الجاري، أُعلن التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين طهران…

إسرائيل تخطف “أرض الصومال” في عتمة الحرب

في خضمّ الانشغال بإيجاد مخارج للحرب الأميركيّة الإسرائيليّة وإيجاد حلّ لأزمة مضيق هرمز، مرّ حدثٌ استراتيجيّ بالغ الأهميّة من دون أن يحظى بالقدر الكافي من…

“الحزب” اليوم: تنظيم جديد ولغة قديمة

على الرغم من دخول الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ حيّز التنفيذ، لا يزال “الحزب” متمسّكاً بلغته القديمة. تغيّر كلّ شيء في “الحزب”. لم يبقَ شيء من…

هل هناك فرصة للبنان بين أميركا وإيران؟

تقترب الأزمات بين أميركا وإيران من نهاياتٍ (وليست خواتيم) مرحليّة مؤقّتة. والنهايات السريعة هذه تترك العديد من المشكلات بدون حلولٍ أو معالجات. ترامب مستعجل على…