يرى ثلاثة من أبرز الخبراء في مجالات التاريخ والسياسة والعلاقات الدوليّة، وهم البريطانيّ نيال فيرغسون والأميركيّان ريتشارد هاس وفيليب زيليكوف، أنّ إعادة فتح مضيق هرمز يجب أن تكون الهدف الأساس، لكن ليس تحت سيطرة إيران أو بشروطها. يعتبرون الأزمة حالة طوارئ اقتصاديّة عاجلة واختباراً جيوسياسيّاً طويل الأمد. عطّل إغلاق إيران للمضيق شرياناً حيويّاً يمرّ عبره ما يُقارب خُمس النفط والغاز الطبيعيّ المُسال في العالم، فارتفعت أسعار السلع الأساسيّة وزاد خطر الركود التضخّميّ العالميّ، فباتت القضيّة مُلحّة ليس فقط للجهات الفاعلة الإقليميّة، بل للاقتصاد العالميّ برمّته.
يُذكّر الخبراء الثلاثة بسياق تاريخيّ للأزمة الحاليّة أوسع من الصراعات على الممرّات المائيّة الاستراتيجيّة، فيُشيرون إلى سيطرة البرتغاليّين على هرمز في أوائل القرن السادس عشر، وفرضهم ضرائب على التجارة حتّى طُردوا بجهود مشتركة فارسيّة بريطانيّة. يرون أنّ إيران تسعى الآن إلى تكرار هذا الدور من خلال ترسيخ مكانتها كجهة جشعة، مطالِبةً بالاعتراف بحقّها في تنظيم حركة الملاحة وفرض الضرائب عليها عبر المضيق كجزء من أيّ اتّفاق سلام.
يحذّرون من أنّ مثل هذه النتيجة ستمثّل انتصاراً استراتيجيّاً كبيراً لإيران، يمكّنها من الهيمنة على دول الخليج المجاورة وممارسة نفوذها على التجارة العالميّة، وهو أمر غير مقبول، إذ يجب أن يبقى المضيق مفتوحاً وبعيداً عن أيّ سيطرة أحاديّة، لا سيما من قِبل نظام يسعى إلى فرض إرادته على الآخرين.
الرسالة الأساسيّة واضحة: يجب إعادة فتح المضيق بشروط تحافظ على الاستقرار الاقتصاديّ العالميّ ومبدأ حرّية الملاحة
في رأي الخبراء، نيال فيرغسون، وهو مؤرّخ بريطانيّ معروف يركّز على التاريخ الاقتصاديّ والسياسيّ العالميّ، وريتشارد هاس، وهو دبلوماسيّ شغل مناصب رفيعة في وزارة الخارجيّة الأميركيّة وكان رئيساً لمجلس العلاقات الخارجيّة، وفيليب زيليكوف، وهو مؤرّخ ودبلوماسيّ سابق خدم في خمس إدارات أميركيّة، أنّ هناك استحالة لاستعادة وضع ما قبل الحرب. لقد انهارت الثقة بين الدول المعنيّة، والأطر القانونيّة القائمة مثل اتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار غير كافية لأنّ جهات فاعلة رئيسة، بما فيها إيران والولايات المتّحدة، لم تصادق عليها. اعتمدت إيران على ادّعاءات قانونيّة قديمة لتبرير تنظيم حركة الملاحة، ومكّنتها الحرب من إنفاذ هذه الادّعاءات عمليّاً.
