الصّفعة الطّارئة في إسلام آباد!

مدة القراءة 7 د

من هو المستفيد من عدم التمكّن من الوصول إلى صيغة تفاهم ثابتة بين الأميركيّين والإيرانيّين؟ من الذي يكابر ويعاند ويطالب بالحدّ الأقصى من النتائج والمطالب؟ من يريد أن تنتهي صيغة الاتّفاق إلى أن يصبح “هو وحده دون سواه” المنتصر الكامل، وأن يكون الآخر هو المهزوم النهائيّ؟ هل هو الإيرانيّ بعناده وصبره الاستراتيجيّ وتقلّباته العقائديّة أم هو ترامب الذي يسعى دائماً إلى تسجيل “لقطة استعراض” المنتصر الذي فعل ما لم يأتِ به الأوائل؟

 

​مشكلة المشاكل في هذه الجبهة، وهذه المفاوضات، هي أنّ مثلّث أطرافها ترامب، نتنياهو والحرس الثوريّ، كلّ منهم يريد نتيجة نهائيّة متناقضة مختلفة، ليس فيها أيّ تقاطع اتّفاق مع الآخر. يأتي ذلك كلّه عند نقطة جوهريّة وأساسيّة هي تعريف “النصر” عند كلّ طرف من الأطراف.

​ كان المفهوم عند ترامب هو ذلك الذي سوّقه له نتنياهو في آخر زيارة له في ميامي: إسقاط رأس النظام، أي اغتيال علي خامنئي في اليوم الأوّل، سوف يؤدّي حكماً إلى انهيار النظام كلّه وتداعيه بقوّة.

​اكتشف ترامب أنّ هذه الرؤية مضلّلة وخطأ، وبعيدة تماماً عن الواقع، وتنازل عنها واكتفى بأنّه لا يريد إسقاط النظام، لكنّه لم يغيّر مواقفه في التخصيب النوويّ، السلوك الإقليميّ، وتضارب المشروع الإيرانيّ مع المصالح الأميركيّة.

​إذاً “النصر” عند ترامب هو اتّفاق بالشروط الأميركيّة.

مظلوميّة متوارَثة؟

​مفهوم النصر عند نتنياهو هو إسقاط هذا النظام الطائفيّ الدينيّ لآيات الله الذي يعادي إسرائيل منذ ثورة الخمينيّ في عام 1979، ومفهوم النصر هو سقوط الملالي وسقوط مؤسّسات الحرس الثوريّ وتوقّف تمدّد إيران في المنطقة وتخلّي طهران عن حكم وكلائها في المنطقة. مفهوم الانتصار لا يكتفي بإيقاف التخصيب النوويّ، بل ويريد “تفكيك” المشروع النوويّ الإيرانيّ كلّه، على غرار النموذج الليبيّ في آخر أيّام القذّافي. مفهوم الانتصار عند نتنياهو هو حلم أن يعيد سفارة وعلم إسرائيل ومصالحها إلى إيران.

الجميع خاسر في هذه الحرب وهذا الحصار حتى الآن، باستثناء روسيا التي باعت أخيراً غازاً وبترولاً بـ 17 ملياراً

مفهوم الانتصار عند نتنياهو يقوم على إسقاط النظام، بينما مفهوم الانتصار عند ترامب هو الحصول على اتّفاق يحقّق له مكاسب، حتّى لو كان مع الشيطان.

​المفهوم الإيرانيّ له 3 مكوّنات رئيسة لا يمكن تجاهلها، وهي أساسيّة لفهم “كاتالوغ” العقل السياسيّ الإيرانيّ الحاكم:

​- المكوّن الأوّل هو الفكر الاستشهاديّ الناتج عن ثقافة المظلوميّة التاريخيّة التي لحقت بالشيعة، بدءاً من مقتل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه حتّى واقعة القتل الوحشيّة للحسين بن عليّ سيّد شهداء الجنّة.

ترامب

ترى هذه الثقافة المتوارثة أنّ شعار مظلوميّة الحسين يتكرّر تاريخيّاً، وأنّ شعار المظلوميّة التي مارسها “يزيد” تعود مع كلّ عصر. كان “يزيد” “صدّاماً” في مرحلة، ثمّ أصبح “ترامب”. المعادلة المستقرّة في وجدان النخبة الحاكمة الآن هي: “إيران هي الحسين” و”ترامب هو يزيد”.

​- المكوّن الثاني: هو المذهب الاثنا عشريّ الجعفريّ، وما استقرّ عليه مرشد الجمهوريّة الإسلاميّة آية الله الخمينيّ من أنّ الولي الفقيه هو نائب عن الإمام الغائب، وهو ما تمّ تأكيده ضمن عدّة بنود في دستور عام 1997.

هذا الإمام، بوظيفة المرشد الأعلى، له معصوميّة الوليّ الفقيه، وهو الحكَم النهائيّ والأعلى بين كلّ سلطات البلاد، وفتواه وقراراته هما سيف على رقاب العباد. في الوضع الحاليّ، المرشد الأعلى الثالث “مجتبى علي خامنئي” هو المرشد الغائب الذي ينوب عن الإمام الغائب: ما يتسرّب عبر المصادر العليا في طهران أنّ الرجل إمّا مصاب إصابة بالغة، أو قد توفّاه الله، وهناك تكتّم على الموضوع. ما يتسرّب أيضاً أنّ البيانات المكتوبة التي صدرت عنه حتّى الآن تمّت صياغتها من الحلقة الضيّقة المحيطة به، وأنّه غير متاح أو متوافر للتواصل أو الاستشارة في حسم أيّ من أمور البلاد والعباد العليا.

المعادلة المستقرّة في وجدان النخبة الحاكمة الآن هي: “إيران هي الحسين” و”ترامب هو يزيد”

​- أمّا المكوّن الثالث فهو حالة الصراع والتنافس في صناعة القرارات العليا، في ظلّ غياب دور المرشد الأعلى، وعقب عمليّات التصفية والاغتيالات التي طالت قيادات أساسيّة. هناك الآن الحرس الثوريّ ومجلس الخبراء ومجلس الأمن القوميّ والبرلمان والرئيس والحكومة ومجلس السلطات القضائيّة. هؤلاء جميعهم يعيشون حالة صراع على تشكيل قرار نهائيّ في شأن موعد وشكل وجدول أعمال وأهداف التفاوض مع الولايات المتّحدة.

​ يفسّر ذلك تشدّد وتأخّر حسم طهران قرار المشاركة في الجولة الثانية لمفاوضات إسلام آباد. لقد استمع قائد الجيش الباكستانيّ عند زيارته الأخيرة لطهران إلى رؤى ومواقف مختلفة ومتضاربة للقوى المذكورة تراوح بين التشدّد المطلق والمرونة البراغماتيّة. غادر الجنرال الباكستانيّ طهران وهو لا يملك إجابات نهائيّة صريحة وواضحة في ما يتّصل بمستقبل المفاوضات.

إذاً أين نحن الآن؟

نحن أمام حالة ضغط أقصى على جميع الأطراف الإقليميّة والدوليّة، سببها الكلفة الباهظة والخسائر الكبرى التي تكبّدها الاقتصاد العالميّ نتيجة حصار مضيق هرمز، وحصار الحصار.

جعل هرمز حياة كلّ فرد على كوكب الأرض الذي يقترب تعداده من 8 مليارات نسمة تعاني بطريقة أو بأخرى من ارتفاع تكاليف الحياة وتكاليف الخدمات الأساسيّة. لا يهدّد هرمز العالم الآن بدفع هذه الفاتورة فقط، بل يهدّد البشريّة بالتوقّف الكامل لمصادر الطاقة، النقل البحريّ، النقل الجوّي، ارتفاع التضخّم، زيادة البطالة، تناقص إنتاج المحاصيل الزراعيّة، واختفاء السلع الأساسيّة ومنها الأدوية.

مفهوم الانتصار عند نتنياهو يقوم على إسقاط النظام، بينما مفهوم الانتصار عند ترامب هو الحصول على اتّفاق يحقّق له مكاسب

يكفي أن نضع هذه الأرقام أمامنا:

– ​فقدان العالم 50 مليون برميل نفط من المخزون العالميّ بمعدل 11 مليون برميل يوميّاً.

– ​انقلاب سوق النفط من فائض 1.6 مليون برميل متوقَّع إلى عجز يراوح بين 75 إلى 80 مليون برميل يوميّاً.

– تأثّر سوق الغاز العالميّ بتوقّف إمداد الغاز من مضيق هرمز الذي تمرّ منه 33% من كميّات الغاز العالميّ، وتوقّف ضخّ الغاز القطريّ الذي يمثّل ثاني احتياط في العالم.

– توقّف أيّ بيع للنفط والغاز الإيرانيَّين بسبب الحصار الكامل لكلّ موانئ النقل والشحن الإيرانيّة من قبل الأسطول الأميركيّ.

– توقّف نقل 30% من كميّات الفوسفات والأمونيا واليوريا اللازمة للزراعة في العالم، وهو ما يهدّد دورات الزراعة في العالم، وبالتالي يهدّد باختفاء أصناف بعض المحاصيل، وارتفاع أسعار بعضها الآخر.

مجزرة تفاوض؟

​الجميع خاسر في هذه الحرب وهذا الحصار حتى الآن، باستثناء روسيا التي باعت أخيراً غازاً وبترولاً بـ 17 ملياراً!

​باختصار نحن في خضمّ صراع إرادات داخل كلّ إدارة، سواء في طهران أو واشنطن، بين صيغ متعدّدة لاتّفاق ختاميّ، وبعد حسم صيغ الحلول داخل كلّ معسكر هناك “مجزرة تفاوض سياسيّ” لكسر عظام الآخر من أجل الحصول على أقصى مكاسب وأقلّ خسائر.

في الفريق الإيرانيّ يريد قائد الحرس الثوريّ والجنرالات فيّ ظلّ غيبة نائب الإمام حسم الموقف لمصلحتهم في لعبة التوازنات الداخليّة. في الفريق الأميركيّ نائب الرئيس ووزير الخارجيّة يسعيان إلى الحفاظ على مصالح البلاد وتحقيق رغبات الرئيس في الاتّفاق، إزاء فريق “ويتكوف – كوشنير” اللذين وصفهما ضابط استخبارات بريطانيّ حضر معهما جلسة مفاوضات مع الإيرانيّين بقوله: “لقد تأكّد لي من خلال هذه الجلسة أنّ ويتكوف وكوشنير عميلان إسرائيليّان وضابطان في الموساد”!!

إقرأ أيضاً: الأميركيّ والإيرانيّ شريكان في الابتزاز!

كلّ المصالح في هذه المفاوضات ستتمّ مراعاتها بدرجة أو بأخرى إلّا مصالح الطرف الغائب، وهو الطرف العربيّ لولا الحراك المصري- السعودي الذي لم تظهر نتائجه حتى الآن وربما لن تظهر أبداً..

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Adeeb_Emad

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…