اسألوا الفلسطينيّين عن أميركا..

مدة القراءة 6 د

يوجد سؤالٌ فيه مواصفات أحجية، يدور حوله جدلٌ دائم، ولم يُتّفق على جوابٍ حاسمٍ له. مَن الأكثر تأثيراً: الأميركيّون أم الإسرائيليّون؟ في أيّامنا هذه يُطرح السؤال بصيغةٍ مختلفةٍ تبقيه في صلب الموضوع: هل قرار الحرب اتّخذته إسرائيل – بنيامين نتنياهو وجرّت أميركا – دونالد ترامب إليه أم الأمر ليس هكذا بالضبط؟ السؤال لم يُجَب عنه بدقّة حتّى من جانب شركاء الحرب.

 

حاجات ترامب تفرض عليه إجابةً ينسب فيها الحرب إلى قراره، مع مجاملة نتنياهو بدورٍ ثانويٍّ وبكلماتٍ محدودة. وحاجات نتنياهو تتطلّب ادّعاء أنّه صاحب اليد العليا في القرار وتنفيذه. أمّا توصيفه لدور ترامب، الصديق الصدوق لإسرائيل والداعم له في أمر أهدافهما المشتركة، ومن خلال السطور وما بينها، فيُظهر اختلافاً في تحديد حجم الأدوار بين الكبير والصغير أو بين الأصل والفرع.

الإجابة عن هذا السؤال تجدها من خلال أحدث تجربة علاقاتٍ جرت مع أميركا، وهي التجربة الفلسطينيّة، واقتُطعت منها وقائع الإعداد لمدريد ثمّ أوسلو.

عداء أميركيّ مطلق

باختصارٍ شديدٍ تُلخَّص التجربة بعناوين عامّة: عداء أميركيّ مطلق إلى حدّ إصدار تشريعاتٍ ملزمةٍ لجميع الإدارات بمنع الحديث مع الفلسطينيّين، منح إسرائيل حقّ ضربهم حيثما قرّرت ذلك، ثمّ مرحلة المقارنة بين جدوى مواصلة الحرب عليهم بجدوى فتح حوارٍ معهم، ثمّ مرحلة الاعتراف الرسميّ بهم، ودعم تجربتهم في السلام مع إسرائيل، التي توّجها الاحتفال الزاهر الذي أقيم في حدائق البيت الأبيض تحت رعاية الرئيس بيل كلينتون، وكانت أهمّ إشارةٍ صدرت عنه تلك المصافحة التي وصفت بالتاريخيّة بين ياسر عرفات وإسحاق رابين.

يمكن وصف الموقف والسلوك الأميركيَّين بجملٍ قصيرةٍ منذ ذلك الاحتفال الزاهر في حدائق البيت الأبيض حتّى آخر ثلاثة عهودٍ أميركيّة

لكي تأخذ الصورة إيحاءها المستقبليّ، ظهر محمود عبّاس وهو يوقّع أوراق الاتّفاق مع شمعون بيريز. المصافحة كانت بين رؤساء الحاضر في حينه، والتوقيع على الأوراق تمّ بين الخلفاء المؤكّدين، وكأنّ القدر عمل تحت إمرة المشهد، فقُتل رابين برصاص متطرّفٍ إسرائيليّ، وبعده قُتل عرفات بالسمّ.

بعد رابين آلت الأمور إلى خليفته بيريز، الذي لم يُكمل المشوار مع شريكه في التوقيع على الوثائق، إذ غادر مبكراً، ليُوضع محمود عبّاس مقابل نصف دزينة من رؤساء الوزراء في إسرائيل، لا بأس من التذكير بهم: أرييل شارون، بنيامين نتنياهو، إيهود باراك، ثمّ بينيت لابيد، ثمّ نتنياهو تكراراً.

منذ تلك المصافحة وذلك التوقيع، بدأت مرحلة تنفيذ المشروع التاريخيّ من أجل سلامٍ نهائيٍّ بين إسرائيل والفلسطينيّين قُدّر أنّه سيفتح كلّ الأبواب المغلقة أمام سلامٍ أوسع وأشمل مع العرب والمسلمين.

لم ينتبه أطراف المشروع ومعهم كلّ العالم إلى أنّ انتقال الحالة من وعدٍ للسلام إلى حتميّة حرب لا يحتاج إلى أكثر من انتقال عضو كنيست واحد من معسكر أوسلو إلى المعسكر المضادّ. الذي حدث فعلاً أنّ رابين قضى اغتيالاً، وأنّ بيريز قضى تهميشاً وإقصاءً، لتخلو الطريق أمام الثنائيّ الذي لم يُخفِ قراره المشترك بإطاحة أوسلو وأهلها وما بُني عليها. على الرغم من اختراقٍ عابرٍ جاء بإيهود باراك رئيساً للوزراء، إلّا أنّ الرجل الذي أجاد مهامّ الحرب ولم يجِد مهامّ السلام غادر موقعه إلى غير رجعة.

