“ناتو أمنيّ” خليجي-أردني قريباً؟

مدة القراءة 7 د

شهدت الأيّام الأخيرة تحرّكات مكثّفة للعاهل الأردنيّ لا يمكن وضعها في خانة الزيارات التي تفرضها اللياقة السياسيّة، فالتوقيت وحده كان كافياً لإخراجها من هذا الإطار، خاصّة أنّ التصعيد العسكريّ في الشرق الأوسط وضع المنطقة أمام اختبار غير مسبوق. من أبوظبي إلى جدّة، بالتوازي مع خطوط مفتوحة مع الدوحة، بدا وكأنّ ملامح تحالف عربيّ يتشكّل بهدوء، في لحظة تتغيّر فيها معادلات الأمن الإقليميّ في الخليج والشرق الأوسط، وتُعاد فيها صياغة مفهوم الاستقرار في المنطقة.

 

في الدوحة، لم يكن الحديث عن إدامة التنسيق لخفض التوتّر عبارة دبلوماسيّة معتادة وحسب، بل انعكاس لحاجة فعليّة إلى بناء تنسيق أمنيّ عربيّ مستدام يواكب حجم التهديدات. جاء تأكيد الشيخ تميم بن حمد لتضامن قطر مع الأردن في حماية سيادته وأمنه في سياق أوسع يشير إلى أنّ الأمن في المنطقة لم يعد شأناً محليّاً منفصلاً، بل جزء من منظومة أمن إقليميّ مترابطة تشمل الخليج والشرق الأوسط.

قبل ذلك، في جدّة، حين اجتمع الملك عبدالله الثاني مع الشيخ تميم والأمير محمّد بن سلمان، كان النقاش يدور عمليّاً حول مستقبل التحالفات في الشرق الأوسط، وكيف يمكن التعامل مع تداعيات الحرب والتصعيد مع إيران ضمن إطار جماعيّ أكثر فاعليّة.

يعكس هذا التتابع في الاجتماعات تحوّلاً أعمق من تنسيق سياسيّ عابر أو إدارة أزمة تقليديّة. تتحرّك المنطقة، منذ سنوات، نحو إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليميّ، لكنّ الحرب الأخيرة سرّعت هذا المسار بشكل واضح ودفعت به إلى السطح. فجأة، لم يعد ممكناً تأجيل الأسئلة الكبرى: كيف تحمي الدول نفسها؟ هل يمكن الاعتماد على التحالفات الدوليّة وحدها لضمان الاستقرار أم باتت الحاجة ملحّة إلى بناء تحالف عسكريّ عربيّ أو على الأقلّ شبكة تنسيق أمنيّ إقليميّ قادرة على العمل في بيئة سريعة التغيّر؟

يعود الحديث عن “ناتو عربيّ” إلى الواجهة، لكن بصيغة مختلفة تماماً عن الطروحات التي ظهرت في السنوات الماضية

ليس ما تغيّر في هذه المرحلة حجم التهديد فقط، بل طبيعته وانتشاره الجغرافيّ. الصواريخ العابرة والطائرات المسيّرة جعلت من الخليج والشرق الأوسط مساحة أمنيّة واحدة مترابطة، لا يمكن فصل أجزائها بعضها عن بعض. لم تعُد الحدود كافية كخطّ دفاع، ولم يعد الأمن الوطنيّ منفصلاً عن الأمن الإقليميّ. أيّ اختراق في دولة ما يمكن أن ينعكس بسرعة على بقيّة الدول، وهو ما يعزّز فكرة أنّ التحالف العربيّ لم يعد خياراً سياسيّاً، بل ضرورة استراتيجيّة فرضها واقع الصراع الإقليميّ.

ناتو عربيّ” بصيغة مختلفة

في هذا السياق، يعود الحديث عن “ناتو عربيّ” إلى الواجهة، لكن بصيغة مختلفة تماماً عن الطروحات التي ظهرت في السنوات الماضية. لم يعد الحديث عن تحالف عسكريّ تقليديّ يشبه حلف شماليّ الأطلسيّ، بل عن نموذج أكثر مرونة وواقعيّة يقوم على التنسيق الأمنيّ، تبادل المعلومات الاستخباريّة، وتكامل القدرات الدفاعيّة بين دول الخليج والأردن وبقيّة الدول العربيّة المعنيّة. يناسب هذا النموذج الجديد طبيعة التهديدات الحاليّة في الشرق الأوسط، التي تتّسم بالسرعة والتعقيد وعدم التماثل، وتفرض استجابة فوريّة أكثر من أيّ وقت مضى.

ناتو

لا يحتاج التحالف العربيّ المحتمل بالضرورة إلى إعلان رسميّ أو هيكل مؤسّسيّ تقليديّ كي يصبح واقعاً. في عالم اليوم، يمكن أن يتشكّل تحالف من خلال الممارسة العمليّة اليوميّة، لا من خلال البيانات السياسيّة. التنسيق في الدفاع الجوّيّ، تبادل المعلومات الاستخباريّة، توحيد تقدير الموقف السياسيّ والأمنيّ، وربّما إدارة الأزمات بشكل مشترك، كلّها عناصر كفيلة بخلق واقع تحالفيّ فعليّ حتّى دون وجود اسم رسميّ مثل “ناتو عربيّ”.

