“فتح” ليست فصيلاً ولا نظاماً.. فما هي إذاً؟

مدة القراءة 6 د

أما زالت “فتح” حركة تقود المشروع الوطنيّ أم عنواناً يستند إلى تاريخه؟ هل أضعفتها السلطة أم أنقذتها؟ وأين تبدأ مسيرة الإنقاذ: من داخلها أم من إعادة بناء النظام السياسيّ الفلسطينيّ؟

 

منذ ولادتها التي يحتفل بها في الأوّل من كانون الثاني من كلّ عام، قامت حركة “فتح” بما يُعتبر الأكثر جدّيةً وتأثيراً في مسار القضيّة الفلسطينيّة. هي التي أسّست لانطلاق ثورةٍ وطنيّةٍ معتمِدةً السلاح وسيلةً أساسيّةً، وهو ما بدا في حينه مجازفةً خطرة، في بيئةٍ لم تكن مستعدّةً لقبول هذا النهج، بفعل ردود الفعل الإسرائيليّة والدوليّة عليه، دافعاً قوىً ودولاً وازنةً إلى اعتبار ما قامت به توريطاً في غير وقته، غير أنّ نجاحها في العديد من العمليّات العسكريّة داخل العمق الإسرائيليّ أكسبها تعاطفاً شعبيّاً وانتشاراً سريعاً في أوساط الفلسطينيّين الذين فقدوا الثقة بالدول، خصوصاً بعدما قال عبدالناصر وبمسؤوليّة إنّه ليست لديه خطّة لتحرير فلسطين.

أفدح الأثمان؟

حين جاءت حرب الخامس من حزيران لعام 1967، التي انتهت إلى هزيمة مدوّية، وكأنّها تزكّي الثورة الوليدة لتملأ الفراغ، ولتعيد الثقة للجماهير العربيّة وليس للفلسطينيّين فقط، كانت فتح بدأت بالترسّخ عنواناً للجديد الفلسطينيّ، وتعزّز هذا العنوان بأوّل إنجازٍ عسكريٍّ مكتمل المواصفات، تمّ بشراكة “فتح” مع الجيش الأردنيّ في معركة الكرامة، ونتيجةً لذلك انفتحت أبواب العالم العربيّ أمام الحركة الشجاعة المقنعة بأدائها ووعودها، فكان الالتحاق بها غزيراً على نحوٍ بدا فوق طاقتها على استيعابه وتنظيمه.

منذ ولادتها التي يحتفل بها في الأوّل من كانون الثاني من كلّ عام، قامت حركة “فتح” بما يُعتبر الأكثر جدّيةً وتأثيراً في مسار القضيّة الفلسطينيّة

عزّزت “فتح” نفسها ودورها بالدخول إلى منظّمة التحرير كقوّةٍ أولى في تشكيلٍ جبهويٍّ وطنيّ، ومن خلال المنظّمة تعزّز حضورها على الصعيد القوميّ والإسلاميّ والعالميّ. ومن قوانين الحياة أنّ لتطوّر المكانة واتّساع النفوذ أثماناً لا بدّ أن تُدفع، فوجدت “فتح” نفسها في تحدٍّ مع البيئة المتحفّظة عليها وعلى نفوذها المبالغ فيه، وكان أفدح ثمنٍ فُرض عليها خسارة الجغرافيا الأردنيّة الثمينة، وهو ما فرض عليها اللجوء بحملها الثقيل إلى سوريا حيث واجهت حذراً سوريّاً رسميّاً خشية تكرار التجربة الأردنيّة، ومنها إلى لبنان حيث نشأ انقسام لبنانيّ عليها أدّى أخيراً إلى خروجها، غير أنّ ما ساعد “فتح”، قائدة ائتلاف منظّمة التحرير، على البقاء وتعظيم حضورها ونفوذها، هو حيازتها شرعيّة تمثيل الشعب الفلسطينيّ، في وقتٍ كان العرب والعالم بحاجةٍ إلى من يتعاملون معه في كلّ ما يتّصل بالشأن الفلسطينيّ، بما في ذلك التسوية.

خروج “فتح” قائدة منظّمة التحرير من الجغرافيات الثمينة التي تحيط بالوطن، فرض عليها انتقالاً من العمل العسكريّ من الخارج ، بما في ذلك ما كان يوصف بالعمليّات الخاصّة التي نُفّذت على يد تشكيل أيلول الأسود، إلى العمل السياسيّ، مع تركيزٍ على العمل داخل فلسطين الذي أنتج انتفاضةً غير مسلّحة أفضت إلى توغّلٍ يكاد يكون تامّاً في العمل السياسي، وأنتج أخيراً حضوراً غير مباشرٍ في مؤتمر مدريد، واتّفاقاتٍ مع إسرائيل عبر مفاوضات أوسلو السرّية المباشرة.

قادت “فتح” مرحلة التسوية من خلال منظّمة التحرير، وأنهت رسميّاً خيار العمل المسلّح، ولو أنّها عادت إليه حين تعثّر مشروع التسوية، لكن دون أن يُعتمد رسميّاً.

ماضٍ لا يمضي

بعدما عادت “فتح” قائدة منظّمة التحرير إلى داخل فلسطين، شرعت في بناء سلطةٍ وطنيّةٍ على ما يتاح لها من مكانٍ لممارسة حكمٍ محدودٍ عليه، وحدث تقدّمٌ على مسار تحويل السلطة إلى دولة، وذلك حين تبنّى العالم، بما في ذلك أميركا، هذا التوجّه، وكان لزيارات الرئيس بيل كلينتون وكثيرين من زعماء العالم لمناطق الحكم الذاتيّ في غزّة والضفّة، مدلول يوحي بأنّ احتمال الدولة ليس خياليّاً ولا حتّى مستبعَداً.

