الرّئيس يحمي السّفينة و”الحزب” يثقبها

مدة القراءة 7 د

خطاب الرئيس لمناسبة التفاوض المباشر مع إسرائيل شجاعٌ ومسؤول، ويواجه تحدّيات عدّة. الأهداف الكبرى التي يريد تحقيقها بغضّ النظر عن الاعتراضات تفرض أموراً علينا جميعاً أن نفكّر فيها ونكون معها. ما عدنا نملك الوقت بعد التوريطات الانتحاريّة الدائمة منذ عقود لـ”الحزب” المسلَّح.

 

كيف نواجه مؤامرات وأماني الانقسام، والرغبة في تعطيل الحلول ولو بالنزاع الداخليّ. كان الخلاف سيحصل اليوم أو غداً على هذه القضيّة الوطنيّة الكبرى: بقاء الوطن وقوّة الدولة. ما يجعل الأمل قويّاً أنّ معظم اللبنانيّين مع الرئيس.

ذكر الرئيس في خطابه: “إنّنا جميعاً في سفينةٍ واحدة، فإمّا أن نقودها بحكمة حتّى نصل بها إلى برّ الأمان، وإمّا أن نُغرقها ونغرق معها جميعاً”.

لكلٍّ منّا ثقافته، وبناءً على ثقافتي أذكر حديثاً للنبيّ (ص) عن سفينةٍ ذات طبقتين، وأنّ الذين في الطبقة السفلى أرادوا أن يوفّروا على أنفسهم وعلى ركّاب الطبقة العليا المرور عليهم كلّما أرادوا أن يستقوا من الماء، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نحتَج إلى مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً. ثمّ تلا النبي آيةً قرآنيّة: }واتّقوا فتنةً لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة، واعلموا أنّ الله شديد العقاب{ (سورة الأنفال: الآية 25). نعم الشاذّون الشاردون عن قيادة السفينة جماعة مسلّحة، لكنّ المتضرّرين كلّ اللبنانيّين.

خطاب الرئيس لمناسبة التفاوض المباشر مع إسرائيل شجاعٌ ومسؤول، ويواجه تحدّيات عدّة

الدّولة تستطيع؟

قال رئيس الجمهوريّة إنّه منذ خمسين سنةً ما كان قرار السلم أو الحرب بيد الدولة، وهو هذه المرّة قرار لبنان، لا ينوب عنه فيه أحد، ولا يتمكّن أحدٌ من استخدامه لمصلحة الخارج. لأوّل مرّة قيادة السفينة بيد قيادتها وحكومتها، وتريد أن تقودها إلى برّ الأمان.

لقد صبر اللبنانيّون طويلاً، وتصدّعت دولتهم ونظامهم، وصار على وطنهم خطرٌ وجوديّ، وفقدوا الآلاف والآلاف، وتهجّر منهم في الحرب الحاليّة زهاء مليون ونيّف، واستعمرت إسرائيل خمساً وخمسين قرية وبلدة. الرئيس في خطابه يستنصر بهذه الآلام ليقول إنّه ما عاد ممكناً غير المخرج الواحد: التفاوض الهادف إلى إجلاء المحتلّ وعودة السكّان وإعادة الإعمار، وليس أقلّ من ذلك أبداً.

لكن في المقابل على السلطة والرئيس الذهاب ولو إلى آخر العالم لتحقيق ذلك. مفهومٌ ماذا يعني ذلك: التفاوض مع إسرائيل في الولايات المتّحدة، وهي خطوةٌ جبّارة. لكنّ “الأجبر” منها، كما يقال، ماذا يستطيع لبنان وسلطاته تقديمه من أجل بلوغ ذلك؟ في كلام الرئيس وقرارات الحكومة الإجابة على ذلك: نزع سلاح “الحزب”، فلا يستطيع شنّ الحرب ولا الانفراد بتهديد أمن السفينة. فهل تستطيع السلطة اللبنانيّة ذلك؟

منذ التسعينيّات ما كان أحدٌ يجرؤ على التعرّض لسلاح “المقاومة”، بل إنّ من حاول القيام بأقلّ من ذلك قُتِل مشيَّعاً بعار التخاذل أو الخيانة. يهدّدون الآن بمصير أنور السادات الذي مضى إلى الكنيست الإسرائيليّ وإلى كامب ديفيد، لكنّه حرّر كلّ التراب المصريّ، وإن قتله المتطرّفون عام 1981. كان السادات مسيطراً بالداخل المصريّ، وعنده جيش واحد هو الجيش الوطنيّ المصريّ، وعندنا في لبنان جيش واحد، لكنّ عندنا أيضاً ميليشيا كانت وما تزال تشنّ الحروب دون أن يستطيع أحدٌ منعها.

