أين لبنان من حلّ قضيّة اللّاجئين الفلسطينيّين؟ (4/5)

مدة القراءة 5 د

تعتبر قضيّة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من أكثر القضايا تعقيداً وحساسيّة، ولها أبعاد تاريخية وديمغرافية وسياسية متشعّبة. ولكن على الرغم من تناسي الكثير من اللبنانيّين، فإنّ أصل هذه المعضلة هو إنشاء دولة إسرائيل وما استتبع ذلك من مآسٍ مستدامة على الشعب الفلسطيني والدول المجاورة.

 

لبنان يرفض رسمياً وشعبياً أيّ شكل من أشكال التوطين للّاجئين الفلسطينيين. هذا الرفض نابع من عدّة اعتبارات أهمّها التركيبة الطائفية الهشّة والحسّاسة. إذ يخشى العديد من اللبنانيين، وخاصّة المسيحيّين، أن يؤدّي توطين اللاجئين الفلسطينيين إلى اختلال التوازن الديمغرافي القائم وتغيير التركيبة الطائفية للبلاد. ويخشى البعض من أن يؤدّي التوطين إلى منح اللاجئين حقوقاً سياسيّة أو حتّى الجنسيّة، فتترتّب على ذلك تغييرات في نظام المحاصصة الطائفية القائم.

لهذا تؤكّد الدولة اللبنانية وجميع أطياف الشعب حقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية في فلسطين، وترفض التوطين بديلاً لهذا الحقّ. لكنّ معظم اللاجئين الفلسطينيّين الباقين في لبنان يرزحون تحت وطأة ظروف معيشية قاسية في المخيّمات، ويعانون من حرمان كبير في الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية مثل حقّ التملّك والعمل في مهن عديدة. يزيد هذا الحرمان من معاناتهم ويدفع بعضهم إلى الهجرة غير الشرعية أو التمرّد بأشكاله المختلفة.

حقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين هو جزء أساسي من أيّ حلّ شامل للقضيّة الفلسطينية، لكنّ غياب أفق واضح لهذا الحلّ على المستويين الإقليمي والدولي يجعل حلّ قضيّة اللجوء في لبنان مستحيلاً في الوقت الراهن. من المعروف أنّ إسرائيل ترفض بشكل قاطع حقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم، معتبرة ذلك تهديداً لطابعها اليهودي. هذا الرفض هو العقبة الرئيسة أمام أيّ حلّ لقضيّة اللاجئين.

تؤكّد الدولة اللبنانية وجميع أطياف الشعب حقّ العودة للّاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية في فلسطين، وترفض التوطين بديلاً لهذا الحقّ.

ضرب معسكر الممانعة سيعقّد القضيّة

من هنا، تهليل بعض اللبنانيّين لضرب ما يسمّى معسكر الممانعة، ودخول المنطقة العصر الإسرائيلي، سيجعلان من مسألة حلّ قضيّة اللاجئين أكثر تعقيداً، إلّا في حال وُجد حلّ، هو مستبعد اليوم، يقوم على توفير مواطن بديلة لهم.

حتّى لو وُجدت حلول دوليّة، يجعل الوضع الداخلي الهشّ في لبنان والتوازنات الطائفية المعقّدة صعباً على أيّ حكومة لبنانية اتّخاذ خطوات جريئة نحو حلّ مسألة اللاجئين بشكل داخلي، مثل منحهم حقوقاً كاملة أو توطينهم.

ما هو معلوم أنّ الجهود الدولية مثل “الأونروا” تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية للّاجئين، لكنّها لا تقدّم حلولاً جذرية لمشكلة اللجوء نفسها. وحتّى هذا الجزء غير التفصيليّ في القضيّة يتعرّض لضغوط وتضييق خطير من قبل الدول المانحة.

من هنا، يشكّل استمرار هذه الأزمة عاملاً مستمرّاً في استنزاف لبنان أمنيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، ويساهم في تعقيد أزماته الداخلية. في ظلّ هذه الظروف، لا يوجد أفق واضح أو قريب لحلّ شامل لقضيّة اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، ويبقى الوضع الراهن هو الأرجح على المدى المنظور، مع استمرار المعاناة الإنسانية للّاجئين في المخيّمات.

