كيف سقط لبنان من قمّة النموذج إلى قاع الفشل؟ هل كان محكوماً حتماً بهذا المصير؟ كيف انقلب وطن الرسالة إلى دولة التخبّط والعجز؟
واصل السفير توم بارّاك الإدلاء بآرائه المثيرة، وآخرها دعوة الرئيس جوزف عون إلى رفع سمّاعة الهاتف والاتّصال برئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو ودعوته إلى التفاهم “وإنهاء هذه المهزلة”.
أولى الملاحظات على هذا الاقتراح أنّ ما يجري بين لبنان وإسرائيل هو مأساة وليس مهزلة. وثانيتها أنّ وجود نتنياهو بالذات على رأس حكومة إسرائيل هو بحدّ ذاته مشكلة لأنّ يديه ملطّختان بالدم اللبنانيّ والفلسطينيّ، ومن الصعب أن يبادر أيّ رئيس عربيّ إلى الاتّصال به ودعوته إلى التفاهم.
أمّا بالنسبة إلى جوهر دعوة بارّاك إلى التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، فهو أمر يجب على لبنان أن يدرسه في ضوء مصالحه الوطنيّة وحساباته العربيّة، دون أيّ اعتبار آخر. لقد ساهم لبنان بأنهار من الدم في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وبات من حقّه أن يتحرّر من بقايا المحرّمات التي فرضها حافظ الأسد عليه وعلى سواه من العرب لكي يبقى الأسد المحاوِر الوحيد بين العرب وإسرائيل.
واصل السفير توم بارّاك الإدلاء بآرائه المثيرة، وآخرها دعوة الرئيس جوزف عون إلى رفع سمّاعة الهاتف والاتّصال برئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو
اليوم أصبح لبنان حرّاً في التفاوض المباشر مع إسرائيل أو عدم التفاوض معها، لأنّه بات بمنأى عن وصاية الأسد ونجله. ومن حقّه التحرّر أيضاً من وصاية “الحزب” ومحرّماته، لأنّ هذا الأخير لم يستطع حماية الأراضي اللبنانيّة من عدوان إسرائيل واحتلالها، وهو الذي قدّم لها الذرائع.
“يرجع مرجوعنا” إلى توم بارّاك ومواقفه المثيرة. فقد “نشر” غسيل الدولة اللبنانيّة القذر أمام “حوار المنامة” ووصفها “بفظاظة” بأنّها دولة فاشلة. احتار اللبنانيّون تجاه هذا التعبير الخشن بين واجب الاعتراض عليه لأنّه خدش كرامتهم الوطنيّة، وبين قناعتهم بأنّ الرجل قال الحقيقة المعرّاة التي يقولونها هم كلّ يوم، خصوصاً أنّ الدبلوماسيّ الأميركيّ عزّز حكمه على الدولة بأمثلة يعيش اللبنانيون مرارتها كلّ يوم، كضعف البنك المركزيّ، انهيار النظام المصرفيّ، مشاكل الماء والكهرباء والتعليم وتفوُّق جيش “الحزب” على جيشهم الوطنيّ.
للحكم على نجاح أو فشل الدولة في إدارة الاقتصاد اللبنانيّ، من المفيد اللجوء إلى مقارنة بعض المؤشّرات الاقتصاديّة. وقد اخترنا مقارنة بعض المؤشّرات اللبنانيّة بمؤشّرات عالميّة، وهذا منطقي، واعتمدنا أيضاً نموذجاً آخر هو سنغافورة لأنّها نقيض النموذج اللبنانيّ. فقد حقّقت نجاحاً كبيراً يُضرب به المثل في العالم على قاعدة الاستقرار السياسيّ وبُعد نظر السلطة، تماماً بعكس لبنان. ثمّ إنّ الاقتصاد اللبنانيّ كان أكبر حجماً من اقتصاد سنغافورة يوم بدأت الحرب الأهليّة اللبنانيّة سنة 1975، واليوم يبلغ اقتصاد هذه الجزيرة الساحرة والمسالمة حوالي عشرين ضعف اقتصاد لبنان.
أصبح لبنان حرّاً في التفاوض المباشر مع إسرائيل أو عدم التفاوض معها، لأنّه بات بمنأى عن وصاية الأسد ونجله
بين سنة 2000 و2024 ارتفع حجم الاقتصاد العالميّ ثلاث مرّات ونيّف، بينما تضاعف حجم الاقتصاد اللبناني بمعدّل 1.75، أي أنّ نموّ اقتصاد لبنان كان خلال هذه الفترة أقلّ من معدّل النموّ العالمي. بالمقابل، نما اقتصاد سنغافورة ستّ مرّات، من 96 إلى 574 مليار دولار، أي أنّه تجاوز النموّ العالميّ.
أمّا حصّة الفرد من الناتج المحلّيّ، التي تُظهر مستوى الرفاه في المجتمع، فقد ارتفعت عالميّاً مرّتين ونصف مرّة بين 2000 و2024، مقابل 1.3 مرّة في لبنان، وأربع مرّات في سنغافورة.
تتعدّى الخسائر هذه الأرقام. لقد فقدَ لبنان موقعه الاقتصاديّ المميّز في الشرق العربي، حيث كان نموذجاً ماليّاً متقدّماً وقلعة للحرّية الاقتصاديّة ومستودعاً آمناً للرساميل والأملاك، وكان ساحة واعدة للصناعة الماليّة المتقدّمة، وملتزماً قواعد الماليّة العامّة التي تحميه من العجز والمديونيّة العالية والتضخّم.
إقرأ أيضاً: من المارينز إلى بارّاك: الوقائع الأميركيّة لفشل لبنان
تنوّعت ردود فعل اللبنانيّين على قول بارّاك إنّ دولتهم فاشلة، وهذا مفهوم، لكنّ من واجبهم جميعاً أن يسألوا عن أسباب انهيار نموذجهم الاقتصاديّ، بل والسياسي، وكيف وصلت أوّل ديمقراطيّة عربيّة إلى هذا الدرَك. قد يكون السلاح غير الشرعيّ سبباً في هذا الانهيار، لكنّه بالتأكيد ليس السبب الوحيد، بل إنّ سوء إدارة الدولة بعد الحرب الأهليّة هو سبب رئيس آخر، حيث إنّ التطبيق السيّئ لدستور ما بعد الحرب قضى على مركزيّة السلطة، وأقام مقام السلطة المركزيّة سلطات لوردات الطوائف المتنافسة.
بسبب انعدام المحاسبة، أصبح سهلاً سوء الأداء وارتكاب الأخطاء من قبل المسؤولين، وهكذا تأسّست الدولة الفاشلة.
