اخترت هذا العنوان لمقالي لتسليط الضوء على الغرض الجوهري من المشروع المقترح. “نورٌ مؤقّت” يعكس طبيعة الحلّ بدقّة ومن دون مبالغة، فهو بالفعل مشروع مرحليّ. أمّا “كرامة مُهدَرة” فهي استحضار للمعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون في ظلّ العتمة والإهمال، ويعيد التأكيد أنّ توفير الكهرباء حقّ إنساني قبل أن يكون خياراً تقنيّاً.
أزمة متفاقمة وحلّ جريء
وسط أزمة كهرباء خانقة تعاني منها بيروت التي تضم نصف اللبنانيين المقيمين خلال النهار، يبرز حلّ جريء يجمع بين البعدَين التقنيّ والإنساني: إنشاء محطّة توليد غازيّة مؤقّتة بقدرة 352 ميغاواط، مصمّمة لتغذية العاصمة، عبر اتّفاق شراء طاقة (PPA) مع مؤسّسة كهرباء لبنان.
تضمّ المحطّة 8 وحدات توليد متنقّلة (44 ميغاواط لكلّ منها) قابلة للتشغيل خلال أقلّ من 6 أشهر. وقد سبقتنا عشرات الدول إلى اعتماد هذا النوع من الحلول المؤقّتة لرفع مستويات التغذية الكهربائية في فترات الأزمات أو إعادة الإعمار. تقدّر قيمة الطلب القصوى لمدينة بيروت حوالي 900-1000 ميغاواط في ذروة أشهر الصيف (تمّوز وآب) وحوالي 600-650 ميغاواط في الفصول الأخرى.
يمكن لهذه المحطة أن تقلّص التقنين في الصيف إلى 2.5-3 ساعات يوميّاً خلال تمّوز وآب، وفي الفصول الأخرى إلى الصفر شرط أن تغذّي شركة الكهرباء بيروت بطاقة تساوي 300 ميغاواط أو أكثر باستمرار.
وسط أزمة كهرباء خانقة تعاني منها بيروت التي تضم نصف اللبنانيين المقيمين خلال النهار، يبرز حلّ جريء يجمع بين البعدَين التقنيّ والإنساني: إنشاء محطّة توليد غازيّة مؤقّتة بقدرة 352 ميغاواط
3 سنوات من النّور خيرٌ من عقود من الانتظار
يُخفي بعض أصحاب القرار، ومعهم مرجعيّاتهم الحزبية، تقاعسهم خلف ذريعة “قِصر عمر الولاية الحكومية” لتبرير الإحجام عن إطلاق مشاريع استراتيجيّة، كإنشاء محطّات توليد كهرباء حديثة تعمل على الغاز المسال. وبدلاً من السعي نحو توفير طاقة أنظف وأكثر استدامة، تتركّز الجهود على الحصول على كمّيات من الفيول المدعوم لتشغيل معامل قديمة، ملوِّثة، تخطّت عمرها الافتراضي، ولم تعد تواكب الحاجات التقنيّة والبيئيّة.
إنّ الطلب المتزايد والملحّ على الكهرباء لا ينتظر تبدّل الحكومات، ولا يحتمل المزيد من التباطؤ في اتّخاذ المبادرات الجريئة، بل يتطلّب قرارات استثنائية وشجاعة، خصوصاً في ظلّ صعوبة تنفيذ مشاريع محطّات دائمة تعمل بالغاز المسال أو بنظام هجين (غاز وطاقة متجدّدة) خلال فترة قصيرة، نتيجة التعقيدات العقاريّة، والكلفة العالية، والتعطيل السياسي المتعمَّد.
عليه، التوجّه نحو شراكة مؤسّسيّة شفّافة مع مورّد عالمي موثوق مثل شركة Siemens أو General Electric، لتوفير الطاقة عبر محطّة متنقّلة مؤقّتة، يشكّل حلّاً مرحليّاً مناسباً لسدّ فجوة التوليد. لا يلغي هذا النموذج التخطيط الطويل الأمد، بل يشكّل جسراً نحو محطّات دائمة تعمل بالغاز الطبيعي أو الطاقات المتجدّدة خلال فترة تمتدّ بين عامين إلى ثلاثة أعوام.
