مقاومة بمنطق معكوس: قتال من دون ضوابط

مدة القراءة 10 د

ظلّت المقاومة حتّى آخر أيّام أمينها العامّ الأسبق حسن نصرالله تراعي بيئتها الحاضنة، ولهذا خاضت نصف حرب تحت عنوان إسناد غزّة 2023. فشلت في رهانها، ولم تنجح في ردع إسرائيل بصواريخها المتنوّعة ولا منعها من تدمير أجزاء من الضاحية. هذه المرّة، لم تراعِ القيادة الجديدة هذه الاعتبارات، وباتت الصواريخ هجوميّة بالتنسيق مع إيران، بفقدان وظيفتها كسلاح ردع أوّلاً، حتّى أضحت أشبه بصواريخ الكاتيوشا الفلسطينيّة التي استدعت الاجتياح الإسرائيليّ عام 1978، ولم تمنع اجتياح 1982.

 

يتّهمون الحكومة بأنّها تفرّط بعناصر القوّة في لبنان، وذلك عندما قرّرت حصر السلاح بيد الدولة في آب الماضي في كلّ لبنان، ثمّ حظر النشاطات العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب” بوصفها خارجة عن القانون بعد ساعات من إطلاق حرب إسناد إيران.

يردّ رئيس الحكومة نوّاف سلام على اتّهامات “الخيانة” وتقديم التنازلات المجّانيّة لإسرائيل والتفريط بقوّة لبنان، بالقول إنّهم أخطؤوا حين حاولوا جعل ضعف لبنان قوّة والاعتماد على حليف خارجيّ. هذا أوّل انتقاد رسميّ وعميق لسرديّة المقاومة على مدى أكثر من أربعة عقود.

بُنيت استراتيجية لبنان منذ الاستقلال على أنّ قوّة لبنان في ضعفه، ونأت الحكومات المتعاقبة عن الحروب العربيّة الإسرائيليّة، إلّا بشكل رمزيّ، فلم تتعرّض أراضيه للاحتلال الإسرائيليّ حتّى عام 1978، وإن كان العدوّ منح نفسه حرّية التحرّك داخل لبنان، للإغارة والاغتيال، إلى أن ظهرت “المقاومة الإسلاميّة” في الجنوب مطلع الثمانينيّات، وتمكّنت من إنجاز التحرير عام 2000.

المفاجأة كانت قبول نتنياهو التفاوض مع لبنان بعد تلكّؤ دام أشهراً، والظاهر أنّه أراد فصل الجبهتين بتأسيس مسار تفاوضيّ مستقلّ عن مسار التفاوض

نقاط ضعف المقاومة

مع ذلك تحتاج هذه المقولة أو المعادلة إلى توضيح، فكيف يكون لبنان ضعيفاً، وهو يقارع إسرائيل أقوى قوّة إقليميّة في المنطقة، من حيث التسليح النوعيّ، وبالتحالف مع إيران التي تقاتل القوّة العظمى في العالم؟

إنّ أكبر نقاط ضعف المقاومة، وهي كانت موجودة في كلّ المراحل، أنّها تنطلق من لبنان، وهو بلد هشّ سياسيّاً وإداريّاً، ومنقسم اجتماعيّاً وطائفيّاً، وقليل الموارد اقتصاديّاً. زاد على ذلك، في السنوات العشر الأخيرة، إفلاس غير معلن، دمار شبه شامل للقطاع المصرفيّ، مع عجز دائم في ميزان المدفوعات، إذ ينفق اللبنانيّون أكثر ممّا ينتجون، ويستوردون أكثر ممّا يصدّرون، ومع عجز بنيويّ في الموازنات، لا بسبب الإنفاق الاستثماريّ في مصالح الناس، بل تضخّم القطاع العامّ وعبء الرواتب.

هذا كلّه يجعل لبنان في حاجة مزمنة إلى الدعم الخارجيّ، أي هو تابع اقتصاديّاً بالضرورة، فكيف يكون قادراً على أن يكون قويّاً أو ذا سيادة، إلّا أن تكون قوّته اصطناعيّة، وبدعم خارجيّ أساساً، وهو ما يجعل من لبنان منصّة إطلاق صواريخ، وهذه هي وظيفته التي ترسّخت في العشرين سنة المنصرمة.

المقاومة

يخوض “الحزب” معاركه انطلاقاً من رقعة جغرافيّة ضيّقة، وفي بلد مطوّق جيوسياسيّاً، علماً أنّه من دون العمق السوريّ لا يمكن أن تنجح مقاومة في لبنان، باعتبار أنّ سوريا هي الممرّ الرئيس للإمداد والتخزين وربّما التصنيع أيضاً. لكنّ آثار هذه المعارك مدمّرة على الشعب كلّه بكلّ طوائفه وفئاته. المفارقة أنّ “الحزب” يخوض حربه الأولى من دون سوريا، منذ التسعينيّات، أي منذ أن تبنّى حافظ الأسد هذه المقاومة، وتوافق على دعمها مع طهران. لكنّ هذه التجربة ليست مضمونة النتائج، كما تبيّن مع فصل الجبهات بفصل مسارات التفاوض.

ليست الجدليّة الصاخبة هذه الأيّام، بين “الحزب” والحكومة، بسبب قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل وحسب، بل بسبب فصل إيران عن لبنان

مقاومة بمنطق معكوس

خلال حرب غزّة 2023، طلبت حركة حماس من قيادة “الحزب” توسيع نطاق حرب الإسناد، دعماً لمقاتلي غزّة، الذين يواجهون وحدهم الآلة العسكريّة الإسرائيليّة، والقصف التدميريّ المنهجيّ للقطاع، فكان الردّ بأنّ ظروف لبنان لا تسمح بحرب كاملة مع إسرائيل. خاض “الحزب” نصف حرب، بقيادة الأمين العامّ الأسبق السيّد حسن نصرالله، على أمل أن تتوقّف حرب غزّة في وقت قريب. لكنّ النار التي أشعلها يحيى السنوار في “طوفان الأقصى”، امتدّت إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران.

على هذا، ربّما كانت الدروس المستقاة من تلك الحرب أنّه كما تخلّت إسرائيل عن خطوطها الحمر، وتفوّقت في المرّة السابقة، فما على “الحزب” إلا التخلّي عن احترازاته التي تسبّبت له بالهزيمة المؤلمة، توخّياً للثأر من إسرائيل واستعادة مكانته وهيبته في الداخل.

لذلك كانت انطلاقة الصواريخ الستّة في 2 آذار الماضي بدايةً محفوفة بالمخاطر الكبيرة: شعبيّاً، مع توريط الناس بعواقب حرب جديدة دون إعداد نفسيّ ومادّيّ، وسياسيّاً، مع الإخلال بالتعهّدات المقطوعة لأركان الدولة بعدم الدخول في مغامرة عسكريّة جديدة، بل انكشاف الخداع في مسألة نزع السلاح جنوب الليطاني، واقتصاديّاً، بالتسبّب بدمار إضافيّ من غير المحتمل بناؤه من جديد، وخسائر مادّيّة فادحة من غير الممكن تعويضها بدعم خارجيّ، علاوة على فقدان شطر نوعيّ من القيادات والكوادر الإضافيّة خلال الحرب.

الرّهان على انتصار إيران

لذا كان الرهان الوحيد على انتصار إيران على الولايات المتّحدة وإسرائيل، والحصول بعد ذلك على كل ما يرتجيه “الحزب” من مكاسب سياسيّة، أي إسقاط قرارات الحكومة، بل إسقاطها، والمجيء برئيس حكومة مطواع، والحصول ماليّاً على تعويضات مجزية لإعادة البناء.

