إخفاء خامنئي مخرج لحفظ النّظام بالتّنازل؟

مدة القراءة 6 د

هل تستلحق تصريحات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي بأنّ “التوصّل لاتّفاق مع واشنطن ما يزال متاحاً”، الخطّ البيانيّ المتصاعد لإنذارات دونالد ترامب بالحرب؟ يتوقّف الجواب عن السؤال على اقتناع النظام الإيرانيّ بالتخلّي عن لعبته المفضّلة: شراء الوقت. عطّل ترامب هذه اللعبة بوضعه المسدّس على الطاولة، ثمّ بتلقيمه للضغط ولاستخدامه… وهناك حديث عن تجديد النظام الإيرانيّ لنفسه من الداخل لتجنّب الأسوأ، كآخِرة أوراق خفض الخسائر.

 

يسهل على المتابع للتهيّؤ الأميركيّ لترجيح الخيار العسكريّ مع إيران أن يستنتج أنّ ترامب قطع الطريق على التكتيك الإيرانيّ بإطالة المفاوضات. بدلاً من الانغماس في اختبار من ييأس أوّلاً فيسلّم بشروط الآخر، توخّى أن يبرهن أنّه لن ينزلق إلى اللعبة.

يسهل على المتابع للتهيّؤ الأميركيّ لترجيح الخيار العسكريّ مع إيران أن يستنتج أنّ ترامب قطع الطريق على التكتيك الإيرانيّ بإطالة المفاوضات

استغراب ترامب… وليونة عراقجي

استغراب ترامب لماذا لم تقدّم إيران التنازلات التي يطالبها بها على الرغم من الحشد العسكريّ المحيط بها، كما نقل عنه موفده الخاصّ ستيف ويتكوف أوّل من أمس، قد يُنظر إليه من قبل المفاوض الإيرانيّ على أنّه نجاح لتشدّده. لكنّ الوجه الآخر لاستغراب ترامب هو أنّ صبره أخذ ينفد والخيار الدبلوماسيّ ينكفئ لمصلحة العسكري، استناداً إلى مبدئه استخدام القوّة من أجل التفاوض (والسلام).

قبل ساعات تنبّهت طهران إلى أنّها لا بدّ أن تثبت جدّيّتها في التفاوض واستعدادها للتنازل، فتحدّث عراقجي عن صياغة ورقة الردّ على المطالب الأميركيّة (قدّمتها واشنطن في جولة جنيف الثلاثاء الماضي)، خلال 48 ساعة. جاء ذلك بعدما التقطت طهران الرسالة من وراء قول ترامب علناً إنّه يدرس خيار المواجهة العسكريّة معها، فأظهرت ليونة لتفادي اندفاع الرئيس الأميركيّ. ولم يكن صدفة اختيار محطّة “سي بي إس” الأميركيّة لتعميم ليونة إيرانيّة ما.

المؤكّد أنّ فضاء الاتّصالات ازدحم بالوساطات في اليومين السابقين لما قاله عراقجي. وهو ما أتاح لوزير خارجيّة عُمان بدر البوسعيدي أن يعلن العودة إلى الطاولة في جنيف الخميس المقبل.

خشية أميركيّة من الخيار العسكريّ؟

على الرغم من أنّ طهران لم تغادر هامش المناورة، برزت قراءتان لفرصة اليومين اللذين يتيحهما استئناف التفاوض.

تردّ الأولى الأمرَ إلى تردّد ترامب ومحيطه في إطلاق المواجهة العسكريّة. تقول هذه القراءة إنّ الخشية ضمن فريق ترامب من أن تنجح طهران في إطالة الحرب، ومن إيذاء القواعد الأميركيّة في المنطقة وإسرائيل بصواريخها الفرط صوتيّة ومسيّراتها، لجمت اندفاع الرئيس الذي يهمّه الإقبال على الانتخابات النصفيّة لمجلسَي النوّاب والشيوخ الأميركيَّين الخريف المقبل بانتصارٍ على إيران يجرّدها سلماً أو حرباً من مقوّمات قوّتها النوويّة ودورها الإقليميّ بلا خسائر. تشمل هذه القراءة ما يُنقل عن الأوساط الروسيّة من أنّ بكين وموسكو زوّدتا إيران بوسائل دفاع جوّيّ حديثة لملء الثغرة التي خلّفتها خسائرها الكبرى من ضربات حزيران الماضي على مواقعها النوويّة والصاروخيّة. من جهتها زوّدتها موسكو بصواريخ “سيركون” الفرط صوتيّة التي صنّعتها خصّيصاً ضدّ القطع البحريّة العسكريّة، وبكين نقلت إليها في جسر جوّيّ تقنيّات عالية الدقّة للدفاع الجوّيّ. يستدعي ذلك حسابات تراعي أنّ الحرب ضدّ طهران ستتحوّل إلى فصل من المواجهة مع الدولتين الكبريَين، على توقيت خصومها لا توقيتها هي.

تجهل واشنطن وتل أبيب ما يخبّئه لهما إطلاق طهران حرباً شاملة في المنطقة يغذّيها الخطر الوجوديّ الذي تشعر به قيادتها ووكلاؤها. لا يكترث عقل حكّام إيران لآثارها التدميريّة في الدول التي لها شبكات فيها، من العراق إلى لبنان واليمن، إضافة إلى الخلايا النائمة في غيرها.

خوض الحرب الشاملة عبر الأذرع صار لعبة انتهت. طهران نصحت أذرعها بترتيب أوضاعهم للإبقاء على بعض ما جنوه من نفوذ في دولهم

احتجاجات الشّارع… وتجديد النّظام من الدّاخل

ترى القراءة المقابلة في حديث امتلاك طهران القوّة غطاءً للتنازلات. وتتحدّث عن جملة عوامل منها:

  • بعد إخماد الاحتجاجات الشعبيّة في كانون الثاني الماضي، يشير ذكر ترامب لأرقام هائلة للقتلى الإيرانيّين جرّاء قمع النظام للتظاهرات التي اندلعت آخر العام الماضي، بلغت أكثر من 32 ألفاً، إلى ذريعة إنسانيّة لاستهداف النظام الإيرانيّ. وثمّة معطيات تشير إلى عدد بلغ 40 ألفاً. يدرك بعض حكّام طهران أنّ تغيير النظام هو أحد الخيارات الجدّيّة المطروحة على الطاولة في واشنطن، ضمن جزء من خطّة تغيير المعادلات في الشرق الأوسط برمّته الذي تشجّع عليه إسرائيل بقوّة.
  • لم تتوقّف التظاهرات في إيران منذ إخمادها في منتصف كانون الثاني الماضي. أعادت الصدمة الشعبيّة التي أعقبت القمع الوحشيّ بعد تشييع الضحايا الزخم لتحرّكات يوميّة بدت منظّمة، لأنّها كانت تحصل بالتناوب بين المدن الرئيسة على امتداد الأراضي الإيرانيّة، مع تعتيم عليها. توّجت التظاهرات في طهران والجامعات قبل يومين في أربعينيّة سقوط ضحايا الشهر الماضي التظاهرات اليوميّة التي سادها شعار “ليسقط الدكتاتور” و”الموت لخامنئي”. يُسقِط هذا الزخم الدعاية بأنّهم يتوحّدون حيال العدوّ الخارجيّ. وستضع خسائر أيّ حرب النظامَ في موقع المتسبِّب بالكوارث والخسائر.
  • التسريبات لـ”نيويورك تايمز” عن إجراءات المرشد علي خامنئي لتعيين بدلاء في مراكز القرار الإيرانيّ، سواء بسبب اضطراره أمنيّاً إلى الاختباء والغياب عن الأنظار، أو درءاً لاحتمال اغتياله، قد تكون مخرجاً لقرارات لا يتجرّع كأس سمّها “القائد الأعلى”. بعض العارفين بآليّات القرار لا يستبعدون أن يلجأ النظام إلى تغيير نفسه بنفسه، وأن يجدّد بقاءه من الداخل، مع تعديل في القيادة والسياسات، لإنقاذ ما بقي. ستكون أسباب انكفاء خامنئي الأمنيّة مخرجاً لذلك. دور مستشاره، أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني، رئيسٌ في هذا التحوّل. وهو الأساس في التفاوض مع الوسطاء سرّاً وعلناً.

 إقرأ أيضاً: في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تحرّك الأذرع… لعبة انتهت؟

  • خوض الحرب الشاملة عبر الأذرع صار لعبة انتهت. طهران نصحت أذرعها بترتيب أوضاعهم للإبقاء على بعض ما جنوه من نفوذ في دولهم. في اليمن فتح الحوثيّون مفاوضات مع المملكة السعوديّة. في العراق، وهو الدولة الأهمّ لطهران، اضطرّ نوري المالكي، مرشّح طهران المفضّل لرئاسة الحكومة، إلى ملاقاة الاعتراض الأميركيّ على ترشيحه بالقول: “منفتحون على عراق ديمقراطيّ منفتح على شراكات دوليّة رصينة مع دول مثل الولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا”. يتسابق قادة “الحشد الشعبي” على تقديم عروض التناغم مع مطالب واشنطن لحصر السلاح. في لبنان، ستكون لخطّة حصر السلاح شمال الليطاني، أي المرحلة الثانية من سحبه، وظيفة راهنة ولو بدت خجولة بالنسبة إلى منتقدي بطء السلطات اللبنانيّة. سيمنع الجيش “الحزب” من استخدام ما بقي من صواريخ، وهو ما يرضي واشنطن. يعني تعبير “تحييد السلاح” مصادرته فور إخراجه من المستودعات. همّ “الحزب” بات حفظ هيمنته على النوّاب الشيعة في الانتخابات.

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

أذرع إيران لن تنجو..

هل تقع الحرب أم لن تقع؟ ثمّ هل هي حرب بين طرفين أم حرب أميركيّة على إيران؟ ثمّ لمن المصلحة الغالبة في الحرب؟ لأميركا أم…

واشنطن تعود إلى لبنان من بوّابة التّحوّلات الكبرى

انخرطت أميركا في السياسة الدوليّة إثر الحرب العالميّة الأولى. كان انخراطها ظرفيّاً، إذ سرعان ما عادت إلى الخطّ الانعزاليّ التقليديّ بعد انتهاء الحرب. أطلق الرئيس…

هل حماكم السّلاح؟

أحيا القصف الإسرائيليّ على البقاع، والروايات الأولى المبالَغ فيها عن استهداف مدنيّين وأطفال، الحجّةَ ذاتها في أوساط جمهور الممانعة: “الدولة الوقحة التي تريد نزع السلاح…

هل يتوحّد الخطاب الإسلاميّ في سوريا؟

ليس سهلاً توحيد الخطاب الإسلاميّ مع الاختلافات العَقَديّة داخل أهل السنّة تاريخيّاً، وهو أمر يتجاوز بالضرورة مندرجات المؤتمر الأوّل لوزارة الأوقاف السوريّة إثر سقوط النظام…