خرج القياديّ في حركة حماس خالد مشعل بتصريحٍ مثيرٍ للجدل، حتّى لدى القاعدة الشعبيّة للمحور نفسه، بحديثه عن “ملحمة 7 أكتوبر”. الأصوات الفلسطينيّة التي هلّلت يومها للعمليّة ما لبثت، بعد أسابيع قليلة منها، أن خرجت في تظاهرات اعتراضاً على تبعاتها، ووصلت، بعد عامين وأكثر، إلى صرخات ضدّ “حماسّ ومن خلفها إيران بسبب ما ورّطت فيه الشعب الغزّيّ.
عن أيّ ملحمةٍ يتحدّث مشعل بعدما ساوى “طوفان الأقصى” غزّة بالأرض، وقتل الإسرائيليّ شعبها بهديّة من “الحركة” ومن ورائها النظام الإيرانيّ لرئيس الوزراء الإسرائيليّ، قبل أن يصبح القطاع تحت إدارة أميركيّة – غربيّة؟ هل يحاول مشعل، بهذا التصريح، أن يعود ويربط إيران بالقضيّة الفلسطينيّة بعدما تاجرت بها لعقود، ولم يدفع ثمناً لتجارتها سوى الشعب الفلسطينيّ وشعوب المنطقة، من لبنان إلى سوريا فالعراق واليمن؟
سُجّلت حادثة أليمة بسقوط مدنيّ فلسطينيّ قتيلاً في أبو ظبي بالعدوان الإيرانيّ. هو فلسطينيٌّ اختار الأمن والاستقرار في هذه الدولة، بعيداً عن التهديدات الإسرائيليّة – الإيرانيّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، لكنّ العدائيّة الإيرانيّة طالته في مأمنه.
من هنا يُعاد طرح أسئلة جوهريّة: ماذا قدّمت إيران للفلسطينيّين وقضيّتهم؟ كم من مرّة قدّمت طهران لإسرائيل هدايا على حساب الشعب الفلسطينيّ وشعوب المنطقة؟ كم من ذريعة قدّمت إيران لبنيامين نتنياهو بأوهامٍ باعتها، وبوقائع فرضها الإسرائيليّ؟
إيران تهاجم الخليج “أكبر داعم” لغزّة
قدّمت دول الخليج لغزّة جسراً جوّيّاً متواصلاً ضمّ مستشفيات ميدانيّة، ومساعدات طبّية وغذائيّة وغيرها. أمّا في إطار إعادة الإعمار، فتعهّدت كلّ من الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة وقطر والكويت بتقديم ما يقارب 4.2 مليارات دولار.
دأبت طهران، منذ إنشاء الجمهوريّة الإسلاميّة في أعقاب ثورة 1979 وما تلاها، على الاتّجار بالقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، واستخدامها وقوداً لاستمراريّة محورها
بالإضافة إلى ذلك، قادت السعودية حراكاً دبلوماسيّاً عالميّاً لوقف الحرب والاعتراف بدولة فلسطين وفرض مسار حلّ الدولتين، فيما حلّ الخليج بالمرتبتين الأولى والثانية عالميّاً في دعم فلسطين إنسانيّاً في 2025/2026.
قدّمت المملكة السعوديّة دعماً ماليّاً مباشراً للسلطة الفلسطينيّة تخطّى حوالي 5 مليارات دولار تاريخيّاً، وقرابة 90 مليون دولار في 2025/2026، وجسوراً إغاثيّة مستمرّة عبر “مركز الملك سلمان”. أمّا الإمارات فتصدّرت كبار المانحين لغزّة (بيانات FTS الأمميّة 2025) من خلال عمليّات “الفارس الشهم” التي تضمّنت المستشفيات العائمة والميدانيّة.
في المقابل، لم يرَ طفلٌ في غزّة رغيف خبزٍ من طهران أو حبّة دواء إيرانيّة أو شاحنة إغاثة. لم يصل من النظام الإيرانيّ سوى ضجيج إعلاميّ وتسليح “حماس” و”الجهاد الإسلاميّ” وتقديم أموال للحركتين اللتين نفّذتا أوامر إيرانيّة في “ملحمة” ضدّ الشعب الفلسطينيّ والمنطقة عموماً. وللتأكيد، لا تظهر في قوائم منصّة التتبّع الماليّ (FTS) التابعة للأمم المتّحدة إيران كدولة مانحة للمساعدات الإنسانيّة لغزّة، بل يتركّز دعمها حصراً على الأذرع العسكريّة لخدمة نفوذها الإقليميّ.