اختبار الدّور الأميركيّ

لم تكن اللعبة بين صعود الآمال وهبوطها ثمّ تبدّدها شأناً إسرائيليّاً فلسطينيّاً خالصاً، إذ رافق كلّ تطوّرات الحالة اختبارٌ جدّيٌّ للدور الأميركيّ المفترض أنّه راعي العمليّة التاريخيّة، والضامن لحسن سيرها إلى أن تصل إلى أهدافها.

حاجات ترامب تفرض عليه إجابةً ينسب فيها الحرب إلى قراره، مع مجاملة نتنياهو بدورٍ ثانويٍّ وبكلماتٍ محدودة

في حياة عرفات كان الدلال الأميركيّ له قد وصل ذروته، حتّى إنّه قال إنّه حقّق الرقم القياسيّ بين الزعماء الأجانب في دخول البيت الأبيض، وباتت هذه الكلمات شهيرة. ولم ينسَ التذكير بأنّ الرئيس بيل كلينتون زاره وهو على رأس ما حصل عليه من الأراضي الفلسطينيّة، غزّة المخترقة ببعض المستوطنات، والضفّة حيث منحه اتّفاق أوسلو ما يقلّ عن نصف مساحتها. إلّا أنّ الثنائيّ شارون- نتنياهو حشر ياسر عرفات في زاويةٍ ضيّقة أشعرته بخوفٍ جدّيٍّ على ما حصل عليه وخوفٍ أكثر على ما بقي له.

من خلال الفراغات التي اعترت مراحل تطبيق أوسلو، نشأت انتفاضةٌ فلسطينيّة اختلفت عن سابقتها بأنّها مسلّحة، وقد حاول عرفات التمويه على دوره فيها، إلّا أنّ قرار إسرائيل وكثيرين من دول العالم ذهب إلى وضع ختم حطّته ومسدسه وبنادقه عليها.

أين الأميركيّون ممّا جرى؟

من دون الإغراق في تفاصيل حركتهم ومواقفهم عبر الوقائع، تصف الخلاصة الحكاية من أوّلها إلى آخرها على النحو التالي:

اعتبرت أميركا أنّها قامت بما يلزم في فعّاليّة كامب ديفيد التي رعتها في عهد كلينتون ودعت إليها عرفات وباراك، وكذلك في فعّاليّات بوش الابن في شرم الشيخ والعقبة وأنابوليس، وفي فعّاليّات باراك أوباما حيث أوشك وزير خارجيته جون كيري على الاستيطان في المنطقة لإخراج “زير التسوية من بير الفشل” الذي بدا كما لو أنّه بلا قاع.

يمكن وصف الموقف والسلوك الأميركيَّين بجملٍ قصيرةٍ منذ ذلك الاحتفال الزاهر في حدائق البيت الأبيض حتّى آخر ثلاثة عهودٍ أميركيّة، عهود ترامب، بايدن وترامب.

اعتبرت أميركا أنّها قامت بما يلزم في فعّاليّة كامب ديفيد التي رعتها في عهد كلينتون ودعت إليها عرفات وباراك

كان الموقف والسلوك وحتّى الخلاصات أساسها التكيّف مع ما تريده إسرائيل مع اختلافاتٍ ثانويّةٍ على أدائها الحربيّ ومع فاتورةٍ فيها رقمٌ قياسيٌّ تاريخيّ في عدد “الفيتوات” التي نفّذت لمصلحة إسرائيل في أقلّ مدى زمنيّ في عمر حالات الحرب والسلام في فلسطين وما حولها.

إقرأ أيضاً: من سيغيّر وجه إيران؟

أخيراً، مع كلّ الجديد الذي ظهر في أميركا لغير مصلحة نمطيّة الحظوة الدائمة لإسرائيل، سواء في الجامعات أو الشوارع أو الكونغرس، ما يزال التكيّف مع ما تريده إسرائيل متواصلاً. وإذا كان من تغييرٍ محتملٍ ذي وزن فلا بدّ أن ينشأ من مكانين، الأول إسرائيل والثاني دول المنطقة العربية والإسلامية. وهذا التغيير الذي تظهر مقدّماته يمتلك أساساً جدّيّاً لنقل الحالة الأميركيّة من التكيّف التقليديّ مع كلّ ما تريده إسرائيل إلى تكيّفٍ آخر مع ما يستحقّه العرب والمسلمون والعالم الذين اقترحوا تسويةً في منتصف الطريق.

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…