ربّما لن نرى إعلاناً رسميّاً لـ”ناتو عربيّ”، لكنّ المؤشّرات السياسيّة والأمنيّة كلّها تدلّ على أنّ ملامح هذا التحالف بدأت تتشكّل بالفعل

في هذه المعادلة، يبرز الأردن عنصراً محوريّاً في منظومة الأمن الإقليميّ. خبرته الطويلة في التعامل مع التحدّيات الأمنيّة المعقّدة، موقعه الجغرافيّ الحسّاس، وقدرته على العمل ضمن شبكات إقليميّة ودوليّة متعدّدة، تجعل منه نقطة ارتكاز لأيّ تحالف عربيّ محتمل. لا يُنظر إلى الأردن كقوّة عسكريّة كبرى، لكن يُنظر إليه كدولة تمتلك خبرة تراكميّة في إدارة الأزمات الأمنيّة، وهو ما يمنحه دوراً يتجاوز حجمه الجغرافيّ والعسكريّ في أيّ تنسيق أمنيّ في الشرق الأوسط والخليج.

في المقابل، تمتلك دول الخليج، وعلى رأسها المملكة السعوديّة والإمارات، الإمكانات التي يحتاج إليها أيّ تحالف عسكريّ حديث. من القدرات الماليّة الضخمة إلى البنية التحتيّة الدفاعيّة المتقدّمة، وصولاً إلى الاستثمار في التكنولوجيا العسكريّة وأنظمة الدفاع الجوّيّ، تشكّل هذه الدول العمود الفقريّ لأيّ منظومة أمن إقليميّ في الخليج والشرق الأوسط. عندما تلتقي هذه القدرات مع الخبرة الأردنيّة، يصبح الحديث عن تحالف عربيّ أقرب إلى الواقع منه إلى النظريّة لأنّه يقوم على تكامل فعليّ بين عناصر مختلفة وليست متشابهة.

صياغات أمنيّة جديدة

لكنّ ما يدفع هذا الاتّجاه نحو الأمام ليس فقط التكامل بين الدول، بل أيضاً التغيير في البيئة الدوليّة. لم تعد تتحرّك الولايات المتّحدة، التي لعبت دور الضامن الأمنيّ في الخليج لعقود طويلة، بالزخم نفسه في إدارة أزمات المنطقة. يفتح هذا التراجع النسبيّ في الانخراط المباشر المجال أمام الدول الإقليميّة لتطوير تحالفاتها الخاصّة، وبناء منظومة أمن إقليميّ أكثر استقلاليّة ومرونة في مواجهة التهديدات المتصاعدة.

لا يعني هذا التحوُّل القطيعة مع التحالفات الدوليّة، بل إعادة صياغة العلاقة معها ضمن توازن جديد. تدرك دول الخليج والأردن أنّ الأمن في الشرق الأوسط لم يعد يمكن استيراده بالكامل من الخارج، وأنّ بناء قدرة ذاتيّة أصبح ضرورة استراتيجيّة في ظلّ بيئة دوليّة متغيّرة وسريعة التقلّب. من هنا، يظهر التحالف العربيّ كجزء من عمليّة أوسع لإعادة تشكيل بنية الأمن الإقليميّ في المنطقة.

ما يتشكّل اليوم لا يمكن وصفه بشكل نهائيّ أو حاسم، لكنّه واضح في اتّجاهه العامّ. هناك تنسيق متزايد، لقاءات متكرّرة بين العواصم

ما يتشكّل اليوم لا يمكن وصفه بشكل نهائيّ أو حاسم، لكنّه واضح في اتّجاهه العامّ. هناك تنسيق متزايد، لقاءات متكرّرة بين العواصم، ومواقف سياسيّة وأمنيّة أكثر تقارباً، وكلّها تشير إلى أنّ المنطقة تتّجه نحو نموذج جديد من التحالفات الأمنيّة. ليس تحالفاً عسكريّاً تقليديّاً، بل شبكة مرنة من التعاون الأمنيّ والعسكريّ قادرة على التكيّف مع طبيعة التهديدات المتغيّرة في الشرق الأوسط والخليج.

لم يعد السؤال يدور حول وجود تحالف عربيّ من عدمه، بل حول مدى تطوّره في المرحلة المقبلة. هل يبقى في إطار التنسيق الأمنيّ غير المعلن أم يتحوّل تدريجاً إلى منظومة دفاع إقليميّ متكاملة؟

ستعتمد الإجابة على طبيعة التهديدات المقبلة، وعلى قدرة الدول المعنيّة على الحفاظ على مستوى التنسيق الحاليّ وتطويره بما يتناسب مع حجم المخاطر.

إعادة تعريف الأمن الإقليميّ

يبدو في النهاية أنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف الأمن الإقليميّ. ليست التحرّكات السياسيّة بين جدّة والدوحة وأبوظبي وعمَّان دبلوماسيّة نشطة وحسب، بل تعبير عن إدراك عميق لكون التحدّيات المقبلة تتطلّب أدوات مختلفة عن الماضي. ربّما لن نرى إعلاناً رسميّاً لـ”ناتو عربيّ”، لكنّ المؤشّرات السياسيّة والأمنيّة كلّها تدلّ على أنّ ملامح هذا التحالف بدأت تتشكّل بالفعل، بصمت، في قلب الأحداث المتسارعة.

إقرأ أيضاً: أمن الخليج عمود الاستقرار العالميّ

كثيراً ما تتأخّر في هذه المنطقة التحالفات عن الأزمات، لكنّ ما يجري اليوم يوحي بأنّ المعادلة بدأت تتغيّر. لا ينتظر التحالف العربيّ نهاية الأزمة ليولد، بل يتشكّل داخلها، ويتغذّى من استمرارها، إلى أن يصبح مع الوقت جزءاً ثابتاً من بنية الأمن الإقليميّ في الخليج والشرق الأوسط، سواء أُعلن أم بقي يعمل في الظلّ.

 

*كاتب وصحافي أردني

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…