في لبنان كما في إيران مَن يستبق المحاولة الأميركيّة – الإسرائيليّة لتغيير النظام في طهران، سواء جاء من داخله أو من خارجه. تأتي في هذا السياق مقامرة “الحزب” بإطلاق الصواريخ من شمال الليطاني نحو شمال إسرائيل ليل الأحد – الإثنين، على الرغم من معرفته بالعواقب الكارثيّة. امتثاله لأوامر الجنرال أحمد وحيدي القائد الجديد لـ”الحرس” يتفوّق على وعوده للرئيسين جوزف عون ونبيه برّي بالامتناع عن التورّط في الحرب.
محو آثار التعبئة التي رسّخها المرشد علي خامنئي على مدى عقود، في ظلّ استمرار الحرب، لن يكون بالسهولة التي توقّعتها واشنطن وتل أبيب. وهذا ينسحب على “الحزب”.
على مدى عقود ربط خامنئي البناء الأيديولوجيّ لتمدّد “الجمهوريّة الإسلاميّة” بالدمج بين التشيّع وبين حركات المقاومة والتحرّر. مكّنته نظريّاته الدينيّة من اختراق الطائفة الشيعيّة على امتداد الإقليم بعقل ثوريّ غير مألوف سخّر الإمكانات الماليّة لمصلحته بسخاء. رأى بعض من نعاه من الكتّاب الإيرانيّين أنّه قدّم نفسه بديلاً للأنظمة الغربيّة والعلمانيّة في العالم الإسلاميّ.
مِن أسس وأدوات تعبئته الثقافيّة إعجابه بفكر “الإخوان المسلمين”. تولّى ترجمة كتب مؤسّس الحركة سيّد قطب من العربيّة إلى الفارسيّة. قبل انتصار الثورة في إيران ساهم في انقلاب فكريّ وسياسيّ حتّى على المرجعيّات الدينيّة التقليديّة في قم، لأنّه كرّس، بعد رحيل الإمام الخمينيّ، التطابق بين التعبئة الأيديولوجيّة السياسيّة وبين المرجعيّة الدينيّة.
أحمد وحيدي يحرّك الأذرع
من إرث خامنئي في المؤسّسة الإيرانيّة الحاكمة برز قادة عسكريّون يؤمنون بتطرّف بحماية هذا النموذج الذي اكتسب دوراً حاسماً بعدما تحوّل “الحرس” إلى مشرف على أكثر من نصف الاقتصاد الإيرانيّ الذي حصل منه على الامتيازات والمكاسب.
تواصل أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني عبر وسطاء مع الجانب الأميركيّ من أجل العودة إلى طاولة التفاوض
في التصنيف الدقيق لهويّة القيادات العسكريّة الإيرانيّة، يُعتبر القائد الجديد لـ”حرس الثورة” الجنرال أحمد وحيدي من أكثر الأصوليّين المتشدّدين في النظام. ممّا اشتهر به أنّه على مدى السنوات الماضية تولّى قيادة عمليّات القمع الدمويّ لتظاهرات الإيرانيّين المعارضين للنظام. بدأ حياته العسكريّة في الاستخبارات، وكان أوّل من تولّى قيادة “قوّة القدس” التي آلت من بعده لقاسم سليماني. وتولّى وزارة الدفاع في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد. وفي أيلول عام 2022، عُيّن عضواً في مجمع تشخيص مصلحة النظام لمدّة خمس سنوات.
عُرف عنه لعبه الكثير من الأدوار بعيداً من الأضواء. هو من المطلوبين لتورّطه بتفجير بوينس أيرس في عام 1992، وخاضع للعقوبات لدوره في قمع التحرّكات الاحتجاجيّة عام 2022. أوّل من أمس الأحد.
