فارق كبير بين هذه الحرب التي دارت وتدور رحاها في الشرق الأوسط وغربيّ آسيا، وبين كلّ الحروب التي سبقتها في المنطقة، بالتأثير على ارتجاج الوعي عند أهلها، سواء كانوا من العرب أو في محيطهم، أو تعايشوا فيما بينهم أو احتربوا.
الصراع بين المجموعات والدول كان وما يزال في العالمَين القديم والحديث محكوماً بأسباب متشابهة تدفعها إلى الذروة المصالح والمعتقدات، ولا سيما السماويّة منها الأقوى من غيرها والتي تعمّمت بها وتعمّقت الجراح الإنسانيّة. توالت السرديّات لجهة توطين الشرّ والخير، تبعاً لمصالح ومعتقدات المتحاربين، مع مزيد من التعبئة وشهوة القتل والدمار.
لهيب المشهد في هذه الحرب، معطوفاً على نهاية حقبة الاعتبار للقانون الدوليّ ولضوابط مفهوم القيم والتحرّر الوطنيّ، وعلى وداعٍ لحقبة الصراع الاجتماعيّ الذي أنتج أنظمة ورسم سياسات في المنطقة لم تؤكّد صدقيّتها وزادها انكشافاً سقوط الاتّحاد السوفيتيّ.
عاد العرب ومحيطهم إلى ما قبل الزمن المستقطع للحرب الباردة، ليستقبلوا الحروب وينخرطوا فيها بوعي حائر متردّد يفتقر إلى الثبات حول منطلقات يمكن أن تشكّل تعريفهم الحسّيّ والمصلحيّ للهويّتين القوميّة والوطنيّة.
الحقبة الفلسطينيّة
لا يعني التأكيد هنا الحصر أنّ المؤسّسة السياسيّة العربيّة المعاصرة – الحديثة لم تستحوذ على شرعيّتها وعلّة وجودها، إلّا كجواب على نكبة فلسطين، والتزام تحدّي الصراع مع دولة الاستيطان. ما ينطبق على نشوء الأحزاب العربيّة بهذه “الكليّة الفلسطينيّة”، ينطبق على وعي مجتمعاتها، وإدراك نخبها، وسياسة دولها. كلّ يقين سبق الوعي الحصريّ لفلسطين كقضيّة، يختصر السيرة العربيّة في السياسة والاجتماع، وقيام الدولة، بالإسلام والخلافة. لم يكن الاعتراف والقبول بالأفكار والثقافات الأقلّويّة سوى وصفة أو ترضية في مواجهة جاذبيّة التحديث والثقافات الوافدة.
ذهبت “الثورة” الإيرانيّة إلى سوريا يسبقها الانحياز المذهبيّ للنظام السوريّ، الذي مارست الشراكة الكاملة معه في قتل السوريّين حتّى الرمق الأخير للنظام
تميّز لبنان بغلوٍ كيانيّ، منذ نشوئه الحديث كدولة، وشهد صراعاً بين مشروع لبنان الكيان والمشاريع الإقليميّة المُستهدِفة له. جالت في أرجاء هذا الكيان وما تزال أحزاب وقيادات لم تكن فلسطين علّة ولادتها ودورها. على الرغم من الانفراد اللبنانيّ النصفيّ بهذا الاختلاف عن سائر العرب، لم يخرج لبنان من المرحلة الفلسطينيّة العربيّة بعد النكبة، بل اقتحمه الكفاح الفلسطينيّ المسلّح واستقبله اللبنانيّون بين قبول واعتراض بلغ حدود قسمةٍ تشي بنهاية الكيان.
شراكة الجغرافيا والثّقافة والمصالح
بين دول المشرق العربيّ ومصر شراكة الجغرافيا والثقافة والمصالح والتفاعل والهويّة الأصليّة، لكن مع قوة هذه العناصر لم يولد مشروع للوحدة فيما بينها. وحدها فلسطين أقامت ما يصعب قيامه وتثبيته (لأسباب عديدة)، وهو وحدة عام 1958 بين سوريا ومصر. بسبب فلسطين وقّع العرب شعوباً وحكومات على وثيقة تحريم السياسة الواقعيّة، ولم يقتصر هذا التحريم على السياسة الخارجيّة، وعلاقاتهم بالدول والشعوب التي عيّنوها معادية لتحرير فلسطين، بل غيّبوا حقّهم بالتطوّر الطبيعيّ لمجتمعاتهم ودولهم. وفي السياق لم ينتبهوا للحاجة إلى الإصلاح والتنمية. قفزوا فوراً إلى الانقلابات العسكريّة والرهان على أنّها الأسرع لتحرير فلسطين.
تجاوز الإطلاق والتعميم لهذا الوعي المَشرقَ ووادي النيل والخليج، وصولاً إلى المغرب وشماليّ إفريقيا. فلسطين من حيث الحضور لم تنشئ بقوّة تأثيرها الأحزاب العربيّة فقط، بل كثيراً ما شكّل اعتبارها حافظاً للتساوي المعقّد بين الحكومات المحافظة والراديكاليّة. في سياق هذه المعادلة ولدت منظّمة التحرير الفلسطينيّة جامعة لكلّ الفلسطينيّين ومحتضَنة من كلّ العرب.
الاعتبارات كثيرة، وبعضها روحيّ، وجدانيّ، هويّاتيّ، أخلاقيّ، ومصيريّ. تقابلها اعتبارات تتعلّق بالسطو على فلسطين تكثّف فكرة الاستعمار والاغتصاب والغدر والعنصريّة والاستيطان والقتل والتهجير.
رسّخ هذا التضادّ الحادّ في الوعي العربيّ ديمومة فلسطين، وحال دون ضعفها أو تراجعها على الرغم من الانتكاسات والهزائم التي تعرّض لها العرب والتي أصابت دول المواجهة وشعوبها بأفدح الأضرار.
لم ينتصر العرب بل احتُلّت أراضٍ جديدة. لم يتقدّم الفلسطينيّون على طريق حقّ تقرير المصير والتجسيد المادّيّ لهذا الهدف
لم ينتصر العرب بل احتُلّت أراضٍ جديدة. لم يتقدّم الفلسطينيّون على طريق حقّ تقرير المصير والتجسيد المادّيّ لهذا الهدف، بل أُصيب أهل الشتات بعد الأردن ولبنان بمزيد من الشتات والقهر. بقي مشروع الدولة خواطر، حدودها افتراضيّة وسلطتها شرطة. واقعٌ تعدّدت أسبابه، لكنّ فلسطين بقيت هي الأولى والمركزيّة في الوعي العربيّ وفي السياسة العربيّة، حتّى مندرجات كامب ديفيد ووادي عربة لم تستطِع القفر فوق اعتبارها. فلسطين همٌّ وقلق استمرّ يفيض عند أهلها في الداخل وفي الشتات وعند العرب، وبدرجة ملحوظة عند مسلمي آسيا وإفريقيا. بقوّة هذا الفيض بقيت إسرائيل دولة غير طبيعيّة وغير نهائيّة في المنطقة، وعند الكثير من دول وشعوب العالم.
المرحلة الإيرانيّة
جاء التغيير في إيران عام 1979 محمولاً على مجموعة من الأسباب الداخليّة التي تتّصل بعزلة نظام الشاه وتخلّفه، والخارجيّة التي تتّصل بانتهاء وظيفته الإقليميّة أو بالحاجة إلى وظيفة أخرى لإيران أخرى.
لم تشكّل هذه الاعتبارات جواباً جاهزاً كاملاً عن الأسئلة التي طرحت بعدما صفّى النظام الجديد في إيران شركاءه ومعارضيه. ازداد الوضع غموضاً إلى أن كشف النظام عن صفاء هويّته المذهبيّة ودوره المركّز عداوةً للعرب دولاً وشعوبا. وضع على رأسه التاج الفلسطينيّ المرصّع ببهاء القضيّة.
استحوذت “الثورة” الإيرانيّة في تلك اللحظة على توصيف مؤنّث ثور، والتأنيث هنا ليس تهكّماً وإنّما للدلالة على قوّة اندفاعها، وبلغ تأثيرها كلّ الأحداث والمعادلات في الإقليم، حتّى اضطرّ أبو عمّار، الذي كان قادراً على توزيع شهادات فلسطينيّة على الكثير من دول المنطقة، إلى أن يسبقها إلى طهران بعبارة: هذه الثورة العملاقة وهذا الشيخ الجليل. تحت قبّة انفجارها وصعودها، أمسكت “الثورة” بمقود الشر حيثما حطّت رحالها، وأينما بلغ تصديرها.
تميّز لبنان بغلوٍ كيانيّ، منذ نشوئه الحديث كدولة، وشهد صراعاً بين مشروع لبنان الكيان والمشاريع الإقليميّة المُستهدِفة له
إسقاط بغداد هديّة تاريخيّة
كانت العين على بغداد قبل الثبات في طهران. صمد العراق في حربه ودفاعه، فاستعانت عليه بالسلاح من إسرائيل، وأخيراً ساهمت في إسقاطه بصفقة كبرى مع الولايات المتّحدة الأميركيّة. بصرف النظر عن تجربة الحكم في العراق، كان الإسقاط بمرتبة هديّة تاريخيّة لإيران وإسرائيل، بالتكافل والتضامن، إذ حُذفت من وجه الاثنين دولة استراتيجيّة متوسّطة من حصّة العرب وفلسطين في الإقليم. أمعن نظام الملالي فقتل من العراقيّين ونخبهم القياديّة والعلميّة أعداداً لم تُحصَ حتّى الآن.

أسّست “الثورة” في لبنان فيلَقها الذي أطاح بالمعادلات اللبنانيّة، واستثمرت في تضحيات الجنوبيّين، وتكسّبت من الانسحاب الإسرائيليّ عام 2000 ودفعت بفائض قوّتها في وجه اللبنانيّين على كلّ مفارق الاستحقاقات والخيارات.
ذهبت “الثورة” الإيرانيّة إلى سوريا يسبقها الانحياز المذهبيّ للنظام السوريّ، الذي مارست الشراكة الكاملة معه في قتل السوريّين حتّى الرمق الأخير للنظام. لم تفوّت فرصة للاعتداء أو لابتزاز دول الخليج، مع رصيد تهديديّ وتخريبيّ استقطعته من اليمن وأطاحت بوحدته. لم تغِب عن بالها مشاريع التشيّع في مصر والسودان.
لم ترتوِ “الثورة” الإيرانيّة إلّا بمزيد من الشرور تجاه العرب. كانت الذروة عندما لاقت اليمين الإسرائيليّ للإطاحة بالوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة وبمنظّمة التحرير الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب الفلسطينيّ. استعارت من حصّة “الإخوان المسلمين”، فغدت العاصمة الخامسة غزّة تحت سيطرة طهران، مضافةً إلى بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، كما جاء في خطب قادة الحرس الثوريّ.
أصبح الحضور الفلسطينيّ، الذي استمرّ يحدّد لثلاثة عقود وجهة القضيّة ووجهة السياسة العربيّة، بالنسبة للوليّ الفقيه وأعوانه ذا وظيفة أخرى هي القطيعة بين القضيّة وأهلها عبر دفعهم للاستدارة بوعيهم نحو عدوٍّ آخر. لم يكن الإيذاء الإيرانيّ بأبعاده المذهبيّة والقوميّة الفارسيّة والعدوانيّة والسلوكيّة إلّا هذا العدوّ.
فارق كبير بين هذه الحرب التي دارت وتدور رحاها في الشرق الأوسط وغربيّ آسيا، وبين كلّ الحروب التي سبقتها في المنطقة
ارتجاج الوعي تجاه القضيّة
كيفما انتهت هذه الحرب التي هي من ويلات المشروع الإيرانيّ، سواء بالدبلوماسيّة والتفاوض أو بحرب مضافة أو مُعاوَدة، فإنّ تحوّلاً يتّصل بمقدّماتها وحجمها ونتائجها لن يُصحَّح، ألا وهو ارتجاج الوعي تجاه فلسطين القضيّة، وليس كيّ الوعي كما ادّعى الراحل حسن نصرالله. كلّ ذلك جرى ويجري في محيط إيران العربيّ ولامس تعريف من هو العدوّ، فشكّل الأساس لمشيئة التطبيع والقبول به بفعل الدور الإيرانيّ الخبيث والمعادي للعرب. وهذا هو الربح التاريخيّ والصافي لإسرائيل.
ليس أدلّ على ذلك من المشهد الواحد في التوقيت الواحد: تقصف إسرائيل لبنان وجنوبه، ويقصف الحرس الثوريّ شماليّ العراق ودول الخليج، ولم يكن لديه مانع أن تصل صواريخه دمشق التي غادرها مذلولاً. أمّا عن سلاحه الذي وصل إلى غزّة وفتح الباب على مصراعيه لقتل أبنائها فهو بالأساس سلاح وصل إلى الغزّيّين متّهماً، بعدما قتل في بغداد ودمشق وصنعاء، واغتال في بيروت، وأضاف إلى القضيّة الفلسطينيّة قضايا جديدة، واحدة عراقيّة وثانية سوريّة وثالثة يمنيّة وأخرى لبنانيّة.
كم يبدو الفارق بسيطاً بين أن تحتلّ إسرائيل فلسطين وتتحدّث باسمها، وبين أن تعلن إيران لبنان لها وتفاوض باسمه، وغزّة المقتولة بقوّة الاستعمال الإيرانيّ تغيب عن سمع وبصر الحرس الثوريّ لأنّها ليست من رصيده المذهبيّ.
جاء التغيير في إيران عام 1979 محمولاً على مجموعة من الأسباب الداخليّة التي تتّصل بعزلة نظام الشاه وتخلّفه
فاصل أخير: إنّ هذه الحرب ما كانت لتقع لو لم تسعَ ايران الملالي إلى الحصول على أكثر ممّا تستحقّ من عائدات لِما قدّمته على حساب العرب وفلسطين. لو أدرك ذلك السذّج والملتحقون لما فاض عتبهم على شعوب المنطقة التي تراقب وتتحفّظ.
هي رؤية الشاعر العراقيّ الكبير عبدالرزّاق عبدالواحد قبل عقدين من الزمن حين قال:
ثمّة صوت غريب
صوت مثير مريب
يسألني دائماً هذا السؤال
العجيب
عاصمة الكفر من؟ طهران أم تل أبيب
في عقل مَن منهما سرّ
الفناء الرهيب.
*سياسي وكاتب لبناني
