هل ينقذ لبنان التّمثيل الوزاريّ في التّفاوض؟

مدة القراءة 6 د

سيعود لبنان إلى الدوّامة نفسها من الألاعيب الإيرانيّة، كما حصل عام 2024 إبّان المحاولات الأميركيّة والفرنسيّة لوقف الحرب عليه. ستكون الحصيلة المزيد من الدمار والقتل والتوسّع الإسرائيليّ على أرضه. قرار الحزب في طهران، التي توظّف “الحزب” مرّة أخرى في إطالة حربها مع أميركا وإسرائيل. لا تكترث لما يصيبه، ما دامت القيادة فيها لا تهتمّ لما سيصيب إيران نفسها. الأولويّة حفظ النظام الذي تسعى واشنطن إلى تغييره.

 

طبيعيّ أن يسعى الرئيس جوزف عون لدى الرئيس إيمانويل ماكرون لوقف إطلاق النار، وأن يشترط الثاني وقف “الحزب” إطلاق الصواريخ على إسرائيل كي تنجح مساعيه هو تكرار لمسار الوساطات التي قام بها لوقف حرب “إسناد غزّة” قبل أكثر من سنتين.

سيعود لبنان إلى الدوّامة نفسها من الألاعيب الإيرانيّة، كما حصل عام 2024 إبّان المحاولات الأميركيّة والفرنسيّة لوقف الحرب عليه

تجربة شروط نصرالله تتكرّر؟

لم تنجح جهود ماكرون، ومساعي الموفد الرئاسيّ الأميركيّ آموس هوكستين وغيرهما في حينه. انتهت الحرب باغتيال السيّد حسن نصرالله، ثمّ باتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الذي أعطى إسرائيل الحقّ باستهداف “الحزب” ولبنان متى أرادت. كان اشتراط نصرالله وقف الحرب على غزّة إغراقاً إقليميّاً للتفاوض، ليس لأهداف لبنانيّة. كان المطلوب حينها انسحاب مسافة 5-7 كلم لقوّة “الرضوان” ووقف القصف وانتشار الجيش. قيل إنّ نصرالله عاد فتنازل وفوّض إلى “الأخ الأكبر” رئيس البرلمان نبيه برّي قبل يومين من اغتياله التخلّي عن هذا الشرط. كان الفشل في الوساطات آنذاك إخفاقاً في فصل لبنان عن المحور الإيرانيّ.

في الحرب الراهنة سيصعب مجدّداً إحداث هذا الفصل، على الرغم من محاولات الحكومة اللبنانيّة تحقيق ذلك “بقواها الذاتيّة”، عبر قرارها “الحظر الفوريّ لنشاطات “الحزب” الأمنيّة والعسكريّة وإلزامه بتسليم سلاحه وحصر عمله في المجال السياسيّ ضمن الأطر الدستوريّة”. إنّها الأحجية نفسها منذ سبعينيّات القرن الماضي إبّان الحرب الأهليّة: تكرار فشل محاولات فصل أزمة لبنان عن أزمة المنطقة.

 

“البنية التحتيّة” محميّة أميركياً

منذ الإثنين الماضي اقتصرت إجراءات الدولة اللبنانيّة على مصادرة بضعة أسلحة فردية لنازحين من الجنوب، تحت وطأة التهديدات بتحويل المزيد من قراه إلى غزّة ثانية. في المقابل يواصل “الحزب” إصدار بيانات التصدّي لإسرائيل التي تشمل أعمالاً عسكريّة تتمّ جنوب نهر الليطاني الذي كان الجيش أعلن سيطرته العملانيّة عليه. هذا علاوة على إطلاق رشقات صاروخيّة ومسيّرات من شمال الليطاني، وتوجيه التحذيرات لسكّان المناطق الشماليّة في إسرائيل بالابتعاد جنوباً.

يقف مفعول قرارات الحكومة عند حدود تسريعها الاستجابة لطلب أميركيّ أن ترفع الدولة الغطاء عن “الحزب”، مقابل إعفائها من أن تشمل الحملة العسكريّة الإسرائيليّة البنى التحتيّة اللبنانيّة التابعة لها. لكنّ ذلك لا يستثني ما تسمّيه إسرائيل “البنية التحتيّة العسكريّة” لـ”الحزب”، التي تشمل بمفهومها البيئة البشريّة والحضريّة الحاضنة له منذ سنوات. يطال التهجير والتدمير والقتل المدن الرئيسة، صور والنبطيّة وبنت جبيل والضاحية الجنوبيّة للعاصمة، بعدما كانت اقتصرت على زهاء 32 قرية من الحافة الحدوديّة الأماميّة في حرب 2024. والهدف:

العجز الحكومي..

  • إغراق لبنان الرسميّ بالعجز عن استيعاب العواقب الاجتماعيّة والإنسانيّة والأمنيّة، وتغذية أسباب صدامات طائفيّة ومذهبيّة في التركيبة اللبنانيّة الهشّة، إضافة إلى إنهاك الطائفة الشيعيّة بعد سنوات من التعبئة الإيرانيّة المذهبيّة.
  • تحويل الحكومة إلى هيئة إغاثة للمنكوبين بعدما عجزت عن تنفيذ قراراتها في شأن سحب السلاح شمال الليطاني بحجّة أنّ الحملة العسكريّة الإسرائيليّة تحول دون ذلك.
  • على الرغم من محاولات الرئيس عون مع ماكرون ومع السفير الأميركيّ ميشال عيسى، واستعانته بالدبلوماسيّة الهادئة في الفاتيكان، لوقف جنون الآلة العسكريّة الإسرائيليّة، كان المطلب الدوليّ وسيبقى وضع حدّ لحرّية حركة “الحزب” وضبّاط “حرس الثورة” المتغلغلين في صفوفه وقادته.
  • مقابل استجابة الدولة لطلبات واشنطن اعتبار الوجود الإيرانيّ “غير مرغوب به” عبر إجراءات الحكومة الخميس الماضي، يتصرّف الجانب الأميركيّ، الأقدر على ممارسة الضغوط على إسرائيل، على أنّ لبنان تأخّر في خطوات الانفصال عن طهران.