كانت التوقّعات عالية أن تفرض طهران شروطها في مفاوضات إسلام آباد، وكانت السرديّة الإيرانيّة جازمة بأنّ دونالد ترامب في مأزق، وأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة قد انتصرت. صدّق “الحزب”، وصدّقت بيئته، وانتظر الجميع سقوط الحكومة. الواقع أنّ إيران لم تنتصر، ولا أنجزت الولايات المتّحدة أو إسرائيل الأهداف المرسومة. فكيف ينتصر “الحزب”، وعلى من؟

المفارقة أنّ “الحزب” يخوض حربه الأولى من دون سوريا، منذ التسعينيّات، أي منذ أن تبنّى حافظ الأسد هذه المقاومة

ليست الجدليّة الصاخبة هذه الأيّام، بين “الحزب” والحكومة، بسبب قرار التفاوض المباشر مع إسرائيل وحسب، بل بسبب فصل إيران عن لبنان، وهو قرار اتّخذه ترامب بالتوافق مع بنيامين نتنياهو أوّلاً، نزولاً عند رغبة الأخير المتوجّس من مفاجآت ترامب في المفاوضات، فيمنح لإيران ما تبتغيه، بالضدّ من مصالح إسرائيل.

هذا الأمر مختلف طبعاً عن رغبة الحكومة اللبنانيّة نفسها بفكّ الجبهة الإيرانيّة عن الجبهة اللبنانية، لاعتبارات وطنيّة وسياديّة، إلّا إذا كانت الدولة غير قائمة بنظر “الحزب”، ووجوده شكليّ في البرلمان والحكومة لنيل الشرعيّة السياسيّة وحسب، علماً أنّه قد تبيّن سريعاً أنّ الفصل أفضل نفعاً للبنان من الوصل، فالمفاوضات التاريخيّة بين الولايات المتّحدة والجمهوريّة الإسلاميّة في إسلام آباد انتهت من دون نتائج، وربّما تعود الحرب بينهما بطرائق مختلفة تحت عنوان فتح مضيق هرمز، ولأشهر مقبلة.

بهذا الوصل، تستأنف إسرائيل القصف والتمدّد جنوباً دون إبطاء، ويستمرّ القتال بالتوازي مع الحرب الدائرة في الخليج، وباعتبار أنّ إسرائيل قد تحرّرت أخيراً من عقدة الحروب الطويلة، فقد أثبتت أنّها مستعدّة لقتال طويل لأشهر، ولسنوات.

أمّا المفاجأة في هذا السياق فكانت قبول نتنياهو التفاوض مع لبنان بعد تلكّؤ دام أشهراً، والظاهر أنّه أراد فصل الجبهتين بتأسيس مسار تفاوضيّ مستقلّ عن مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، والتقاطاً لقرار الحكومة اللبنانيّة جعل بيروت منطقة منزوعة السلاح.

على أيّ حال، كلّ قرارات الحكومة التي تبدو ظاهراً لضبط “الحزب”، خضوعاً لإسرائيل، ابتداء من حصر السلاح، وصولاً إلى نزع السلاح في العاصمة، مروراً بقرار التفاوض المباشر مع إسرائيل، إنّما هي خطوات اضطراريّة لتحييد بيروت ومنشآت الدولة والبنية التحتيّة من الدمار، وهي فرصة لخفض التصعيد الإسرائيليّ نسبيّاً، مع أنّه لا يوفّر بشراً ولا حجراً في الجنوب خاصّة، ويتوق إلى تحويل بيروت نفسها وليس ضاحيتها فقط إلى خان يونس أو رفح، بمعنى إلحاقها بحال الضاحية الجنوبيّة على الأقلّ.