سقطت الأقنعة، ومعها سقط اتّجار إيران و”الحزب” والحوثيّين وكلّ ميليشيات طهران بالقضيّة الفلسطينيّة بعدما فضحته عقود من الزمن
كيف دمّرت إيران القضيّة الفلسطينيّة؟
يعيش نصف الشعب الفلسطينيّ في الشتات، وما يقارب 6 ملايين يتوزّعون في أنحاء العالم. في الأردن قرابة 3 ملايين من أصل فلسطينيّ، وقرابة نصف مليون في دول الخليج، ومائتا ألف في لبنان. وهذه أرقام تقريبيّة مبنيّة على إحصاءات أُجريت في السنوات الأخيرة.
يحظى الفلسطينيّون في الأردن والدول الخليجيّة بحقوقهم المدنيّة التي يكفلها القانون الدوليّ، بينها الحقّ بالعمل والتعليم والطبابة وامتلاك عقار. وفي الدول الخليجيّة، وجد الفلسطينيّون، كما غيرهم من الوافدين، سقفاً آمناً ومستقبلاً حياتيّاً كريماً وعملاً محترماً يوفّر لهم قوتهم واستقرارهم، ويضمن مستقبل عائلاتهم تحت سقف قانون كلّ من هذه الدول. وفي المقابل مقاربة لافتة: في إيران لا وافدين عرباً من فلسطين أو لبنان أو العراق أو اليمن أو سوريا يمكن ذكرهم.

لم تقدّم إيران لهذه الشعوب إلّا “التضامن” قولاً، والرصاص والصواريخ فعلاً. استبدلت إيران استقبالهم بتصدير رصاصاتها التي قتلت من أبناء هذه الشعوب أضعاف ما أثّرت في عدوّ إيران المزعومة “ممانعتها” له.
دأبت طهران، منذ إنشاء الجمهوريّة الإسلاميّة في أعقاب ثورة 1979 وما تلاها، على الاتّجار بالقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، واستخدامها وقوداً لاستمراريّة محورها “الممانع” قولاً لا فعلاً. وبهذه الشعارات والتصريحات العلنيّة المتكرّرة، تلعب إيران على الوترين “العاطفيّ” و”الإنسانيّ”. لم تخُض حرباً عندما كان الإسرائيليّ يساوي غزّة بالأرض ويقتل شعبها، ولم يتحرّك “الحزب” إلّا شكليّاً في ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، التي استدرجت إسرائيل لاحتلال كيلومترات جنوباً وقتل قادته، لكنّه أطلق العنان لصواريخه (بأمر من الحرس الثوريّ الإيرانيّ) حين تعرّضت طهران لقصف جدّيّ، فكانت النتيجة احتلال إسرائيل للجنوب اللبنانيّ.
في الداخل الفلسطينيّ، قوّضت إيران الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، فاستغلّ الاحتلال هذا الانقسام لتكريس احتلاله. دعمت طهران “الجهاد الإسلاميّ” ضدّ حركة حماس في قطاع غزّة، ثم دعمتهما معاً بوجه السلطة الفلسطينيّة والقوى الأخرى، وغذّت الشرخ بين غزّة والضفّة الغربيّة، وعزّزت التناقضات بين الفصائل الفلسطينيّة.
في الداخل الفلسطينيّ، قوّضت إيران الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، فاستغلّ الاحتلال هذا الانقسام لتكريس احتلاله
طهران في خدمة تل أبيب
كانت لمواقف إيران الدوغماتيّة وتسويقها “للوعد الإلهيّ” بتحرير القدس ورمي الإسرائيليّين في البحر تداعيات سلبيّة قادت إلى إعلان إسرائيل جهاراً سياستها التوسّعيّة وضمّ هضبة الجولان المحتلّة إلى أراضيها نهائيّاً وبناء مستوطنات عليها. وبصيغة تبسيطيّة أخرى، يتّضح أنّه كلّما صعّدت إيران كلاميّاً بوجه إسرائيل، بادرت الأخيرة إلى تكريس احتلالها على أرض الواقع، وحين انتهى بيع الكلام، ضحّت بالقضيّة بـ”طوفان الأقصى”، مع علمها المسبق بردّ الفعل الإسرائيليّ الذي دمّر القطاع فوق رأس أهله.
إقرأ أيضاً: هرمز.. هرٌّ بمخالب مزدوجة
في خلاصة الحديث، سقطت الأقنعة، ومعها سقط اتّجار إيران و”الحزب” والحوثيّين وكلّ ميليشيات طهران بالقضيّة الفلسطينيّة بعدما فضحته عقود من الزمن. أثبتت الأحداث الأخيرة أنّ النظام الإيرانيّ يكنّ العداء للخليج والعرب والفلسطينيّين خصوصاً، ومستعدٌّ، في لحظة الحسم، لتقديم الهدايا الواحدة تلو الأخرى لنتنياهو مقابل “بقائه”. ولكنّ ورقته قد سُحبت، وهذا ما تظهره الحرب الحاليّة.
لمتابعة الكاتب على X:
