“الحزب” يساند إسرائيل في الانقلاب على السّعودية..

مدة القراءة 7 د

بعد هدنة طويلة، يشنّ “الحزب” حملة مركّزة على السّعودية من خلال وسائل الإعلام الناطقة باسمه مباشرة والصحف القريبة منه، في توقيت يطرح علامات استفهام كثيرة، ربطاً بالمواجهات التي تقودها الرياض دوليّاً لحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وحماية وحدة الدولة السورية واستقرارها في وجه السعي الإسرائيلي المعلن لإسقاطها.

 

قناة “المنار” الناطقة باسم “الحزب” توجّهت قبل يومين بكلام مباشر لرئيس الجمهورية جوزاف عون اتّهمته فيه بأنّه “خضع للضغوط الأميركية والسّعودية وتراجع عن الموقف الرسمي الموحّد الذي أبلغه بنفسه للموفد الأميركي”. وفي مطالعة مطوّلة قدّمتها إحدى مراسلات القناة وليس أحد ضيوفها، بدت القناة حريصة على الزجّ باسم السّعودية في كلّ جملة تتحدّث فيها عن جلسة مجلس الوزراء المخصّصة لبحث حصر السلاح بيد الدولة، كما لو أن الجلسة شأن سعوديّ لا لبنانيّ.

سيل المقالات نحو الرياض..

في إعلام الممانعة، رصدت جهات سياسية سيلاً من مقالات التهجّم على السّعودية، وصلت إلى حدّ وصف مستشار وزير الخارجية السعودي الأمير يزيد بن فرحان بـ “المندوب السامي”، واتّهامه بأنّه “بات يتدخّل في كل شاردة وواردة وفي كلّ كلمةٍ تقال”، وبأنّه “يتحكّم عن بعدٍ وعن قرب بكل الحراك الداخلي”، وبأنّه “هو من ضغط في الآونة الأخيرة لنقل ملفّ السلاح إلى مجلس الوزراء”.

المريب في حملة “الحزب” أنّها تجعل من السّعودية هدفاً رئيسياً، وتجعل المواجهة مع الإدارة الأميركية في مرتبة متأخرة في الأولوية. حتّى إنّ الإعلام الممانع ذهب إلى حدّ اتّهام المملكة “بالتحكّم” بالموفد الأميركي توم بارّاك والوقوف وراء مواقفه المتشدّدة من سلاح “الحزب”، بل و”التحرّك الخفيّ” لتعطيل النتائج الإيجابية من لقائه برئيس مجلس النوّاب نبيه برّي(!)، وقيادة “التهويل ضدّ المقاومة”. يصل الأمر بالصحف المعنية إلى حدّ القول إنّ “التخريب السعودي” هو الذي دفع بارّاك إلى “تغيير أقواله” وإنّ بن فرحان هو من طلب منه نشر تغريدته التي قال فيها إنّ “الكلام وحده لا يكفي وأن على الحكومة أن تذهب حالاً إلى خطوات عمليّة”.

الرياض تخوض أشرس مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية

كما أفرد الإعلام الممانع نفسه في 31 تمّوز مقالاً مطوّلاً اتّهمت فيه السعودية بـ “الفتنة” بين فلسطينيّي لبنان، والقيام بـ “بالعمل الأمنيّ المباشر في المخيّمات وخارجها”، و”دعم المشروع الأميركي الإسرائيلي لإبعاد حماس وقوى المقاومة الأخرى مثل الجهاد الإسلامي من لبنان”.

التّهجّم على السّعوديّة وتهديد الدّاخل

الأخطر في حملة التهجّم على السّعودية ربطُها عضويّاً برسائل تهديد ضمنيّة إلى القوى السياسية المحليّة، وتحديداً إلى وليد جنبلاط “الذي يسعى إلى كسب ودّ القيادة السّعودية”، كما تقول الصحف نفسها بتاريخ 31 تموز، لتحذّره من “تكرار خطأ 5 أيار”، كنايّة عن التهديد بنسخة أخرى من هجوم “الحزب” على بيروت والجبل في 7 أيّار 2008. وفي المقال نفسه، اتّهام للسّعودية بالاشتراك “مع واشنطن وتل أبيب” في “الإصرار على تخريب الساحة الداخلية عبر وضع اللبنانيّين في وجه بعضهم البعض”، بل و”الذهاب أبعد منهما في التحريض” على حلّ ملفّ السلاح. وبذلك يحضّر “الحزب” من العداء للسعودية توطئة لفتنة داخلية قد يحتاجها في لحظةٍ ما.

السّعودية

تطرح هذه الحملة تساؤلات عدةّ حول الغاية والتوقيت، في ظل مواجهتين دبلوماسيتين كبيرتين تخوضهما الرياض مع إسرائيل حالياً:

1- الرياض تخوض أشرس مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لحشد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فيما تسعى حكومة اليمين الإسرائيلي إلى تنفيذ “النكبة الثانية”، وتهجير الفلسطينيين من الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وقد أثمرت هذه المواجهة في مؤتمر نيويورك الأسبوع الماضي التوصّل إلى اعترافٍ فعليّ أو وشيك من أكثر من 140 دولة، من بينها دول صناعية كبرى، بالدولة الفلسطينية. وستكون اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدّة في سبتمبر/أيلول المقبل ساحة مواجهة كبرى لاعتراف دوليّ أوروبيّ بالدولة الفلسطينية.

المريب في حملة “الحزب” أنّها تجعل من السّعودية هدفاً رئيسياً، وتجعل المواجهة مع الإدارة الأميركية في مرتبة متأخرة في الأولوية

2- تصدّت السعودية بكل ثقلها للمخطّط الإسرائيلي المكشوف لإسقاط الدولة السورية وتقسيمها، فنظّمت خلال ساعات منتدى استثمارياً ضخماً شارك فيه نخبة من كبار رجال الأعمال والمستثمرين السعوديين في قلب دمشق، وتمّ الإعلان عن استثمارات وشراكات لتوجه الرياض بذلك رسالة إلى المحور الإيراني – الإسرائيلي أنّ السّعودية هي سوريا على حدّ قول رئيس الوفد الاستثماري.

في ظل هاتيّن المواجهتين تأتي حملة “الحزب” على المملكة متجاوزة كل حدود المنطق السياسي، ما يطرح سؤالاً جديّاً حول الانتقائية والاستنسابية في شعارات مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

كما أنّ الحملة تطرح سؤالاً أساسيّاً حول الاعتبارات الداخلية لهذه الحملة: ماذا فعلت السعودية في لبنان لتستحق كل هذا الهجوم والإساءة؟

عندما تحرّك “كاسح ألغام” الحزب الأمير يزيد بن فرحان لكسر الجمود السياسي والفراغ الرئاسي، كان واضحاً للجميع أنّ ليس للسعودية مصالح خاصة تتحرّك من أجلها في بلدٍ ومنهكٍ ومفلس، بل كانت تقول لسنواتٍ: “دبّروا شؤونكم بأنفسكم”. لكنها تحرّكت أخيراً بعد الكثير من المطالبات المحليّة والدوليّة، وليس باسمها وحدها، بل باسم الخماسيّة الدوليّة بعد أن فشل اللبنانيون في حلّ مشاكلهم بأنفسهم. وقد كانت عودة الاهتمام السّعودي محل استبشارٍ من اللبنانيين جميعاً، بكل طوائفهم ومشاربهم السياسية، ولا حاجة إلى ذكر الشواهد على تغيّر حال البلد 180 درجة بعد انتخاب رئيسٍ للجمهورية وتشكيل حكومة وبدء عودة الانتظام إلى المؤسّسات.

فهل المطلوب “تطفيش” السّعودية مجدّداً ليعود حكم الفراغ الذي احترفه “الحزب” مرّاتٍ كثيرة، مرّة بإسقاط نصاب انتخاب الرئيس، وأخرى باعتكاف الوزراء الشيعة أو استقالتهم، وأخيراً بالاعتصام المسلّح؟

تشيّ حملة “الحزب” على يدّ الحرص السّعودية بأنّ هناك من لا يريد لمؤسّسات الدولة أن تنتظم، ولا لسيادتها أن تستقيم، ولا للاقتصاد أن ينشط، ولا للناس أن يعيشوا في بلدٍ طبيعي. والأخطر أنّها تنذر بأنّ “الحزب” لم يغادر ماضيه المشبع بتوريط لبنان في استهداف الدول العربية وأمنها القوميّ لصالح مشاريع إقليمية أكبر من طاقته وخارج نطاق مصالحه.

بعد هدنة طويلة، يشنّ “الحزب” حملة مركّزة على السّعودية من خلال وسائل الإعلام الناطقة باسمه مباشرة والصحف القريبة منه

ربما يتوخى “الحزب” من كل ذلك القفز فوق الحاجة إلى محاورة الداخل، بعد أن وجد نفسه مطوّقاً بما يقارب الإجماع على نزع ترسانته وحصر السّلاح بيد الدولة. فبدلاً من أن يقرّ بأنّ نزع السلاح مطلب داخلي، لا يستثني حلفاءه التقليديين من فيصل كرامي إلى آل فرنجية وصولاً إلى “الأحباش”، يقفز إلى تصوير الأمر وكأنّها مسألة ضغط سعودي على رئيس الجمهورية والحكومة والقوى السياسية!

المفارقة هنا أنّ الفريق السياسي الذي يهاجم المملكة هو نفسه الذي كان يقود حملات الانتقاد لما كان يوصف باللامبالاة السّعودية تجاه لبنان في السنوات الماضية، ويصوّرها وكأنّها حصار اقتصادي!

المطلوب من لبنان عربياً ليس كثيراً، بل لا يتجاوز أن يكون دولة طبيعية ذات سلطة موحدّة، تتحمّل مسؤولياتها عن كل ما يجري على أراضيها، ولا تنأى بنفسها عن ميليشيات تنطلق منها لخوض الحروب بالوكالة في ساحات الإقليم المشتعلة وممارسة كل صنوف التهديد للأمن القومي للدول العربية، بالتدريب العسكري، والإعلام وتجارة المخدرات وغيرها.

إقرأ أيضاً: بن سلمان يُصدّع جدار الحماية الدولية لإسرائيل

ما يشير إليه سلوك “الحزب” في الأيام السابقة لجلسة الأمس الحكومية يؤكّد أنّه يقارب الملفات الخلافية من منظار المحور الإيراني وموقعه العضوي “الولائي” فيه. ولا يبدو أنّ في الأفق فسحة للانفراج ما لم يغادر ذلك الموقع وينفتح على الداخل بنية صادقة، على النحو الذي كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يمنّي نفسه أن يلاقيه في لقاءاته السريّة مع الأمين العام الراحل للحزب السيّد حسن نصر الله، قبل أن يلاقي شاحنة “الميتسوبيشي” في انتظاره قرب السان جورج.

وللحديث صلة..

مواضيع ذات صلة

في لبنان “الحزب حزبان” وفي طهران “إيرانان”؟

تزداد القناعة بأنّ “الحزب” في لبنان بات “حزبين”، لكلّ منهما توجّهه حيال تحوّلات المنطقة، واستطراداً حيال خطّة الحكومة لحصر سلاحه بيد الدولة. يوازي ذلك الانطباع…

بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

لن يترك أيّ تحوّل جذريّ في موقع إيران، سواء أكان ضعفاً أو احتواءً، فراغاً محايداً في الشرق الأوسط، بل سيقود إلى إعادة توزيع الثقل الاستراتيجيّ…

إيران بين اللّاءات الإسرائيليّة ودبلوماسيّة واشنطن؟

في اللحظة التي أعلن فيها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو “لاءاته الثلاث” الحاسمة بشأن أيّ اتّفاق محتمل مع إيران، بدا المشهد وكأنّه يعود إلى نقطة…

انتخابات أيّار: بالتّراضي أم فرض أمر واقع؟

المعروف عن تجارب الانتخابات النيابيّة منذ ما بعد اتّفاق الطائف وصولاً إلى هذا اليوم، وجود تواطؤ بين السلطتين الاشتراعيّة والإجرائيّة على وضع قانون انتخاب يُقدِّم…