لبنان واليوم التالي (1)

مدة القراءة 3 د

يقف لبنان اليوم على حافة هاوية، كمن يسير فوق خيط رفيع بين جبلين، حيث أي زلة قد تعني السقوط في فراغ بلا قاع. لم يعد الوضع السياسي مجرد أزمة عابرة، بل تحوّل إلى حالة مزمنة، تتشابك فيها الخلافات الداخلية مع ضغوط الخارج، فتُثقل كاهل دولة أصلاً منهكة.

 

خلال الحرب، تبدو مؤسسات الدولة كجسدٍ يحاول الوقوف رغم نزيفٍ مستمر. الحكومة أشبه بسفينة مثقوبة، تبحر في بحرٍ هائج، فيما يتنازع قادتها على وجهة الإبحار  بدل أن يسارعوا إلى سدّ الثقوب. أما الشعب، فهو الراكب الصامت الذي يشعر  بالماء يتسرّب إلى قدميه.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الحرب ذاتها، بل في ما تتركه من تصدّعات داخل بنية الدولة. فكل قذيفة لا تسقط على الأرض فحسب، بل تهزّ أيضاً ما تبقّى من ثقة بين المواطن ومؤسساته. ومع كل يوم يمرّ، تتآكل هذه الثقة كما يتآكل الحديد تحت وطأة الصدأ، حتى يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.

في ظل هذا المشهد، تتحوّل السياسة إلى مسرحٍ للخطابات، حيث الكلمات تُقال كأنها أوراق خريف تتساقط بلا أثر، يغيب الفعل، وتبقى الوعود معلّقة في الهواء، كغيومٍ لا تمطر. وبينما تتصاعد التوترات، يبدو أن الطبقة السياسية تعيش في زمنٍ موازٍ، بعيد عن واقع الناس الذين يواجهون أزمات معيشية خانقة.

يقف لبنان اليوم على حافة هاوية، كمن يسير فوق خيط رفيع بين جبلين، حيث أي زلة قد تعني السقوط في فراغ بلا قاع

أما بعد الحرب، فإن الخطر قد يتضاعف. فالدولة التي تخرج من النزاع ضعيفة،سوف تجد نفسها أمام فراغٍ أكبر، حيث تتقدّم قوى الأمر الواقع لملء المساحات المتروكة. وهنا يصبح لبنان كبيتٍ قديم، نجح في النجاة من العاصفة، لكنه بات مهدداً بالانهيار من الداخل بسبب تشققاتٍ لم تُعالج.

إقرأ أيضاً: مهمة للجيش اللبناني: استعادةُ الجنوب قبلَ أن يُفرَضَ واقِعٌ جديد

في كل الاحوال، الدول لا تموت بسهولة، لكن الضربة القاصمة التي توجهها اسرائيل لايران ليست على الاقل الضربة النهائية، لان اي اعلان حرب وجودية يعني حتماً انتهاءها الى تسوية وليس الى الغاء كلي. وهذه التسوية تعني في ما تعنيه، نهاية لبنان الذي نعرفه الى مشهد جديد سوف تفرزه الاحداث والنزف والنزوح بلا عودة، تماماً كما حدث بعد حرب الجبل عام 1984: تغيير ديموغرافي حتمي في بعض الاقضية اللبنانية يؤثر على تغيير سياسي في ظلّ خروج جنوب الليطاني من اللعبة الداخلية الى حسابات محلية تقضي على صورة “الطائف الحالي” وتقتضي معالجة سياسية وفق موازين قوى جديدة، وتفضي الى انتاج نظام لبناني جديد برعاية دولية وعربية، يأخذ في الاعتبار حسابات الآخرين في حروب الآخرين… على حساب لبنان!

مواضيع ذات صلة

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…

1982 لا راية بيضاء فوق قلعة الشقيف

في حزيران عام 1982 سأل رئيس الوزراء الإسرائيليّ مناحيم بيغن أحد الجنود الإسرائيليّين في قلعة الشقيف، أمام عدسات التلفاز: “هل كانت لديهم بنادق؟”، فأجاب الجنديّ:…