تضمّ المحطّة 8 وحدات توليد متنقّلة (44 ميغاواط لكلّ منها) قابلة للتشغيل خلال أقلّ من 6 أشهر
محطّة مؤقّتة تعمل بالغاز
إنّ المشروع عبارة عن محطّة طاقة مؤقّتة تعمل بالغاز، يمكن تركيبها بسرعة لتغذية العاصمة بيروت بالكهرباء. هذه مكوّناته الرئيسية:
- 8 وحدات توليد متنقّلة: قدرة كلّ منها 44 ميغاواط، من نوع Siemens SGT-A45 TR أو ما يعادلها من شركة GE الأميركية.
- خزّانات غاز طبيعي: لتخزين LNG أو CNG على أرض الموقع.
- شبكة ربط كهربائيّ: تُوصل المحطّة بشبكة بيروت مباشرة عبر محطّة سوليدير.
- اتّفاق PPA: تشتري الدولة الكهرباء المنتجة من دون أن تتحمّل كلفة الإنشاء أو التشغيل.
- الموقع والمساحة: 10,000 م² بمحاذاة ميناء بيروت، وهو ما يعادل تقريباً ملعب كرة قدم ونصفاً.
- المدّة الزمنيّة: أقلّ من 6 أشهر لتشغيل كامل الوحدات.
لماذا هو مفيد اقتصاديّاً؟
- كلفة الإنتاج: بين 4.6 و13 سنتًا/ك.و.س (حسب دعم الوقود).
- سعر البيع للمواطن: 27 سنتاً/ك.و.س.
- الربح السنويّ المحتمل: بين 1 و2 مليار دولار.
- الهامش الربحيّ: بين 200% و300%.
- تقلُص ساعات التقنين إلى الصفر معظم أيّام السنة والى 2.5-3 ساعات خلال آب وأيلول.
- الاستخدام: دعم محدودي الدخل الذين تراوح اشتراكاتهم على شبكة كهرباء لبنان بين 10 و20 أمبير، تحسين الشبكة وتمويل مشاريع مستدامة.
- مقارنة: البواخر كانت تبيع الكهرباء بـ35 سنتاً، أي أكثر بثلاثة أضعاف من كلفة هذا النموذج.
من قلب العتمة، تخرج بيروت بإمكانيّة واقعيّة للنور، مدعومة بتقنيّات عالمية، وشراكات شفّافة وإرادة وطنية إن وُجدت
لا عذر للتأخير
الحلّ موجود، قابل للتنفيذ، سريع، عادل ومربح. ما ينقصه فقط هو قرار جريء من جهة رسمية لا تخاف من المبادرة. تُصدر التوربينات الغازيّة انبعاثات أقلّ من مولّدات الديزل، ولا تحتاج إلى الزيوت الثقيلة، ويمكن تتبّع أدائها رقميّاً بدقّة لحظة بلحظة.
أمّا إداريّاً، فالمطلوب إشراف مشترك من:
- بلديّة بيروت – الجهة القانونية المحلّية للتعاقد وتنفيذ مشاريع البنية التحتية في نطاق المدينة.
- وزارة الطاقة والمياه للإشراف على دمج المحطّة مع الشبكة الوطنية ومتابعة السياسات الطاقويّة بالتنسيق مع مؤسّسة كهرباء لبنان.
- مؤسّسة كهرباء لبنان (EDL) تشتري الطاقة بموجب اتّفاق PPA ومسؤولة عن توزيع الكهرباء والفوترة.
- جهة تدقيق محليّة أو دوليّة ذات صدقيّة تحظى بثقة المشرفين على المشروع.
إقرأ أيضاً: برّي لحمادة: اذهب لشعيتو وأخبره بمنصبه الجديد..
على أن تُنشر تقارير شهرية تُظهر كميّات الإنتاج، كلفة الوقود وكفاية التشغيل، لإقناع المجتمع المحلّي والمانحين بتمويل الوقود أو تشغيل المحطّة.
ليس هذا المشروع محطّة مؤقّتة، بل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. إنّه نموذج عمليّ لحلول عادلة وسريعة تعالج الأزمة من جذورها، وتؤسّس لقطاع طاقة حديث، شفاف، وعادل.
من قلب العتمة، تخرج بيروت بإمكانيّة واقعيّة للنور، مدعومة بتقنيّات عالمية، وشراكات شفّافة وإرادة وطنية إن وُجدت. ثلاث سنوات من النور، بخطوات مدروسة وشفّافة، كفيلة بأن تعيد للناس كرامتهم، وللدولة دورها، وللمستقبل أفقه.
*مهندس استشاري
