“عادت الجزائر إلينا وعدنا إليها”. بهذه الكلمات يبدأ دبلوماسيّ عربيّ كلامه عن تموضع جزائريّ جديد في الإقليم العربيّ والعالم الإسلاميّ من شأنه أن تكون له تداعيات كبرى في الأيّام والأسابيع المقبلة.
تحلّ الجزائر في المرتبة الـ11 عالمياً من حيث احتياطات الغاز الطبيعيّ، وتمتلك قوّة عسكريّة صلبة، بخاصّة أنّ الجيش الجزائريّ يلعب دوراً أساسيّاً في الحكم والتحكّم في أدوات الإدارة والاقتصاد والسياسة داخل البلاد.
على خلفيّة ذلك، تُقرأ زيارة الرئيس الجزائريّ عبدالمجيد تبون لتركيا من حيث إنّها حدث استراتيجيّ، إن بالشكل أو بالمضمون:
1- من حيث الشكل، كسر الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان البروتوكول الدبلوماسيّ المعمول به في تركيا منذ عشرات السنوات. إذ ذهب إلى أرض المطار ليستقبل شخصيّاً الرئيس الجزائريّ، فيما يقول البروتوكول إنّ الرئيس التركيّ يستقبل نظراءه وضيوفه العرب والأجانب في القصر الرئاسيّ وليس على أرض المطار.
2- من حيث التوقيت، تشكّل زيارة تبون لإردوغان لحظة إعادة تشكّل للخارطة الدوليّة ضمن محاور ومسالك جديدة تبدأ من خطوط الطاقة، مروراً بالمضائق البحريّة، وانتهاءً بإعادة رسم الهويّات السياسيّة للجغرافيا وكياناتها.
العودة إلى الحاضنة السّنّيّة
يؤكّد المصدر الدبلوماسيّ لـ”أساس” أنّ زيارة تبون لتركيا هي بمنزلة عبور الجزائر إلى تموضع سياسيّ جديد، تمهيداً للانضمام إلى المحور السنّيّ الرباعيّ (تركيا، المملكة السعوديّة، مصر، باكستان)، وبالتالي انسحابها من المحور الروسيّ الإيرانيّ.
إعادة التموضع هذه لها شقّان: الأوّل سياسيّ، والثاني اقتصاديّ.

في السياسة، تشكّل الجزائر ثقلاً في إفريقيا وممرّات العبور إلى أوروبا، وتلعب دوراً محوريّاً في الصراع الدائر في مالي، حيث تدعم وحدة البلاد والحكومة المركزيّة، وهو ما يلتقي مع الرؤية السعوديّة التركيّة لأزمة مالي.
أمّا في الاقتصاد، فإنّ هدفاً استراتيجيّاً يتحقّق عبر إعادة التموضع ويتمثّل في توحيد الجهود لتصدير الغاز إلى أوروبا، وبالتالي سحب البساط من تحت روسيا أوّلاً، وإسرائيل والهند ثانياً.
يؤكّد المصدر الدبلوماسيّ لـ”أساس” أنّ زيارة تبون لتركيا هي بمنزلة عبور الجزائر إلى تموضع سياسيّ جديد، تمهيداً للانضمام إلى المحور السنّيّ الرباعيّ
يضيف المصدر أنّ زيارة تركيا ستتبعها جولة للرئيس تبون في دول الخليج العربي بوساطة تركيّة، بخاصّة أنّ أسباب الخلافات السابقة قد تبدّلت، وكانت ثلاثة:
1-الموقف من نظام بشّار الأسد المخلوع.
2- دعم دول الخليج للمغرب في قضيّة الصحراء.
3- دعم الجزائر للأجندات الإيرانيّة.
القفز من السّفينة الغارقة
أدركت القيادة الجزائريّة أنّ سفينتين لا يمكن الاعتماد عليهما للإبحار باتّجاه المستقبل. الأولى هي السفينة الإيرانيّة التي توشك على الغرق، أو في أفضل الأحوال على التعطّل، وبالتالي القفز منها واجب قبل فوات الأوان.
أمّا السفينة الثانية فهي السفينة الإسرائيليّة التي شُيّدت بدعم عربيّ وهنديّ مشبوه، والإبحار فيها يُعتبر من المحرّمات بالنسبة إلى الجزائريّين، إضافة إلى أنّها سفينة لا تحترم موقف الجزائر في “الكوتا” البتروليّة التي تعتمدها منظّمة “أوبك”، والتي جرى العبث بها أخيراً.
يختم المصدر الدبلوماسيّ أنّ “تحالف “حيتان السُّنّة” قد اقترب من التشكّل، وسيضمّ أكبر قدر ممكن من الدول المحوريّة في المنطقة (المملكة السعوديّة، تركيا، باكستان، مصر، الجزائر وسوريا). من هنا، لا يستغربنّ أحد أن تعود العلاقات بين الجزائر ودمشق تدريجاً خلال الأسابيع المقبلة، فمن مدّ اليد إلى روسيا قادر على أن يمدّ اليد إلى الجزائر”.
إقرأ أيضاً: أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟
يعمل الرئيس رجب طيّب إردوغان والأمير محمّد بن سلمان، ومعهما باكستان، على إعادة انتظام التوازن الاستراتيجيّ بين الدول الإسلاميّة من جهة، وإسرائيل المتغوّلة من جهة أخرى. يدرك الزعماء أنّ إعادة هذا التوازن لا تكون فقط بالعسكر والعتاد العسكريّ من مسيّرات وصواريخ وجنود، بل أيضاً عبر أنابيب الغاز والنفط وطرق النقل، سواء عبر المضائق أو عبر الأنابيب.
إنّها بنود في رؤية 2030 لم تُعلن في حينه، لكنّها كُتبت بأحرف واضحة لمن يرى ويفهم.
