يحذّر تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” من أنّ الحرب التي شنّتها الولايات المتّحدة وإسرائيل لم تؤدِّ إلى إضعاف النظام الإيرانيّ أو دفعه نحو الاعتدال، بل على العكس، سرّعت صعود التيّار الأكثر تشدّداً وتماسكاً في تطرّفه داخل بنية الحكم، ولا سيما الشبكات المرتبطة أمنيّاً وعقائديّاً بالحرس الثوريّ، وفي مقدَّمها ما يُعرف بـ”دائرة الحبيب”، وهو ما يضعف آفاق الاستقرار والسلام في المستقبل.
في قلب هذا التيّار، بحسب تقرير الصحيفة، المرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي، الذي رُفعت لوحة إعلانيّة رمزيّة ضخمة له في ساحة انقلاب بطهران في 13 آذار، تُظهره وهو يقف داخل خندق ويوجّه قادة الحرس الثوريّ لإطلاق الصواريخ على أعدائهم في إطار دينيّ وتاريخيّ.
تمثّل هذه الصورة، بالنسبة لمعارضي النظام الإيرانيّ، التجسيد البصريّ لأسوأ كوابيسهم: إيران عسكريّة يحكمها قائد شابّ متشدّد، ويلعب فيها الحرس الثوريّ دوراً أكثر هيمنة، وهو ما يقوّض، في رأي معدّي التقرير، ادّعاء الرئيس الأميركيّ، بعد شهر من الحرب على إيران، أنّها أدّت إلى وجود قيادة جديدة “أكثر عقلانيّة”. بل على العكس، بحسب الرئيس السابق لمكتب إيران في الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة، داني سيترينوفيتش، أوجدت “الحرب واقعاً أسوأ ممّا كان الإيرانيّون يواجهونه قبلها”.
“دائرة الحبيب”: السّلطة الجديدة لإيران
بحسب التقرير، تبرز في إيران قيادة جديدة متطرّفة برئاسة مجتبى خامنئي، لا تبالي بالتسوية السياسيّة في الداخل ولا في الخارج، وتعتمد على شبكة مغلقة من الحلفاء تُعرف باسم “دائرة الحبيب”، التي وصفها مشروع قانون في الكونغرس، قُدّم في تشرين الثاني، بأنّها “واحدة من أعلى شبكات الأمن-الاستخباراتي غير الرسميّة في النظام، وارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان ومتورّطة في أنشطة إرهابيّة”.
ستستمرّ المواجهة حتّى تتمّ تلبية عدّة شروط، منها رفع العقوبات وتعويض إيران عن الأضرار التي سبّبتها الحرب
من خصائص “دائرة الحبيب” أنّها:
* تشمل العديد من قدامى المحاربين في الحرب مع العراق، الذين خدموا في كتيبة “الحبيب” التابعة للحرس الثوريّ، وتشكّلت رؤيتهم خلال الحرب، فباتوا أكثر ميلاً إلى العنف والحلول العسكريّة. إنّها دائرة تُعرف بجذبها للمتشدّدين، وكان بين مجنّديها خامنئي نفسه، الذي كان مراهقاً عندما التحق بها نهاية الحرب.
* تعمل خارج الهياكل الرسميّة للدولة، لكنّها تؤثّر بشكل مباشر على القرارات الأمنيّة والعسكريّة.
* ولاء أعضائها للمؤسّسات بقدر ما هو لشخص مجتبى خامنئي، وهو ما يعزّز الطابع الشخصيّ للسلطة.
* تميل إلى تبنّي خطاب دينيّ-قتاليّ، مرتبط بفكرة الصراع الوجوديّ.
* نجحت في زرع عناصرها داخل الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، فأصبحت عمليّاً مركز القوّة الحقيقيّ.
تعيينات من المتشدّدين
في الواقع، بحسب تقرير الصحيفة، “أثبتت القيادة الجديدة قدرتها على الصمود والتكيّف، إذ خرجت من الأسابيع الخمسة الأولى من الحرب مع بقاء نظام القيادة والسيطرة لديها سليماً”. ظهر نهجها المتشدّد في تعييناتها التي شملت، كما يصفها تقرير “وول ستريت جورنال”:
* رئيس الأمن القوميّ الجديد لإيران محمّد باقر ذو القدر، وهو قائد سابق في الحرس الثوريّ وذو خلفيّة عنيفة. ساعد في تأسيس فيلق القدس، وكانت آراؤه متطرّفة إلى درجة أنّ قائد فيلق القدس الشهير قاسم سليماني، الذي قُتل لاحقاً على يد الولايات المتّحدة، استقال مؤقّتاً احتجاجاً، وفقاً لفالي نصر، أستاذ الدراسات الدوليّة في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن. لكنّه، بحسب بعض الوسطاء، يتمتّع بنفوذ كبير في المحادثات مع الولايات المتّحدة، إذ يتلقّى تقارير من المفاوضين ويساعد في توجيه قراراتهم.
* لقائد العامّ الجديد للحرس الثوريّ، أحمد وحيدي، وهو متّهم بالمشاركة في تفجير مركز الجالية اليهوديّة في بوينس آيرس عام 1994. أسّس مدرسة الشهيد بهشتي للحكم في طهران، وهي مدرسة تدريب للمسؤولين الحكوميّين تُشكّل جيلاً جديداً من القادة السياسيّين في إيران تحت إشراف الحرس الثوريّ. ساعد وحيدي بصفته وزيراً للداخليّة في الإشراف على قمع احتجاجات حقوق المرأة عام 2022.
تنقل الصحيفة عن محلّلين إيرانيّين منشقّين قولهم إنّ هذه العقيدة تبرّر سلوكيّات تصعيديّة قد تبدو غير عقلانيّة من منظور تقليديّ
* المستشار العسكريّ الجديد لخامنئي، محسن رضائي، المتّهم أيضاً بالمشاركة في هجوم بوينس آيرس، الذي نفّذ بصفته قائداً للحرس الثوريّ في الثمانينيّات استراتيجية هدفت إلى إسقاط صدّام حسين، عبر إطالة الحرب وجعلها حرب استنزاف كارثيّة تقول الحكومة الأميركيّة إنّها تسبّبت بما لا يقلّ عن 250,000 وفاة. عبّر رضائي أخيراً عن موقف مشابه في ما يتعلّق بالصراع المستمرّ، قائلاً: “ستستمرّ المواجهة حتّى تتمّ تلبية عدّة شروط، منها رفع العقوبات وتعويض إيران عن الأضرار التي سبّبتها الحرب. لن يكون الردّ الإيرانيّ بعد الآن عيناً بعين، بل رأساً بعين، ويداً وقدماً بعين”.
إقصاء الإصلاحيّين
بحسب سعيد غلكار، الخبير في أجهزة الأمن الإيرانيّة بجامعة تينيسي في تشاتانوغا، “تُظهر هذه التعيينات أنّ التيّار الأكثر تطرّفاً داخل الحرس الثوريّ أصبح في موقع القيادة، وهذا ما يزيد من احتمالات استمرار الصراع”.
لكنّ هذا التحوّل لم يحدث فجأة، إذ يوضح التقرير أنّ مجتبى خامنئي ودائرته الداخليّة أعدّوا لصعودهم الحازم في السياسة قبل ربع قرن، ردّاً على الشعبيّة المتزايدة للسياسيّين الإصلاحيّين الذين دعوا إلى التغيير من الداخل. وفقاً لمذكّرات الرئيس الإيرانيّ الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، كشف خامنئي عن نواياه السياسيّة لأوّل مرّة عام 2002، عندما اختار شخصيّة محافظة متشدّدة لقيادة جهاز الدعاية الحكوميّ المؤثّر، الذي يسيطر على المراكز الثقافيّة ووسائل الإعلام.