لم تنتبه حركة فتح إلى المضاعفات السلبيّة لذوبانها المطلق في السلطة، كما ذابت من قبل في أجهزة ومؤسّسات وقوّات المنظّمة، فتحوّلت الأجسام الثلاثة جسماً واحداً لا يفصل بين مكوّناته سوى التسميات، وهذا ما ألغى أهمّ ما تمتلكه “فتح”، وهو تنظيمها ومؤسّساتها الخاصّة.

عزّزت “فتح” نفسها ودورها بالدخول إلى منظّمة التحرير كقوّةٍ أولى في تشكيلٍ جبهويٍّ وطنيّ، ومن خلال المنظّمة تعزّز حضورها على الصعيد القوميّ والإسلاميّ والعالميّ

ما هي فتح إذاً؟

أجتهد بتعريفٍ لها بعد كلّ الذي حدث معها منذ عام 1965 حتّى أيّامنا هذه.

ليست “فتح” تنظيماً، ولو أنّ فيها هياكل وإطاراتٍ ومسمّيات ذات عناوين توحي بذلك. و”فتح” ليست نظام حكم ولو أنّها “بيروقراطيّاً” تدير بعض أمور الضفّة من خلال ما بقي للسلطة من نفوذ، غير أنّ وضعها لا يرقى إلى أن تُعتبر نظام حكم، وذلك بفعل النقص الذريع في مكوّنات النظام، وكذلك بفعل الانقسام الذي فصل غزّة عن الضفّة، وبفعل الأعمال الإسرائيليّة المتنامية لمنع تحوّل السلطة الضعيفة أصلاً إلى دولة، وهنا أصل إلى الإجابة عن سؤال: إذاً ما هي؟

تُعرّف “فتح” بالماضي كما يحلو لكثيرين من أعضائها أو قياداتها إثبات أفضليّتهم في السيطرة والحكم، ولكنها في الواقع تبقى حالةً شعبيّةً يتفوّق فيها العنوان على المضمون، ويُستعار منها الماضي التليد للتعويض عن نقص الحاضر، وهذا أمرٌ ينفع لبقاء العنوان قيد التداول.

ما هو الحلّ؟

هنالك حقيقةٌ قوامها أنّ الشعب الفلسطينيّ مقيمٌ بأغلبيّته العدديّة على أرض الوطن، وأنّ هنالك سلطةً ما تزال عاملةً على إدارة ما تستطيع منه، وهنالك صراع وجودٍ وبقاء يسجّل فيه الشعب الفلسطيني بملايينه حقائق تتجاوز ضعف السلطة وقوّة إسرائيل، وتطرح القضيّة الفلسطينيّة كمعضلةٍ دوليّةٍ بحاجةٍ إلى حلٍّ جذريّ. وهذا يتطلّب تعديلاً في أولويّة الجهد الوطنيّ الذي ما يزال عنوانه السلطة والمنظّمة والدولة، وذلك ليس بالانصراف إلى حلّ معضلات “فتح” المتراكمة، انطلاقاً من التعامل معها كفصيل، بل بالتوجّه الجدّيّ لإصلاح حال الوطن، وتوفير مستلزمات صمود أهله وتطوير حياتهم فيه، فإنْ صلُح النظام السياسيّ الذي يتكوّن من الجميع ويقود الجميع يصلح حال البلد، وفي ذلك صلاح “فتح” الأعمق والأفعل والأصحّ، ذلك لا يمنع من ترتيب أوضاع الحركة التاريخيّة، ولكن بتوازٍ مع ترتيب أوضاع البلد وأهله.

إقرأ أيضاً: المحكومون السّوريّون الدفعة الأولى إلى الحرّيّة قريباً؟

قيل قديماً إنّ صلاح “فتح” يعني صلاح الوطن والقضيّة، ولا ضرر من تعديل المقولة بالقول إنّ صلاح الوطن وأهله هو صلاحٌ لـ”فتح” وللقضيّة معاً، ولا صلاح للوطن وأهله إلّا بتأسيس نظامٍ سياسيٍّ حديث، أساسه صندوق الاقتراع الذي يقول الناس جميعاً كلمتهم فيه ومن خلاله، و”فتح” في هذا المسار تملك أن تفعل الكثير لذاتها وللوطن.

مواضيع ذات صلة

لبنان الغائب منذ غاب رفيق الحريري

سؤال يقتحم مخيّلة اللبنانيّين كلّ سنة، عندما تقترب ذكرى الرابع عشر من شباط: كيف كان سيكون لبنان لو كان الرئيس رفيق الحريري لا يزال على…

روبيو في ميونيخ: الاتّهام المخمليّ لأوروبا

رسم وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، في الخطاب الرئيس الذي ألقاه في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، قبل أيّام، الخطوط العريضة لرؤية إدارة الرئيس دونالد ترامب…

إيران وأميركا: طبول الحرب وآفاق التّسوية

تصاعدت وتيرة التحضيرات لعمليّة عسكريّة أميركيّة واسعة النطاق في إيران، ووصلت حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة في مشهد غير مسبوق يختلف نوعيّاً عن أجواء الاحتقان…

معركة وراثة ترامب: فانس ضدّ روبيو

بينما يستقرّ دونالد ترامب في ولايته الثانية، يطفو سؤال واحد فوق المشهد الجمهوريّ: من سيرث حركة “ماغا”؟   حركة “ماغا” التي أعادت تشكيل الحزب الجمهوريّ…