ظلّت المقاومة حتّى آخر أيّام أمينها العامّ الأسبق حسن نصرالله تراعي بيئتها الحاضنة، ولهذا خاضت نصف حرب تحت عنوان إسناد غزّة 2023

لا يقصد العدوّ باستهداف بيروت حرمان قادة “الحزب” وكوادره من الملاذ الآمن لقيادة العمليّات العسكريّة وتوفير الإمدادات اللوجستيّة وحسب، بل والضغط على النازحين وتشريدهم من مكان إلى آخر، كما فعلت إسرائيل في غزّة خلال عامين، مراراً وتكراراً، إلى أن ينتفض أناس من بيئة “الحزب” أو من بيئات أخرى، فتقع الصدامات الداخليّة التي يسعى إليها نتنياهو بكلّ قوّة.

الكلمة الأخيرة للميدان؟

في إطار نقد الشيخ نعيم قاسم للحكومة وتنازلاتها المجّانيّة لإسرائيل، أكّد في بيانه الأخير أنّ “العدوّ الإسرائيليّ يعجز في الميدان، فلم يتمكّن من الاجتياح البرّيّ كما أعلن مراراً، وسقط جنوده وضبّاطه في كمائن، ودُمّرت آليّاته على مفترق البلدات والقرى، وأعلن تغيير أهدافه عدّة مرّات، فتارة يريد الليطاني، وأخرى التقدّم المحدود، وثالثة السيطرة بالنيران، ورابعة الاعتماد على النيران والتدمير، ولم يُفلح في منع الصواريخ والقذائف والطائرات المسيّرة عن مستوطناته القريبة والبعيدة إلى حيفا وما بعد حيفا”.

إذا جدّد “الحزب” تكتيكاته، وعاد إلى أسلوب حرب العصابات، بعدما بات في السنوات الأخيرة قوّة شبه نظاميّة، فإنّ الجيش الإسرائيليّ بدّل من تكتيكاته، وبات يقاتل بطريقة المجموعات الصغيرة، ويتوغّل ببطء شديد، وينساب بسرعة تتوافق مع إزاحة العوائق أمامه، وهذا بخلاف الاجتياحات المدرّعة في كلّ حروب إسرائيل، وفي لبنان خاصّة.

أكبر نقاط ضعف المقاومة، وهي كانت موجودة في كلّ المراحل، أنّها تنطلق من لبنان، وهو بلد هشّ سياسيّاً وإداريّاً، ومنقسم اجتماعيّاً وطائفيّاً

لم يبقَ أمام الجيش الإسرائيليّ من عقبة رئيسة لإكمال الحزام الأمنيّ في الجنوب بعمق 8 و10 كلم سوى مدينة بنت جبيل وتخومها من القرى والبلدات. وبنت جبيل ذات أهميّة عمليّاتيّة بالنسبة للقوّات الإسرائيليّة لأنّها تقع عند تقاطع عدّة طرق رئيسة في جنوب شرق لبنان، ومنها طريق تبنين-بنت جبيل، بما يمكّن الجيش الإسرائيليّ التقدّم شمالاً والالتحام بالقوّات الإسرائيليّة المتقدّمة من محاور أخرى، وهي المدينة الأقرب إلى الحدود بحوالى 3 كيلومترات.

إقرأ أيضاً: إيران تقاتل كأَذْرعها… لا كدولة

لمدينة بنت جبيل أهميّة رمزيّة لـ”الحزب”، فقد أعلن فيها الأمين العامّ الأسبق لـ”الحزب” النصر بعد الانسحاب الإسرائيليّ من لبنان عام 2000، وخاض “الحزب” معارك ناجحة ضدّ الجيش الإسرائيليّ فيها عامَي 2006 و2024. إذا سقطت بنت جبيل واكتمل الحزام قبل التفاوض فهذا شيء، وإذا صمدت أثناءه فهذا شيء آخر. الأهمّ أنّ صمود “الحزب” هو ورقة على طاولة التفاوض لدمجه في الدولة، وليس للانقلاب على الحكومة وعلى الدولة.

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…