بعد بضع سنوات، دبّر خامنئي وحاشيته انتصارات متتالية للرئيس المتشدّد محمود أحمدي نجاد، وفقاً لادّعاءات السياسيّ الإصلاحيّ مهدي كرّوبي. في رسالة مفتوحة إلى المرشد الأعلى، اتّهم كرّوبي خامنئي بتعبئة قوّات الباسيج والحرس الثوريّ لمساعدة أحمدي نجاد على الفوز في انتخابات 2005، وبتنفيذ “انقلاب انتخابيّ” عام 2009 شكّل وفقاً للتقرير نقطة تحوّل بسبب القضاء على الزخم الإصلاحيّ وترسيخ هيمنة التيّار المحافظ، وهو الاتّجاه الذي تسارع بشكل كبير بعد الحرب الأخيرة.
تبرز في إيران قيادة جديدة متطرّفة برئاسة مجتبى خامنئي، لا تبالي بالتسوية السياسيّة في الداخل ولا في الخارج
مجتبى… أخطر ما يحدث لإيران
يشير التقرير إلى أنّ من أبرز سمات القيادة الحاليّة تبنّيها لعقيدة دينيّة تُعرف بـ”المهدويّة”، التي ترى أنّ إقامة نظام إسلاميّ حقيقيّ ومواجهة الأعداء، وخصوصاً إسرائيل، ستؤدّيان إلى ظهور المهديّ. أصبحت هذه العقيدة جزءاً أساسيّاً من فكر النظام، وتُدرَّس في المؤسّسات الدينيّة والعسكريّة، حيث يخضع عناصر الحرس الثوريّ لتدريب أيديولوجيّ مكثّف، ويُقضى نصف الحدّ الأدنى من فترة التوجيه، التي تبلغ ستّة أشهر للمجنّدين الجدد، في التدريب الأيديولوجيّ من خلال الخطب والمحاضرات والقراءة الإلزاميّة للكتيّبات، مع دورات تحديث سنويّة إلزاميّة.
تنقل الصحيفة عن محلّلين إيرانيّين منشقّين قولهم إنّ هذه العقيدة تبرّر سلوكيّات تصعيديّة قد تبدو غير عقلانيّة من منظور تقليديّ، وعبّر قادة عسكريّون عن هذه الرؤية علناً، داعين إلى القتال في إطار نبوءات دينيّة، وقد يرى مجتبى خامنئي نفسه جزءاً من دور نبوئيّ، وهو ما يزيد من القلق بشأن توجّهات النظام.
قال كسرى عرابي، الخبير في شؤون الحرس الثوريّ في منظّمة “متّحدون ضدّ إيران النوويّة”: “ما مقدار هذا الكلام الفارغ، وما مقدار الإيمان الحقيقيّ؟ إذا نظرنا إلى سلوكهم، يمكننا أن ندرك أنّهم مسترشدون بمبادئ أيديولوجيتهم”. لقد وجّهت العقيدة المهدويّة، ذات الطابع الكارثيّ، سلوك النظام خلال الحرب، ووفّرت مبرّراً لأفعال كان من الممكن اعتبارها غير عقلانيّة، مثل توسيع نطاق الصراع إلى دول الخليج.
إقرأ أيضاً: مفاوض إسرائيليّ سابق: نتنياهو يريد “إسرائيل الكبرى”
من جهته، جابر رجبي، الذي خدم في الحرس الثوريّ ودرس مع خامنئي في الحوزة الدينيّة في قم قبل أن ينشقّ، وصف خامنئي بأنّه متطرّف شيعيّ لا يعتبر إسرائيل عدوّاً فحسب، بل ربّما أيضاً العرب السنّة. قال في مقابلة تلفزيونيّة باللغة العربيّة إنّ خامنئي أخبره عن أحلام رآها تشير إلى أنّه ما يُعرف بـ”الخراسانيّ”، وهو قائد متنبَّأ به يمهّد لنهاية الزمان. يقول المؤمنون إنّه سيظهر في منطقة خراسان التاريخيّة لقيادة القوّات دعماً للمهديّ ضدّ أعداء الإسلام. ختم بالقول: “إذا سأل أيّ شخص: ما هو أخطر شيء يمكن أن يحدث لإيران والمنطقة؟ الجواب هو: مجتبى خامنئي”.
