تحوّلت مقدّمة الإعلاميّ وليد عبّود في برنامجه “يا أبيض يا أسود” إلى مرآة صافية للحقيقة. لم يحتمل محور الممانعة أن يُقال له “حلّوا عنّا”، ولا أن تُسمّى الأشياء بأسمائها: “إيران قنبلة في خاصرتنا”، “من أخبركم أنّ الولاء لإيران وطنيّة؟“، و”لستم قدرنا ولسنا رهائن هذيانكم“.
شنّ الجيش الإلكتروني التابع لـ”الحزب” حملة ممنهجة ضدّ وليد عبّود، استخدم فيها كلّ أدواته المعتادة: تقطيع الفيديو، اجتزاء الكلام، تأليب الرأي العامّ، إطلاق التهديدات العلنيّة ونشر دعوات “هدر الدم”. في لحظة، تحوّلت مواقع التواصل إلى محاكم تفتيش رقميّة، وأصبحت مواقع التواصل ساحة تخوين وتكفير وتهديد بالتصفية.
لكنّ ما قاله عبّود ليس سوى خلاصة شعور شعبيّ مدفون، يعبّر عنه كثر في مجالسهم الخاصّة ولا يجرؤون على النطق به على الهواء. لقد قالها بجرأة: “لا نريد لا إيرانكم، ولا سلاحكم، ولا خطبكم، ولا مرشدكم”. قالها للسياديّين أيضاً: “حلّوا عنا”، لأنّ التبعية لواشنطن لا تقلّ عن الارتهان لطهران، ولأنّ الحياد الذي يُباع على شكل شعارات فارغة لم يجلب إلّا مزيداً من الانقسام والشلل.
ما قاله عبّود ليس سوى خلاصة شعور شعبيّ مدفون، يعبّر عنه كثر في مجالسهم الخاصّة ولا يجرؤون على النطق به على الهواء
ما الذي أرعب “الحزب”؟
هذه الجرأة هي التي أرعبت “الممانعة”. لم يوجعهم المضمون وحده، بل الشكل أيضاً: لغة عالية، خطاب وجدانيّ، لا يناقش الأرقام والسياسات بل يعرّي الوجدان السياسي المريض، ويهزّ الأساطير التي يتغذّى منها جمهور “القداسة” و”الشهادة” و”الممانعة”. لذلك أطلقوا الرصاص المعنويّ على عبّود لأنّه كشف هشاشتهم.
في جمهورية الخوف، تصبح الكلمة جريمة، والصوت الصارخ في برّيّة الخراب يُعدّ تهديداً أمنيّاً. وليد عبّود لم يدعُ إلى حرب أهلية، ولم يحرّض على العنف، بل قال ما يقوله كلّ لبناني يعيش في قلق يوميّ على مستقبل أولاده في ظلّ وصاية دينية-عسكرية تتقاسم الدولة مع زمر الفساد.
في هذا الزمن، الكلمة الحرّة هي مقاومة حقيقية. وعبّود قالها واضحة: لسنا رهائن هذيانكم. “حلّوا عنا”… وكفى.
إقرأ أيضاً: السفينة مادلين اعتقلت بعد أن حققت أهدافها
الاجتزاء… للتّحريض
المفارقة أنّ معظم مَن حرّضوا على عبّود لم يشاهدوا المقدّمة كاملة، بل اكتفوا بمقطعٍ مجتزأ صُمّم بذكاء للتشويه والتأليب، لتهديد وليد عبود مباشرة، في مشهد يُعيد إلى الأذهان عقليّة “حرق المكتبة” التي لا تزال تحكم جماعة تدّعي حماية الثقافة والمقاومة.
ما يتعرّض له وليد عبّود هو جرس إنذار لكلّ صاحب رأي في لبنان. الحملة ليست ضدّه وحده، بل ضدّ حرّية الإعلام، وضدّ الحقّ في الكلام، وضدّ لبنان الذي نعرفه. ومن يصمت اليوم عن تهديدِ إعلاميٍّ لأنّه لا يتّفق معه، فسيُلاحَق غداً إذا تجرّأ وقال كلمة لا تُعجب “القدّيسين المسلّحين”.