قال الرئيس إنّه لن يتراجع عن التفاوض مع إسرائيل ولو كان مباشراً لتحقيق أهداف السلامة والسلم واستعادة الأرض التي ضيّعها مسلّحو إيران. لكن ماذا يستطيع التقديم في المقابل؟ نحن نعلم أنّه ما أمكن نزع سلاح “الحزب” ووجوده من جنوب الليطاني بعد عامٍ ونيّف. ما تزال الصواريخ من “الحزب”، بطلبٍ من إيران، تتهاطل على إسرائيل: ماذا يستطيع الرئيس تقديمه لهذه الناحية؟ إذ في مقابل الانسحاب وأمن الشمال الإسرائيلي على لبنان أن يضمن توقّف تحرّش “الحزب” بإسرائيل، وهو ما لا يستطيعه الكيان اللبنانيّ حتّى الآن. ماذا يقدّم لهم أو كيف يضمن لمستوطنات شمال الكيان أن لا تتعرّض للضربات إذا أمرت إيران؟

لنلتفت إلى الضفّة الأخرى الإيرانيّة و”الحزبيّة”. على الجانبين معارضةٌ شديدةٌ للتفاوض، مع أنّه لا سلام بدون تفاوض. لذلك هل من جهة تُقنع إيران الغائصة في حربٍ تحتاج فيها حتّى إلى رشّاشات “الحزب”؟ أمّا مسؤولو “الحزب” فيهدّدون مفاوضينا بالقتل كما حدث للرئيس أنور السادات.

لا ينبغي الاستهانة بالشرعيّة التي تفاوض لأوّل مرّةٍ وبشكلٍ مباشر. هناك الجهات الدوليّة والعربيّة التي ضغطت لوقف النار، وستضغط بالطبع أكثر حتّى لا يعود التحرّش فيستدرج العدوان.

قال رئيس الجمهوريّة إنّه منذ خمسين سنةً ما كان قرار السلم أو الحرب بيد الدولة، وهو هذه المرّة قرار لبنان، لا ينوب عنه فيه أحد

لا شيء سوى الهلاك؟

قال رئيس الجمهوريّة إنّها كانت حروباً عبثيّة، ونالت أكثر ما نالت من بيئة “الحزب”. يعوّلون على الرئيس نبيه برّي، لكنّ الرئيس برّي لا يستطيع إقناع “الحزب” بنزع سلاحه (!). لذلك تبقى أخطار الحرب المدمّرة قائمة، إلّا إذا كان فريق وقف النار سيظلّ يطلب من إسرائيل أن لا تردّ، لكنّه لا يستطيع بالطبع أن يطلب منها ذلك أو يطلب الانسحاب من القرى الخمس والخمسين المحتلّة حديثاً (!). يقول الإعلام الإسرائيليّ إنّ سكّان شمال الكيان منزعجون من وقف القتال قبل تصفية “الحزب” وسلاحه.

لا نعرف بعدُ كم تستطيع الرئاسة المُضيّ، وبخاصّةٍ أنّ مطالبها كبيرة وكبيرة جدّاً، إلّا إذا كانت تندفع في تحقيق مقابلة الرئيس مع نتنياهو، وهو الهمّ الذي عند ترامب أكثر من نتنياهو لأنّه يريد القول إنّه حقّق السلام العاشر في أقلّ من سنةٍ ونصفٍ على رئاسته الثانية.

لكن لنُعِد للمرّة الثانية النظر في موقف “الحزب” المتأيرن، وفي موقف السواد الأعظم من الطائفة الشيعيّة. قلنا إنّ “الحزب” وإيران معارضان بشدّة لمسار التفاوض، وإنّنا لا نظنّ أنّ الرئيس نبيه برّي يستطيع تغيير هذا الموقف. لكن ماذا عن الرأي العامّ الشيعيّ، والجسم الشيعيّ المثخن بالجراح، الذي يحتاج إلى عشرين سنة وأكثر لترميم عمرانه وعيشه ونفسيّة أطفاله؟

الانطباع السائد أنّ معظم المنكوبين ما يزالون مع “الحزب” ظاهراً. وهذا يحدث في ظروف التأزّم والتوتّر والاستنفار، حيث يحتاج الجمهور إلى أيّ تعزية، والتعزية أنّ “الحزب” بقذائفه ومسيّراته يصيب الكيان إصاباتٍ جمّة. إنّما ماذا عن اليوم التالي، أي بعد وقف النار إن استمرّ؟ كلّ هؤلاء الذين تهجّروا يعودون للتساؤل عن مصائرهم ومنازلهم وأطفالهم والأصحاب الذين فقدوا. يطلبون وسيطلبون المساعدة من الجميع، وبخاصّةٍ الدولة.

إقرأ أيضاً: ماذا بعد “هزيمة” الحزب؟

إنّما ماذا يحصل لو عاد القتال؟ مسؤولو “الحزب” قالوا لهم: لا ترجعوا واصبروا في أماكن لجوئكم، فإذا أصررتم فلتكن زيارة قصيرة وعودوا فوراً (!). هذا يعني أنّ “الحزب” يتوقّع عودة القتال، وستكون هذه المرّة أقسى على بيئة “الحزب” وعلى كلّ اللبنانيّين.

لقد قام رئيس الجمهوريّة بما عليه بعد محاولاتٍ عديدةٍ وعبر وساطات تبدأ ولا تنتهي. قدّم نبيه برّي أكثر ممّا يستطيع: أفلا يكون على “الحزب” أن يقدّم شيئاً غير الهلاك والإهلاك؟ أمّ جنوبيّة ما استطاعت فراق فقيدها القتيل، فدخلت معه إلى القبر، وتعسّر إخراجها! أفلا يمتلك الحزبيّون الذين قُتل كثيرٌ منهم أطفالاً يخشون عليهم، وبخاصّةٍ أنّها حروبٌ انتحاريّةٌ لا تنتج شيئاً ولا تنقذ أرواحاً ولا أرضاً؟

لا يمكن الردّ على خطاب الرئيس عون، وأوهام الرافضين وبهوراتهم أقلّ من مستواه ومن مسؤوليّته ومن شجاعته.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…