نبيه برّي: حكمة القرار في زمن الصّوم الكبير

مدة القراءة 3 د

في تاريخ الأزمات اللبنانيّة، قلّما اجتمع ضغط الخارج مع انقسام الداخل كما اجتمعا في ثمانينيّات القرن المنصرم. يومها، وسط الحرب الأهليّة وتشظّي القرار، برز نبيه برّي لاعباً سياسيّاً يقرأ المآلات قبل أن تتّضح، ويختار الدولة خياراً استراتيجيّاً لا شعاراً ظرفيّاً. لم يكن الطريق معبّداً، ولا الإجماع متوافراً، لكنّ الرجل انحاز باكراً إلى تسويةٍ تُعيد بناء المؤسّسات وتُنهي الحرب عبر الدستور.

 

عندما طُرِح اتّفاق الطائف، كان برّي من بين الذين رأوا فيه المخرج الممكن من نفق الدم. لم يقرأ الاتّفاق باعتباره تنازلاً طائفيّاً، بل بوصفه مدخلاً لإعادة توزيعٍ متوازنٍ للسلطات ضمن دولة واحدة، وتثبيتاً لمرجعيّة الدستور بعد سنوات من التفكّك. في تلك اللحظة المفصليّة، اختار منطق الدولة على منطق الغلبة، ومنطق التسوية على منطق المغامرة.

ربّما كان موقفه من إعادة تموضع القوّات السوريّة بعد بيان المطارنة من بكركي عام 2000 واحدةً من أكثر المحطّات دلالةً. يومها، تحدّث برّي بلغةٍ بدت لكثيرين سابقةً لزمنها، فارتفعت سهام التخوين من داخل الصفوف قبل خارجها.

كان برّي يدرك بخبرته السياسيّة أبعاد اللحظة بعد بيان المطارنة وتداعياته الداخليّة والخارجيّة، وأنّ أيّ تموضعٍ جديد يجب أن يُقرأ في سياق حماية الاستقرار ومنع الانزلاق. لم يُفهَم آنذاك، فقال عبارته التي بقيت شاهداً على مرارة المرحلة: “سكتت شهرزاد عن الكلام”، واعتصم بالصوم، تاركاً للأيّام أن تشرح ما عجزت السياسة عن شرحه في حينه.

اليوم، وفي زمن صومٍ لدى كلّ الطوائف اللبنانيّة، تعود البلاد إلى مفترق طرق جديد: الانقسام حادّ، والشارع مثقل، والجنوب ينزف نزوحاً وألماً، فيما الدولة تقف على حافة اختبار وجوديّ. في هذه اللحظة، ينحاز برّي مجدّداً إلى خيار الدولة، بالحكمة ذاتها التي قادته إلى “الطائف” والدستور.

عندما طُرِح اتّفاق الطائف، كان برّي من بين الذين رأوا فيه المخرج الممكن من نفق الدم

لا يساير المزايدات

لا يرفع برّي سقف الخطاب، ولا يساير نزعات المزايدة، بل يتمسّك بمؤسّساتٍ يعرف أنّ سقوطها هو السقوط الأكبر. كما حدث يوم بيان بكركي، يتعرّض اليوم للسهام نفسها: تخوين من صديق قبل خصم، وتشكيك في النيّات قبل قراءة الوقائع. غير أنّ مَن يرجم برّي اليوم لا يدرك أبعاد ما يفعل، فالمشهد أعقد من شعارات، والبلاد أرهقها فائض الانفعالات.

في الأزمات الكبرى، ليست الحكمة ترفاً بل شرط بقاء، وليست البراغماتيّة ضعفاً بل قراءة لموازين القوى وحساب للكلفة الوطنيّة.

بعد كلّ المآسي التي عصفت بالنازحين من الجنوب في الشوارع، وبعد كلّ هذا الانتظار القلِق على مفترق الطرق، يبقى خيار الدولة هو الخيط الأخير الذي يجمع اللبنانيّين. من خبِر مسار العقود الماضية يعرف أنّ السياسة ليست سباق أصوات، بل امتحان مسؤوليّة. وبرّي هو الأول بين الناجحين.

مواضيع ذات صلة

لبنان… ومدرسة حافظ الأسد

الأرقام تتكلّم. الأرقام صادقة لا تخطئ. نحو 400 ألف نازح عادوا إلى الجنوب بعد أقلّ من 24 ساعة على توقيع الاتّفاق الإطار اللبنانيّ الإسرائيليّ في…

إسرائيل تختبر قواعد اشتباك جديدة في سوريا؟

أظهرت أحداث قرية عابدين بريف درعا الغربيّ انتقال النشاط الإسرائيليّ من الاقتراب الدوريّ من القرى إلى محاولة التحكّم بالطرق والمواقع المرتفعة في حوض اليرموك. فقد…

إيران – أميركا: أول الغيث 300 طائرة بوينغ لإيران

صفقة شراء إيران أكثر من 300 طائرة بوينغ أميركيّة حديثة الطراز، مع برامج تدريب للطيّارين وتعاون تقنيّ طويل الأمد، ليست عقداً تجاريّاً عابراً وحسب، بل…

الاتفاق الإطاري: ضعف التهدئة وتحديات التنفيذ (2/2)

يستعرض الجزء الثاني واقع التأييد الإسرائيلي لبقاء قوات الدولة العبرية في جنوب لبنان وتأثيره على فرص تنفيذ الاتفاق الإطاري، حيث يظهر استطلاع أن 73% من…