منذ هبط على الحياة السياسيّة الدوليّة هبوط نيزكٍ على أرضٍ هشّة، لم تبقَ كلمةٌ في قواميس الهجاء لم تُقَل فيه. من جانبه لم يقصّر في منح منتقديه مستمسكاتٍ قويّةً عليه، من خلال أقوالٍ غير متناسبةٍ مع وضعه رئيس أهمّ دولةٍ في العالم، واتّخاذه قراراتٍ مخالفةً لكلّ التوقّعات متجاهلاً القواعد الصارمة التي كانت تحكم قرارات أسلافه، سواء في ما يتّصل بالسياسة الداخليّة في أميركا أو على صعيد السياسة الخارجيّة.
في مواجهة دونالد ترامب وطريقته في العمل، اختار خصومه وأصدقاؤه التعامل معه بمنطق الاحتواء والتكيّف، ذلك أنّ رجلاً كهذا بمزاجه الخاصّ ومكانته واعتداده النرجسيّ بذاته، وبما لدى دولته من إمكاناتٍ متفوّقة، لا يصحّ التعامل معه عبر المبادرة إلى مواجهاتٍ مباشرة.
إن افتتح باباً للصدام، فتح الآخرون معه أبواباً للحوار والتسويات، وحين كان يذهب في مواقفه إلى الحدود القصوى، كان الخصوم أو المنافسون أو الحلفاء التقليديّون يساعدونه على لقائهم، إن لم يكن في منتصف الطريق ففي نقطةٍ تحول دون التصعيد والصدام المباشر.
شهدت ولايته الحاليّة وما تزال أشرس الحروب في أوروبا والشرق الأوسط، بعضها ورثه عن أسلافه، وبعضها الآخر أنجز خفضاً مؤقّتاً لنيرانه، وأخيراً انخرط فيها مباشرةً في حربه على إيران.
هي حرب كبرى تخوضها أميركا، من دون شرعيّةٍ داخليّةٍ، ومن دون ضمان شركاء فيها بالاتّفاق المسبق معهم، على عكس حرب تحرير الكويت، التي أعدّ لها ونفّذها رئيسٌ جمهوريٌّ من ألفها إلى يائها.
فرض ترامب نفسه في مركز هذه الحروب وصناعة طاولات المفاوضات، ومركزاً لكلّ شيءٍ يحدث في الشرق الأوسط والعالم
حكاياتنا مع ترامب
نحن أهل الشرق الأوسط لنا حكاياتٌ ذات خصوصيّاتٍ متفرّدةٍ معه، وقد تمّ استثمارٌ جماعيٌّ فيه، وكان بمنزلة استثمارٍ براغماتيّ، أساسه السياسيّ قدرته المتفرّدة على تقديم حلولٍ معقولةٍ للقضايا التي غالباً أو دائماً ما تكون إسرائيل طرفاً معطِّلاً فيها، أولاها كانت حرب غزّة، التي بلغت في حدّتها واتّساعها حدّ الإبادة، واقتربت كثيراً من التحوّل إلى حربٍ إقليميّة، ثمّ الحرب على إيران، وقراره نقل مسارها من العسكريّ إلى السياسيّ.

مَن غيره ينتقل في ساعاتٍ قليلةٍ من التهديد المسلّح وليس الكلاميّ فقط، بإعادة إيران إلى العصر الحجريّ، وإبادة كلّ شيءٍ حيّ على جغرافيتها الشاسعة، إلى إجراء مفاوضاتٍ معها، تبدأ من رسوم عبور مضيق هرمز، وتصل إلى الملفّ النوويّ والبالستيّ والنفوذ الإقليميّ مع إضافة بندٍ جديدٍ هو محاصرة الحصار.
هي مفاوضاتٌ ليس عنوانها المتّفَق عليه استسلام طرفٍ أمام طرف آخر، بل هي تراجعٌ عن أهداف الحدّ الأقصى إلى أهدافٍ أكثر تواضعاً بكثير.
فرض ترامب نفسه في مركز هذه الحروب وصناعة طاولات المفاوضات، ومركزاً لكلّ شيءٍ يحدث في الشرق الأوسط والعالم، أفليس هو من ساهم بفاعليّةٍ في الحالة السوريّة وصار بوسعه القول إنّه كبح جماح الأكراد بمنعهم من المضيّ قدماً في أعمالٍ تُفضي إلى تقسيم هذا البلد؟
بوسعه أن يسجّل لنفسه أيضاً أنّه أوّل رئيسٍ أميركيّ يتقدّم بمشروع قرارٍ إلى مجلس الأمن من أجل وقف الحرب على غزّة، وتحقيق السلام في الشرق الأوسط، بما في ذلك الإشارة لأوّل مرّة إلى دولةٍ فلسطينيّة.
الرئيس ترامب وحكايتنا معه نحن أهل الشرق الأوسط تحمل الشيء وعكسه في الوقت ذاته
هو أيضاً من أعلن رسميّاً اعتراضه على ضمّ الضفّة حين طلب منه ذلك أو ضغط عليه العرب والمسلمون في لقائهم معه على هامش مؤتمر الدولة الفلسطينيّة، الذي عُقد بنجاحٍ لافت في نيويورك. كلّ ذلك يسجّله ترامب في ميزان إيجابيّاته تجاه الشرق الأوسط، غير أنّ اللافت في الأمر الذي أحاط سياسته ومواقفه بشكوكٍ والتباساتٍ كثيرة، أضرّت بما حملته من إشاراتٍ إيجابيّة، مراعاته الزائدة على اللزوم لبنيامين نتنياهو وصمته عن قراراته الاستيطانيّة والتساهل معه في إعاقته لتطبيق مشروعه بشأن غزّة، وصمته على ما يفعل في فلسطين ولبنان الذي اعتُبر إجازةً له لفعل ذلك.
الشّيء ونقيضه
الرئيس ترامب وحكايتنا معه نحن أهل الشرق الأوسط تحمل الشيء وعكسه في الوقت ذاته، بما يجعل الإيجابيّ في سياسته مبتوراً وعرضةً لأن يُجوَّف، وذلك بفعل مراعاته أجندات وتطلّعات نتنياهو العدوانيّة حتّى الشخصيّة منها.
يظلّ ترامب، بما هو إيجابيٌّ مبتور وسلبيٌّ صارخ، رئيس أميركا، الدولة الوحيدة التي تمتلك قدرات تأثيرٍ على إسرائيل، وهذا ما يجعل الاستثمار فيه أمراً لا بدّ منه، وفي هذا الصدد يتّحد خصومه مع أصدقائه في أمر التعامل معه.
إقرأ أيضاً: الناتو بعد انسحاب ترامب؟
أخيراً… ها هو ترامب يستضيف محادثاتٍ مباشرة بين لبنان وإسرائيل، فأثار سؤالاً إضافيّاً يتّصل به: هل ينجح في إغلاق الملفّ اللبنانيّ على حلٍّ نهائيّ أم يكون لقاء واشنطن كغيره من لقاءاتٍ تمّت في مكانٍ آخر وزمنٍ آخر؟