يعتبر الخبراء الثلاثة أن اقتراح مشروع السلام الذي قدّمته إيران يهدف إلى إضفاء طابع رسميّ على هذه السلطة، وإدخال نظام ضرائب على الشحن مشترك مع سلطنة عُمان. يحذّرون من أنّ مثل هذه التسوية ستكافئ إيران على استخدام القوّة وتقوّض مبدأ حرّية الملاحة. يطرحون استراتيجية مفصّلة من ثلاث خطوات تجمع بين الجاهزيّة العسكريّة، الدبلوماسيّة المؤقّتة، والتصميم المؤسّسيّ الطويل الأمد، وتهدف إلى إعادة فتح المضيق، ردع الإكراه الإيرانيّ، وإرساء إطار مستدام للحوكمة المستقبليّة:
الخطوة الأولى: حشد قوّة ذات صدقيّة لضمان العبور بشروط غير إيرانيّة:
تتمثّل هذه الخطوة في تأكيد استعداد الولايات المتّحدة وحلفائها لإعادة فتح المضيق بالقوّة عند الضرورة. يشمل ذلك حملة مدنيّة-عسكريّة شاملة تتضمّن مرافقة بحريّة للسفن التجاريّة، نشر أنظمة دفاعيّة مثل أنظمة اعتراض الطائرات المُسيّرة، وعمليات منسّقة قد تشمل الولايات المتّحدة وإسرائيل لقمع التهديدات الإيرانيّة على طول الساحل. يمكن أن تشمل التدابير الإضافيّة برامج تأمين وتعويضات لدعم شركات الشحن العاملة في بيئة عالية المخاطر.
إعادة فتح مضيق هرمز يجب أن تكون الهدف الأساس، لكن ليس تحت سيطرة إيران أو بشروطها
يعتبر الخبراء أنّ فرض حصار على الصادرات الإيرانيّة، لا سيما في خليج عُمان، يُعدّ عنصراً أساسيّاً في هذه الخطوة إذا استمرّت إيران في تقييد المرور. يكمن المنطق في عكس السرد الاستراتيجيّ: بدلاً من أن تُغلق إيران المضيق بشكل انتقائيّ أمام الآخرين لتحقيق مكاسب خاصّة، سيكون المبدأ أن يكون المضيق إمّا مفتوحاً للجميع أو مغلقاً أمام الجميع. سيخلق منع إيران من تصدير بضائعها حوافز قويّة لها لإعادة النظر في موقفها.
يُقرّ الخبراء بأنّ هذا النهج ينطوي على مخاطر، فقد تبقى حركة الشحن محدودة وخطِرة لبعض الوقت، وسيتطلّب هذا الجهد تنسيقاً دوليّاً كبيراً. يُشدّدون على أهميّة إشراك تحالف واسع يضمّ شركاء عرباً وآسيويّين وأوروبيّين. يعتبرون أنّ هذا النهج المتعدّد الأطراف لن يساهم في تقاسم العبء فحسب، بل سيُسهّل أيضاً سياسيّاً على الدول، لا سيما في أوروبا، دعم المهمّة دون الانحياز المباشر إلى عمليّات عسكريّة مثيرة للجدل. يهدف هذا النهج إلى بناء نفوذ وإظهار العزم.
الخطوة الثّانية: التّفاوض على اتّفاقيّة عمليّة غير رسميّة للعبور المتبادَل:
عند إرساء ضغط ذي صدقيّة، تتمثّل الخطوة الثانية في السعي إلى تفاهم محدود وعمليّ مع إيران يسمح باستئناف حركة الشحن على كلا الجانبين، بينما تستمرّ المفاوضات الأوسع نطاقاً. من المرجّح أن يتّخذ هذا شكل اتّفاقيّة غير رسميّة بدلاً من معاهدة رسميّة معلنة، مع التركيز بشكل دقيق على المصلحة المشتركة في الحفاظ على مستوى معيّن من النشاط التجاريّ عبر المضيق.
يعتقد فيرغسون وهاس وزيليكوف أنّه إذا واجهت إيران تهديداً حقيقيّاً، ولا سيما فقدان قدرتها التصديريّة، فستكون لديها دوافع قويّة لقبول مثل هذا الترتيب. يشيرون إلى أنّ هذه الخطوة لا تتطلّب حلّ النزاعات السياسيّة والعسكريّة الأوسع نطاقاً بين إيران والولايات المتّحدة وإسرائيل، بل هي مستوحاة من مناطق نزاع أخرى تحقّق فيها تعاون محدود على الرغم من استمرار الأعمال العدائيّة، مثل صادرات الحبوب عبر البحر الأسود خلال الحرب الأوكرانيّة، حيث سمحت الاتّفاقات الضمنيّة باستمرار عمل ممرّات الشحن المدنيّة حتّى في خضمّ القتال المتواصل.
سيخلق منع إيران من تصدير بضائعها حوافز قويّة لها لإعادة النظر في موقفها
في رأي الخبراء الثلاثة أنّ من شأن هذا الترتيب المؤقّت أن يُرسي الاستقرار، يُخفّف الضغوط الاقتصاديّة المباشرة، ويُفسح المجال لمفاوضات أكثر شمولاً. يُمثّل تحوّلاً من المواجهة إلى التعاون المشروط، لكنّه قائم على الردع لا على الثقة، ويجعل التركيز على المصالح المشتركة بدلاً من المصالحة، إدراكاً لاستبعاد التوصّل إلى تسوية سياسيّة كاملة على المدى القريب.
الخطوة الثّالثة: وضع اتّفاقيّة دوليّة جديدة لإدارة المضيق:
مستندين إلى سوابق تاريخيّة مثل اتّفاقيّة مونترو، التي تنظّم الوصول إلى البحر الأسود، واتّفاقيّة القسطنطينيّة، التي تضمن حرّية الملاحة عبر قناة السويس، يقترح الباحثون لمضيق هرمز اتّفاقيّة جديدة يُصنَّف بموجبها ممرّاً مائيّاً محايداً مفتوحاً دائماً أمام جميع حركة الملاحة التجاريّة. تُعهد إدارته إلى كيان دوليّ جديد اسمه شركة مضيق هرمز (SOHCO) ويضمّ الدول الساحليّة الثماني، ومن بينها إيران، بالإضافة إلى قوى بحريّة خارجية كبرى مثل الولايات المتّحدة والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبيّة، وربّما دول أوروبيّة أيضاً. تتولّى هذه الجهة مسؤوليّة ضمان المرور الآمن، صيانة البنية التحتيّة، وإدارة نظام رسوم منظّم بشكل جماعيّ تُستخدم عائداته لتمويل خدمات مشتركة مثل إزالة الألغام وأنظمة الملاحة.
تُنشئ هذه الجهة آليّات تشغيليّة للحدّ من مخاطر النزاع، بما في ذلك خطوط اتّصال ساخنة بين القوّات البحريّة وبروتوكولات متّفق عليها للتعامل مع الحوادث والمواجهات البحريّة. يمكن، في حالات النزاع، إنشاء ممرّات مرافقة محايدة تحميها قوّات من دول غير مشاركة في القتال لضمان استمرار التجارة، ويمكن استبعاد أيّ دولة تنتهك الاتّفاق بقرار من أغلبيّة ثلثَي الأعضاء.
يؤكّد الخبراء الثلاثة أنّ هذا الإطار مصمّم لإشراك إيران لا استبعادها، فمن خلال منح إيران حصّة في النظام كمشارِكة ومستفيدة يُحفّز الإطارُ الامتثال ويضمن عدم قدرة أيّ دولة على الهيمنة على المضيق أو فرض شروطها على الآخرين.
اعتمدت إيران على ادّعاءات قانونيّة قديمة لتبرير تنظيم حركة الملاحة، ومكّنتها الحرب من إنفاذ هذه الادّعاءات عمليّاً
مسار مستدام
يخلص الخبراء إلى أنّ إعادة فتح مضيق هرمز تتطلّب أكثر من عمل عسكريّ فوريّ، إذ تستلزم استراتيجية متماسكة تجمع بين القوّة والدبلوماسيّة والابتكار المؤسّسيّ. يهدف النهج ذو الخطوات الثلاث إلى منع إيران من تحقيق نصر استراتيجي، مع توفير مسار مستدام للمضيّ قدماً.
إقرأ أيضاً: سفير إسرائيل في واشنطن: متحمّسون للسّلام مع لبنان
الأهمّ من ذلك، في رأيهم، أنّ هذه الاستراتيجية لا تعتمد على تغيير النظام في إيران، بل تسعى إلى مواءمة الحوافز بحيث تستفيد جميع الأطراف، بما فيها إيران، من إبقاء المضيق مفتوحاً. الرسالة الأساسيّة واضحة: يجب إعادة فتح المضيق بشروط تحافظ على الاستقرار الاقتصاديّ العالميّ ومبدأ حرّية الملاحة، بما يضمن عدم قدرة إيران على فرض شروط السلام.