منذ الإثنين الماضي اقتصرت إجراءات الدولة اللبنانيّة على مصادرة بضعة أسلحة فردية لنازحين من الجنوب، تحت وطأة التهديدات بتحويل المزيد من قراه إلى غزّة ثانية

مطالب إسرائيل ورفض “الحزب

مع التكتّم الرسمي على مضمون الأفكار المتداولة في المساعي الدولية لوقف الحرب على لبنان، تفيد معلومات “أساس” من مصدر رسمي أنه رفيع بعد اتصال جوزف عون- إيمانويل ماكرون مساء الجمعة لتقييم نتائج جهود وقف الحرب على لبنان، أنّه تبيّن الآتي:

  • لم يقبل الجانب الإسرائيلي أي وساطة، وطرح شروطاً يمتنع “الحزب” عن تطبيقها. تريد تل أبيب صدور موقف عن “الحزب” يعلن وقف إطلاق الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل.
  • تصر إسرائيل على أن يعلن “الحزب” التزامه قرار سحب سلاحه بالكامل، وعلى أن تثبت الدولة جديتها في تنفيذ ذلك. أكد المصدر لـ”أساس” أنّ “الحزب” لا يستجيب حتى لمطالب الرئيس نبييه بري.
  • تطلب إسرائيل رفع مستوى التفاوض مع لبنان ليصبح مباشراً بين الجانبين، من دون أن تحدد ما تعنيه برفع مستوى التفاوض.
  • الجانب الأميركي لا يعد بممارسة نفوذه لدى إسرائيل، بل يتماهى مع مطالبها. يراهن لبنان على تليين الموقف الأميركي عبر الاتصالات التي وعد الفاتيكان بإجرائها مع واشنطن، وكذلك عبر استنجاد الرئيس عون بعدد من القادة العرب الأصدقاء مع إدارة ترامب.

رفع مستوى التّفاوض إلى وزير؟

أعادت صورة العجز التي يقف أمامها لبنان الرسميّ إلى الأذهان الأفكار التي طُرحت عقب الجولة الأولى من التفاوض في الناقورة حين رأس السفير السابق سيمون كرم وفد لبنان، والمتعلّقة بالهمس الذي دار حينها حول الحاجة إلى رفع مستوى التفاوض إلى مستوى وزاريّ من أجل إحداث تقدّم في التعاطي مع المطالب الإسرائيليّة الأمنيّة.

تعتقد أوساط متابعة أنّ الأمر يحتاج إلى قرارات شجاعة من الحكم تنقذه ممّا هو ذاهب إليه بحكم الوحشيّة الإسرائيليّة والجموح الإيرانيّ غير المحدود.

في رأي هذه الأوساط أنّ لبنان الرسميّ لا يمكنه أن يبقى رهن التفاوض على وقف الحرب ضدّه على وقع ما تريده إيران، وإذا كانت تسمية وزير للتفاوض مع إسرائيل، أسوة بتفاوض دمشق مع حكومة نتنياهو، يحفّز واشنطن على ممارسة ضغوط على إسرائيل فلتحاول السلطة اللبنانيّة الذهاب نحو هذا الخيار.

إقرأ أيضاً: لبنان ضحيّة الصّراع على وراثة خامنئي؟

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

ذاكرة الأزمات تركي الفيصل يحذّر من “3 أجندات كارثيّة”

في مقابلة مع الإعلاميّة كريستيان أمانبور “CNN”، قدّم الأمير تركي الفيصل “الخزان العميق لذاكرة الحروب الشرق أوسطيّة والحافظ لمسارات الرئاسات الأميركيّة تجاه المنطقة” تصوّراً نادراً…

واشنطن – طهران: الفوضى الخلّاقة وخيار شمشون

تملك إيران وحدها أدقّ المعطيات وأصدق المعلومات بشأن الحرب. تصدر عن واشنطن وعواصم أخرى وكبريات الصحف الدوليّة المواقف والتحليلات والمطالب والأهداف. غير أنّ طهران من…

يوم أدرك المرشد نذير “الطّوفان” على إيران..

تهيّب المرشد الإيرانيّ علي خامنئي باكراً عمليّة “طوفان الأقصى” التي نفّذتها حركة حماس في غزّة، بقيادة محمد الضيف، في 7 تشرين الأوّل 2023. ظهر ذلك…

رسالة الصّاروخ: جسّ نبض تركيا أم انتحار إيرانيّ؟

لم تغيّر حادثة إسقاط صاروخ إيرانيّ كان يقترب من الحدود الجنوبيّة لتركيا قواعد الاشتباك بين البلدين، لكنّها كشفت النقاب عن الوضع الإقليميّ الهشّ والقابل للانفجار…