قضيّة سلاح “الحزب” وذرائع إسرائيل

إنّ قضيّة سلاح “الحزب” هي نقطة محوريّة تستخدمها إسرائيل لعدّة أسباب، سواء لتبرير عدائها المستمرّ، أو لتغطية عمليّاتها العسكرية الأخرى، بما في ذلك الحرب على غزّة. فإسرائيل تبني عدائيّتها، منذ نشأتها، على تهديد أمنيّ مزعوم ومستدام. وقد أدركت الفيلسوفة اليهوديّة حنّة أرندت منذ نشأة الدولة العبريّة أنّ طبيعة إنشائها ستجعلها في حال عدم استقرار أمنيّ وتحوّلها دولة عسكرية الطابع، وإن بغطاء ديمقراطي، فشبّهتها بمدينة إسبارطة القديمة. ولذلك تعتبر إسرائيل وجود سلاح “الحزب” تهديداً مباشراً لأمنها.

تعتبر قضيّة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من أكثر القضايا تعقيداً وحساسيّة، ولها أبعاد تاريخية وديمغرافية وسياسية متشعّبة

يُستخدم هذا التهديد، سواء كان حقيقيّاً أو مبالغاً فيه، ذريعةً لشنّ هجمات استباقية أو ردود فعل قاسية على أيّ استفزازات، وهو ما يديم دورة العنف. تستند إسرائيل إلى قرارات مجلس الأمن الدولي، مثل القرار 1701 الذي يدعو إلى نزع سلاح جميع المجموعات المسلّحة غير الحكومية في لبنان. يمنح رفضُ “الحزب” تسليمَ سلاحه إسرائيلَ “شرعيّةً” مزعومة لعمليّاتها بحجّة تطبيق هذه القرارات أو الردّ على انتهاكها.

إلى ذلك يوفّر وجود سلاح غير حكومي على الحدود الشمالية لإسرائيل مبرّراً دائماً للحفاظ على حالة تأهّب عسكري عالٍ، وتبرير إنفاقها الدفاعي الضخم، وإجراء مناورات عسكرية، فيسهم في إبقاء المنطقة في حالة توتّر مستمرّ.

لكنّ الأهمّ اليوم هو تغطية الحرب على غزّة وتشتيت الانتباه. فعندما تشنّ إسرائيل عمليّات عسكرية في غزّة، سيكون وجود تهديد من الشمال عملاً مساعداً في تحويل الأنظار عن الأوضاع الإنسانية في غزّة أو الانتقادات الدولية لعمليّاتها هناك. وهنا، التركيز على تهديد “الحزب” يخلق جبهة أخرى تبرّر الإجراءات الأمنيّة الإسرائيلية الشاملة. تصنّف معظم الدول الغربية “الحزب” منظّمة إرهابيّة، وهو تصنيف يسمح لإسرائيل بتأطير أيّ صراع معه ضمن سرديّة “الحرب على الإرهاب”، وهو ما يلقى دعماً من بعض القوى الدولية ويساعد في تبرير الأعمال العسكرية.

إقرأ أيضاً: العدائيّة الإيرانيّة في تسويغ وحشيّة إسرائيل (3/5)

أمّا بالنسبة للبنان، يضع استخدام إسرائيل لقضيّة سلاح “الحزب” ضغطاً هائلاً على الدولة اللبنانية، التي تجد نفسها بين مطرقة “الحزب” وسندان إسرائيل. يخدم هذا الضغط المصالح الإسرائيلية في إضعاف الدولة اللبنانية وإبقائها في حالة عدم استقرار، فيقلّل من قدرتها على الوقوف جبهةً موحّدةً ضدّ إسرائيل.

 

غداً الحلقة الأخيرة: “الحزب”… بعد تسليم سلاحه

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

إيران وقعت في فخ “قنبلة” المضيق

فتح الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صفحة استراتيجيّة جديدة كتب في عنوانها: “أميركا حارسة مضيق هرمز”. تحتلف هذه الانعطافة جذريّاً عمّا كان يقوله قبل أسابيع من…

وداعاً “لأبطال” الانتصارات الوهمية؟

أين هم أولئك الذين صدعوا رؤوسنا طوال الأسابيع الماضية بالحديث عن الانتصار الإيراني بعد اتفاق إسلام أباد؟ وأين ذهبت تلك التحليلات التي أكدت أن طهران…

الشّرع ضيف النّاتو: من يحتاج إلى سوريا الجديدة؟

تغيّر السؤال ولم يعُد: كيف يتعامل العالم مع الأزمة السوريّة؟ بل أصبح: كيف ستشارك سوريا في صياغة التوازنات الإقليميّة التي تعيش مرحلة إعادة تشكّل؟ لم…

بعد ليندسي غراهام من يهمس في أذن ترامب؟

ليست كلّ الأحداث التي تغيّر الشرق الأوسط تقع في الشرق الأوسط. أحياناً لا يبدأ التغيير من واشنطن بانتخاب رئيس جديد أو بتوقيع اتّفاق أو بإطلاق…