قد تفسّر العودة إلى خلفيّة وحيدي وتعيينه لماذا انتظر “الحزب” حتّى فجر الإثنين للردّ على اغتيال خامنئي. لطالما قيل عن حقّ إنّ قيام “الحزب” بأيّ عمل عسكريّ ضدّ إسرئيل هو قرار “حرس الثورة”. فكيف إذا كان من أجل الثأر لاغتيال المرجع الأعلى لـ”الحزب”؟
تموضع “الحرس” في مراكز النّفوذ
تلقي خلفيّة وحيدي في الوقت نفسه الضوء على جوانب أخرى ترافق تأثيره في توزّع مواقع القوّة في النظام، منها:
– هو نموذج من مراكز النفوذ البارزة بعد تعيين القيادة الانتقاليّة التي أوصى بها خامنئي قبل اغتياله، والتوجّهات التي ستعتمدها في شأن أيّ حوار مفترَض مع أميركا. تشكّلت هذه القيادة من رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان، رئيس السلطة القضائيّة غلام حسين محسني إجئي وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي لتتولّى القيادة إلى حين انتخاب المرشد الجديد من قبل مجلس خبراء الثورة الإسلاميّة.
محو آثار التعبئة التي رسّخها المرشد علي خامنئي على مدى عقود، في ظلّ استمرار الحرب، لن يكون بالسهولة التي توقّعتها واشنطن وتل أبيب
– تواصل أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني عبر وسطاء مع الجانب الأميركيّ من أجل العودة إلى طاولة التفاوض، حسب معلومات نشرتها “وول ستريت جورنال” ليل الأحد. صباح أمس صدر عن لاريجاني تكذيب لهذه الأخبار. سبقه وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي باتّصال مع نظيره العُمانيّ بدر البوسعيدي لغرض عرض التفاوض تحت عنوان “خفض التصعيد”. هذا علاوة على ما تسرّب عن تولّي إيطاليا نقل رسالة إيرانيّة إلى واشنطن لوقف النار.
– أوحى دونالد ترامب أنّه مستعدّ للحوار مع القيادة الجديدة، وبالمقابل يستعجل “الحرس” انتخاب المرشد الجديد كي لا يبقى القرار مطوّلاً بيد القيادة الثلاثيّة. من الطبيعي أن يحتاط “الحرس” لأيّ استجابة من صفوفه أو من صفوف الجيش لنداء ترامب بأن “يرموا السلاح أو يواجهوا الموت”.
– احتاجت قيادة “الحرس” إلى تبديد الانطباع الذي ساد لفترة من الزمن بعد حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي بأنّ قدرة أذرعها على التحرّك لمصلحتها قد تراجعت. أرادت إعادة الصدقيّة إلى تهديدها بالحرب الشاملة، عبر تحرّك أدواتها في العراق. فعلت ذلك في لبنان مهما كان الثمن الذي سيدفعه البلد والطائفة الشيعيّة من قتل وتهجير ودمار.
– يقطع فتح جبهة لبنان، بعد التطمين الذي نقله السفير الأميركيّ ميشال عيسى للرئيس جوزف عون بأنّ إسرائيل لا تنوي ضرب لبنان إذا لم تتعرّض لصواريخ من “الحزب”، الطريق على حصاد ثمار تمييز الحملة العسكريّة الأميركيّة بين الجيش الإيرانيّ وبين “الحرس”. اعتمدت واشنطن هذا التكتيك أملاً أن يبرز قادة عسكريّون يريدون تغيير النظام من الداخل بالتعاون مع معارضين لسطوة “الوليّ الفقيه”.
على مدى عقود ربط خامنئي البناء الأيديولوجيّ لتمدّد “الجمهوريّة الإسلاميّة” بالدمج بين التشيّع وبين حركات المقاومة والتحرّر
نتائج الحرب لم تنضج… والتّمديد للبرلمان
الواقع أن لا القيادة الإيرانيّة الانتقاليّة جاهزة للتنازلات المطلوبة بعد إعلان ترامب موافقته على الحوار معها، ولا النداء الذي أطلقه لـ”حرس الثورة” والجيش في إيران بإلقاء السلاح لقي تجاوباً.
إقرأ أيضاً: سقوط “عمود الخيمة”: أيّ إيران بعد مقتل خامنئي؟
يقود هذا الانسداد لبنان إلى مرحلة تفوق خطورتها ما تعرّض له. تطرح النتائج الكارثيّة لإقحامه في الحرب ولاستخدامه منصّة في صراع مراكز النفوذ في طهران تحدّيات غير مسبوقة على حكومته بمواجهة “الحزب”. ما هو معلوم من العواقب أنّ مبرّر تأجيل الانتخابات النيابيّة لأسباب أمنيّة بات في متناول اليد، وبقي التوافق على مدّة التمديد للبرلمان.\
لمتابعة الكاتب على X:
