عبرت حكومة نوّاف سلام أزمة طرد السفير الإيرانيّ المعيّن حديثاً في لبنان والذي كان ينتظر موعد تقديم أوراق اعتماده للرئاسة الأولى، محمّد رضا شيباني، بأقلّ الأضرار الممكنة، بعدما كسر الوزير فادي مكّي قرار الثنائيّ الشيعيّ بمقاطعة الجلسة ردّاً على قرار وزارة الخارجيّة، فيما تتجه الأنظار إلى كيفية إلزام السفير بالمغادرة، واستطراداً إلى يوم الأحد للتدقيق في مصيره، وما إذا كان سيترك بيروت أم أنّه سيعصي قرار اعتباره غير مرغوب به.
لكن ماذا عن آخر التطوّرات السياسيّة والعسكريّة؟
– قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء، كانت الأجواء تشي بأنّها ستنتهي من دون التراجع عن قرار وزير الخارجيّة اللبنانيّ، ولو أنّه قد يبقى معلّقاً، غير مرشّح للتنفيذ، لكنّه بالنتيجة السياسيّة، سيجعل التمثيل الإيرانيّ في لبنان خارج الشرعيّة الدبلوماسيّة. بالفعل، تجنّبت الحكومة مسألة طرد السفير وتجاهلتها، ليكون فادي مكي نجم الجلسة كونه قرر المشاركة فيها على الرغم من الضغوط التي مارسها “الثنائي” عليه، وفق معلومات “أساس” لثنيه عن قراره. لكنه فعلها.
ثمّة سباق محموم بين القنوات الدبلوماسيّة المفتوحة بين واشنطن وطهران، وبين توسّع الأعمال الحربيّة فيما لو بلغت المفاوضات أفقاً مسدوداً، وهو احتمال كبير
تضيف المعلومات أنّ الساعات التي سبقت الجلسة شهدت سيلاً من الاتصالات “بالواسطة” بين الرؤساء الثلاثة، بحثاً عن مخرج يحمي الحكومة من التفجير الذاتي، حيث يبدو أنّ السيناريو المرجح هو عدم تنفيذ القرار اذا كان التراجع عنه مستحيلاً، على أن يعود وزراء الثنائي إلى مجلس الوزراء في الجلسة المقبلة، إلّا إذا قرر “الحزب” سلوك مسار تصعيدي. هذا مع العلم أنّ بعض من زاروا السفارة الإيرانية أمس، نقلواً كلاماً احتجاجياً على قرار الخارجية اللبنانية، ينبىء بأنّ طهران قد لا تسمح بمغادرة سفيرها يوم الأحد.
– في الاتّصالات السياسيّة، لا جديد مهمّاً. كلّ الكلام عن الجلوس إلى طاولة مفاوضات لبنانيّة – إسرائيليّة هو طرح مبدئيّ لا يزال ينتظر نتيجة الميدان. جلّ ما فعله لبنان الرسميّ، وتحديداً الرئاستين الأولى والثالثة، هو تلقّف الحماسة الأميركيّة لجلوس لبنان وإسرائيل وجهاً لوجه في مفاوضات مباشرة تتخطّى المسائل التقنيّة إلى الجوانب السياسيّة في العلاقة.
لكنّ استكمال هذا المسار دونه الكثير من العقبات (الأجندة التفاوضيّة، طبيعة الوفد…)، والأهمّ من ذلك مصير الجبهة الإيرانية.
وفق المعنيّين، الإدارة الأميركيّة هي التي شجّعت لبنان على إعلان موافقته على المضيّ قدماً في المسار التفاوضيّ المباشر، وضغط على إسرائيل لكي تسمّي موفدها إلى المحادثات (رون ديرمر)، ويفترض أن يمثّل السفير الأميركيّ في لبنان ميشال عيسى بلاده في هذه المفاوضات، فيما عُلم أنّ واشنطن سجّلت تحفّظها على استضافة باريس لهذه المفاوضات، إذ تفضّل الإدارة الأميركيّة عدم إشراك فرنسا في هذا المسار، ولو من باب الاستضافة، خلافاً للجانب اللبنانيّ، وتحديداً الرئاسة الأولى التي دعمت فرنسا في هذا الجانب.
تتّجه الساحة اللبنانيّة إلى مزيد من التوتّر السياسيّ نتيجة التعبئة الحزبيّة التي تنذر باتّساع الانقسام العموديّ وتعمّقه أكثر، ويفترض أن تشهد معراب لقاءً تحشيديّاً يظهّر حجم الكتلة اللبنانيّة المناوئة لـ”الحزب” وخياراته
سباق محموم
– ثمّة سباق محموم بين القنوات الدبلوماسيّة المفتوحة بين واشنطن وطهران، وبين توسّع الأعمال الحربيّة فيما لو بلغت المفاوضات أفقاً مسدوداً، وهو احتمال كبير، لا سيما أنّ الاستعدادات العسكريّة تظهر أنّ جزيرة خارك هي هدف مباشر للأعمال الحربيّة.
تعتبر طهران أنّ الضغط الميدانيّ يشكّل ورقة تفاوضيّة أساسيّة، إذ يعزّز موقعها في أيّ حوار مع واشنطن. وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركيّة إلى استخدام مزيج من الردع العسكريّ والضغط السياسيّ لدفع إيران نحو تقديم تنازلات في ملفّات أساسيّة، أبرزها النفوذ الإقليميّ والبرنامج النوويّ.
يكرّس هذا التوازي بين الحرب والمفاوضات معادلة دقيقة: لا حسم عسكريّاً كاملاً، ولا تسوية سياسيّة سريعة، بل مسار طويل من الضغط المتبادل، حيث يُستخدم الميدان أداة لتحسين الشروط على طاولة التفاوض.
– خلافاً للجولات السابقة، أي حرب الـ12 يوماً التي تعرّضت لها إيران في عام 2025، وحرب الـ66 يوماً التي تعرّض لها لبنان في عام 2024، تصرّ طهران بشكل واضح على أنّ أيّ اتّفاق لوقف إطلاق النار لن يكون محصوراً بساحة واحدة، بل يجب أن يشمل مجمل الجبهات المرتبطة بها، وفي مقدَّمها لبنان.
وفق المعنيّين، فقد أطلع وزير الخارجيّة المصريّ كلّاً من رئيس الجمهوريّة، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النوّاب على نتائج المساعي التي تقودها بلاده مع باكستان وتركيا لخفض التصعيد في المنطقة
جولة وزير الخارجيّة المصريّ
– حلّ وزير الخارجيّة المصريّ بدر عبدالعاطي ضيفاً في بيروت، في زيارة هي الخامسة له منذ تولّيه رئاسة الدبلوماسيّة المصريّة في حزيران 2024، واتّسمت بطابعين: الأوّل إنسانيّ بتسليمه شحنة من المساعدات يصل وزنها إلى 1,000 طن وتشمل أدوية ومستلزمات صحّيّة وسلالاً غذائية وموادّ أساسيّة مخصّصة لمراكز الإيواء، والثاني سياسيّ تجلّى في اللقاءات التي عقدها مع الرؤساء الثلاثة.
وفق المعنيّين، فقد أطلع وزير الخارجيّة المصريّ كلّاً من رئيس الجمهوريّة، رئيس الحكومة ورئيس مجلس النوّاب على نتائج المساعي التي تقودها بلاده مع باكستان وتركيا لخفض التصعيد في المنطقة، وتحاول من خلالها فتح قنوات من الاتّصالات بين القوى المتحاربة.
لبنانيّاً، تشكّل الزيارة موقفاً داعماً للموقف اللبنانيّ، وتحديداً للمبادرة التي طرحها رئيس الجمهوريّة جوزف عون، وضرورةً ملحّة لحضور عربيّ في لبنان المطوّق بالنيران والخشية من توتّرات داخليّة. واستمع الوزير المصري إلى وجهات نظر اللبنانية، والمختلفة، للخروج من الأزمة، وسط تشديد على ضرورة العمل للحفاظ على الاستقرار الداخلي. هذا مع العلم أنّ كثراً لا يعوّلون على حراك مصريّ من شأنه أن يحدث فرقاً على الشطرنج اللبنانيّة، ولو أنّ زيارة وزير الخارجيّة المصريّ تأتي في سياق جولة موسّعة قام بها في عدد من دول الخليج.
– تتّجه الساحة اللبنانيّة إلى مزيد من التوتّر السياسيّ نتيجة التعبئة الحزبيّة التي تنذر باتّساع الانقسام العموديّ وتعمّقه أكثر، ويفترض أن تشهد معراب لقاءً تحشيديّاً يظهّر حجم الكتلة اللبنانيّة المناوئة لـ”الحزب” وخياراته.
إقرأ أيضاً: ذو القدر .. جنرال الأمن القومي الإيراني وقدره
الشّريط الميدانيّ
– في المشهد الميدانيّ، يُسجَّل أنّ حجم التوغّل الذي نفّذه الجيش الإسرائيليّ في الجنوب بقي ضمن إطار العمليّات البرّيّة المحدودة، ويراوح عمقه في معظم المحاور بين مئات الأمتار ونحو 2 إلى 5 كيلومترات حدّاً أقصى في بعض النقاط الحدوديّة، وخصوصاً في المناطق الشرقيّة والوسطى من القطاع الجنوبيّ.
تركّزت هذه التوغّلات على بلدات الحافة الأماميّة مثل كفركلا، العديسة، مارون الراس، عيتا الشعب، الضهيرة، علما الشعب… حيث سعت القوّات الإسرائيليّة إلى تثبيت مواقع ميدانيّة متقدّمة والإشراف على مناطق أوسع بالنار والمراقبة. عملت أيضاً وحدات الهندسة على فتح طرق داخليّة، تجريف مساحات حدوديّة، وإزالة عوائق يُشتبه بأنّها تُستخدم لأغراض عسكريّة.
على الرغم من هذا التقدّم، لم تتمكّن القوّات الإسرائيليّة من تثبيت سيطرة عميقة أو مستقرّة داخل الأراضي اللبنانيّة حتّى الآن، نتيجة طبيعة المواجهات والضغوط الميدانيّة. لذلك بقي الانتشار أقرب إلى “شريط أمنيّ متحرّك” يتغيّر وفق وتيرة الاشتباكات.
لمتابعة الكاتب على X:
