إيران تقاتل كأَذْرعها… لا كدولة

مدة القراءة 8 د

خطّطت الولايات المتّحدة لحرب قصيرة وحاسمة تدوم لأيّام أو أسابيع قليلة، تبدأ باغتيال القيادة الإيرانيّة، وهو ما وقع فعلاً في الضربة الأولى والمباغتة في 28 شباط الماضي، وتنتهي بسقوط النظام، بحسب ما روّج له بنيامين نتنياهو. أمّا الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، فقد استعدّت لحرب طويلة، بالاستفادة من تجربة حرب الـ12 يوماً (13-24 حزيران العام الماضي.

 

فوجئت إيران مرّة ثانية في آخر شباط، كما فوجئت في منتصف حزيران العام الماضي، وكانت ضربة أشدّ وقعاً بكثير، باعتبار أنّها كانت أميركيّة إسرائيليّة مشتركة منذ اللحظة الأولى، على أن تتبعها انتفاضة الشعب الإيرانيّ، كما كان منتظراً، وإسقاط النظام. إلّا أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل فوجئتا بصمود النظام على الرغم من تعرّضه لحملة جوّية غير مسبوقة قضت على معظم الصفّ الأوّل من القيادة السياسيّة والعسكريّة والأمنيّة، وعلى كثير ممّن تلاهم من بدلاء، ودُمّر الكثير من مخازن الصواريخ والمسيّرات، منصّاتها، ومصانعها.

مع ذلك، استمرّ تنفيذ الخطّة الإيرانيّة الموضوعة دونما هوادة ليس لاستنزاف العدوّ المباشر وحسب، بل لاستفزاز الدول العربية المجاورة خاصّة، وتلك التي تقع ضمن مدى الصواريخ أيضاً، مع ارتهان الاقتصاد العالميّ والإقليميّ بإقفال مضيق هرمز، أو تضييق المرور به إلى حدّ كبير، وذلك من أجل توسيع نطاق الدول المتضرّرة من الحرب، وبغية تكثير سواد المعسكر المناهض لحملة إسقاط النظام.

عنوان الحملة الإيرانيّة المضادّة كلمة واحدة هي: الاستنزاف، أي استنزاف الوقت، المال، الصواريخ على أنواعها لدى العدوّ

حرب غير تقليديّة

باختصار، تخوض إيران وأذرعها العسكريّة في المنطقة حرباً غير تقليديّة، وفق خطّة واحدة، تتوزّع فيها الأدوار بين الجبهات، بحيث تكون لكلّ جبهة واجباتها وتكليفاتها العسكريّة المحدّدة. وهو ما يعني بعبارة أخرى أنّ إيران التي خسرت محور المقاومة بين عامَي 2023 و2024، بضرب “الحزب” في لبنان، وإسقاط النظام في سوريا، وإجبار الفصائل العراقيّة الموالية لها على الانكفاء، وإخراج الحوثيّين في اليمن من المعادلة، نجحت خلال 15 شهراً من العمل الدؤوب على إحياء هذا المحور بأركانه ومكوّناته، فظهر فجأة من العدم تقريباً، وفرض نفسه على معادلة الصراع، من إفاقة “الحزب” من كبوته، وانتشال الفصائل من عثرتها، إلى إيقاظ الحوثيّين من غفلتهم. تبقى حركة حماس هي الغائب الأكبر، بعدما كانت رأس الحربة في الحرب الإقليميّة التي أشعلتها في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، بخطوة منفردة في غير الميقات المخطّط له، كما يبدو على الأقلّ، من ضمن وحدة الساحات، فدفعت هي وقطاع غزّة برمّته أغلى الأثمان وأفدحها.

صورة مكبّرة عن “الحزب”

لكنّ اللافت أيضاً أنّ إيران صاحبة أكبر قوّة عسكريّة في الخليج، بما تملكه من جيش نظاميّ وحرس ثوريّ وباسيج، تقاتل كأذرعها تماماً، اعتماداً على الصواريخ والمسيّرات، كأنّها صورة مكبّرة عن “الحزب”، باستراتيجيتها العامّة وتكتيكاتها الميدانيّة وخطابها السياسيّ والإعلاميّ ورهانها على ضبط بيئتها الحاضنة وردعها للبيئة المناهضة لها في الداخل في الوقت نفسه.

تخوض إيران وأذرعها العسكريّة في المنطقة حرباً غير تقليديّة، وفق خطّة واحدة، تتوزّع فيها الأدوار بين الجبهات

بالمقارنة مع حركات التمرّد أو المقاومة في التاريخ الحديث، تبدو ذات شبه بفيتنام، التي قاتلت الفرنسيّين بين عامَي 1946 و1954 والأميركيّين بين عامَي 1965 و1973. انتصر الفيتناميّون عسكريّاً على الفرنسيّين في معركة “ديان بيان فو” عام 1954، إلّا أنّهم تفوّقوا لاحقاً على الأميركيّين سياسيّاً بإرادة القتال، وأثّروا سلباً في الرأي العامّ الأميركيّ. قياساً على هذه التجربة، لا تستطيع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران إلحاق الهزيمة العسكريّة بالتحالف الأميركيّ الإسرائيليّ، لكنّها تراهن على استنزاف التحالف عسكريّاً وسياسيّاً. وهو نصر يمكن ادّعاؤه على الرغم من تدمير نسبة كبيرة من مقدّراتها، وذلك حين يضطرّ ترامب افتراضياً إلى الانسحاب من المعركة قبل تلبية الشروط، فتخرج إسرائيل أيضاً دون إسقاط النظام.

حرب تمرّد لا حرب نظاميّة

تستند خطّة إيران لمواجهة الهجمات الجوّيّة المعادية على قادتها ومنشآتها إلى حرب غير متوازية asymmetric war على دول الخليج خاصّة، وبنسبة أقلّ على إسرائيل، وذلك لعجزها أمام الهيمنة الجوّيّة. في المقابل، تحاول إجبار الولايات المتّحدة على خوض الحرب البرّيّة لفكّ الحصار الاقتصاديّ المضروب على خُمس نفط العالم، بإقفالها مضيق هرمز.

لا تسعى إيران إلى الحرب البرّيّة لأنّها أقدر حتماً على إلحاق الهزيمة بالجيش الأميركيّ على هذا الصعيد، بالنظر إلى قلّة أعداد قوّات النخبة الأميركيّة، وإلى التضاريس الصعبة التي تقف عائقاً أمام أيّ عمليّة أميركيّة لاجتياح جزيرة خرج، أو أيّ جزر أخرى، أو السيطرة على الشريط الساحليّ المواجِه لذاك المضيق، بل لاعتقادها بأنّها قادرة على تكبيد العدو أكبر قدر من الخسائر، بما يكفي لإثارة غضب الرأي العامّ الأميركيّ الذي لا يؤيّد بأكثريّته الحرب الدائرة (يؤيّدها 27% فقط وفق آخر استطلاع)، وإجبار دونالد ترامب استطراداً على وقف الحرب بأيّ طريقة، ولو من طرف واحد، ومن دون اتّفاق، خشية خسارة الأكثريّة في الانتخابات النصفيّة للكونغرس في تشرين الثاني المقبل، التي من شأنها تجديد كامل مجلس النوّاب وثلث مجلس الشيوخ.

لا تسعى إيران إلى الحرب البرّيّة لأنّها أقدر حتماً على إلحاق الهزيمة بالجيش الأميركيّ على هذا الصعيد، بالنظر إلى قلّة أعداد قوّات النخبة الأميركيّة

لذا يكرّر ترامب ومساعدوه العبارة نفسها، التي تؤكّد أنّ واشنطن قد أنجزت عملها هناك، لكن بقيت بضعة آلاف من الأهداف التي يجب قصفها قبل إعلان النصر.

بالمقابل، يمكن للقيادة الإيرانيّة الباقية أو الجديدة إعلان النصر أيضاً بسبب استمرارها في إطلاق الصواريخ والمسيّرات، بل اعتبر وزير الخارجيّة عبّاس عراقجي أنّ عرض ترامب شروط التفاوض على إيران بحدّ ذاته دليل ظاهر على أنّها قد انتصرت. بالمقابل يعلن ترامب أنّ إيران تتوسل للتفاوض مع الإدارة الأميركية.

إيران

لكنّ رسم سرديّة النصر بهذه الطريقة، مع طرح شروط صعبة التحقّق مثل السيطرة السياديّة على مضيق هرمز، دفع التعويضات جرّاء العدوان، التمسّك بالأذرع، وكأنّ شيئاً لم يحدث، والعودة اختصاراً إلى ما قبل 7 تشرين الأوّل 2023، مع مكاسب إضافيّة، فقط لإرضاء الجمهور المتحمّس في إيران وخارجها، تترتّب عليه عواقب وخيمة، ومزيد من الدمار المجّانيّ ومن سفك الدماء.

معايير حرب العصابات

تخوض إيران الحرب كحركة مقاومة، لا كدولة، ولا تُلقي بالاً إلى فقدانها ما كانت تمتلكه من طائرات وأسطول، علاوة على المصانع والمخازن العسكريّة، وتستند إلى معايير حرب العصابات، مع بعض ملامح الحرب النظاميّة، أو الحرب الهجينة إجمالاً، إذ لم يسبق أن حظيت حركة تمرّد أو مقاومة بصواريخ بالستيّة عابرة للحدود، بل استفادت من تجارب أذرعها في المنطقة، استناداً إلى تجارب الجولات السابقة لـ”الحزب” خاصّة، وصولاً إلى حرب السنتين (2023-2024)، لكن بموارد وإمكانات قوّة إقليميّة كبيرة.

عنوان الحملة الإيرانيّة المضادّة كلمة واحدة هي: الاستنزاف، أي استنزاف الوقت، المال، الصواريخ على أنواعها لدى العدوّ، لا سيما الطويلة المدى، والصواريخ الاعتراضيّة لدى إسرائيل خاصّة، بلحاظ الفارق الكبير بين تكلفة مسيّرة “شاهد” الإيرانيّة التي لا تتجاوز 50 ألف دولار، وتكلفة صاروخ باتريوت الواحد نحو 3 ملايين دولار، مع محاولة إلحاق أكبر ضرر ممكن في الأنفس والمنشآت السكنيّة والاقتصاديّة والعسكريّة الإسرائيلية.

إيران صاحبة أكبر قوّة عسكريّة في الخليج، بما تملكه من جيش نظاميّ وحرس ثوريّ وباسيج، تقاتل كأذرعها تماماً

توزيع غنائم النّصر

شاركت الفصائل العراقيّة في المجهود الحربيّ الإيرانيّ، من خلال التصنيف نفسه للأهداف، التي يُعبَّر عنها بالمصالح الأميركيّة، من قواعد عسكريّة، وجماعات كرديّة إيرانيّة في الشمال، يمكن التعويل عليها، لبثّ الفوضى في إيران، وبالنظر إلى الدخول المتأخّر للحوثيّين بعد شهر من الحرب، إلّا أنّ الجبهة اللبنانيّة التي يتولّاها “الحزب” هي الأكثر أهميّة بسبب التماسّ الجغرافيّ مع فلسطين المحتلّة.

عليه، ليس مستغرباً ربط جبهة إيران بجبهة لبنان من ضمن الردّ الإيرانيّ على البنود الـ15 الأميركيّة. ومن شأن هذا الربط تعقيد أيّ تسوية أو هدنة في إيران كما في لبنان، إلّا أنّه وإن بدت طهران ممسكة بزمام المبادرة بسبب استنادها إلى نقاط قوّتها بشكل أساسيّ، ولا سيما موقعها الجيوسياسيّ الحسّاس، إلّا أنّها كما هو حال “الحزب” في لبنان، قد تتعرّض استراتيجيتها المحبوكة بعناية لانتكاسة خطِرة فيما لو وجّه ترامب لها ضربة عسكريّة برّيّة مؤثّرة.

كذلك من شأن خسارة جنوب نهر الليطاني بعد توغّل برّيّ إسرائيليّ حذر ومتسارع كبقعة الزيت، أن تضع المعارضة العنيدة لـ”الحزب” لقرارات الحكومة في ما يتعلّق بحصر السلاح وإعلان الحرب والسلم في مأزق كبير، لا يمكن تجاوزه بأيّ حراك داخلي، شبيه بما حدث عقب حرب تمّوز 2006.

إقرأ أيضاً: وحدة الجبهات: التّفتيت الإيرانيّ لدول الأذرع

أمّا استنزاف إسرائيل برّيّاً أثناء التوغّل الإسرائيليّ، أو جوّيّاً عبر إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، بإيقاع يوميّ، فلا يمكن مقارنته بالتدمير المنهجيّ للضاحية والقرى والمدن الجنوبيّة، علاوة على الخسائر العسكريّة والاقتصاديّة، التي لا يمكن تعويضها، إلّا إذا فرضت طهران شروطها كاملة على الولايات المتّحدة وإسرائيل، ونال “الحزب” نصيبه من المغانم وهذا لن يحصل..

مواضيع ذات صلة

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…

بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً

ما حصل في عائشة بكّار وسط العاصمة بيروت مساء الخميس الفائت لا يمكن النظر إليه على أنّه حادث فرديّ أو إشكال عابر يمكن لعاصمة أو…

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…