إلى قيادة “الحزب”: أما وقد انحسر ظله(2)

مدة القراءة 12 د

لا أتوجّهُ إليكم بصفةِ الخصومةِ الفجَّةِ، وإن كُنتُم قد دأبتُم على استيلادِ الأعداءِ من رحمِ كلِّ اختلافٍ في الرأيِ. بل أكتبُ بصفتي لبنانيّاً، أي بكوني ذاكَ الإنسانَ المحكومَ بمشاطرَتِكُم هذا الحيّزَ الجغرافيَّ، وبصفتي شاهداً خبِرَ لسنواتٍ طوالٍ كيفَ سدَّدَ هذا البلدُ أثمانَ خياراتٍ لم يُشارِك في صَوغِها.

 

وضعتِ الحَرْبُ أوزارَها. لا أعني تلك الحربَ التي اشتهيتم خوضَها، ولا تلك التي نُحِتت بنيتُكم العسكريّةُ على مثالِها، بل أعني الحربَ “الحقيقيّةَ” والمُضْمَرة، التي دارت منذ عام 1979 بين المطامحِ الإمبرياليّةِ التي رافقت الثَّوْرة الإيرانيّة، وبين الحقوقِ السياديّةِ لشعوبٍ ودولٍ جنّدَتْها طهرانُ قسراً في مشروعِها الكُلِّي. تلك الحربُ قد حُسِمت.

ليس هذا القولُ شططاً في التقدير، بل إقرارٌ بتهاوي العُمْران الاستراتيجيّ الذي شيّدتْه طهرانُ على امتدادِ أربعةِ عقود، ليكون طوقَ نارٍ ينوبُ عن إيران ويحجزُ القتالَ خارجَ حدودِها. فالساحاتُ الواحدة، في لبنان وسوريا وفلسطين واليمن والعراق، غدَتْ جبهاتٍ معزولة، تتلقّى الضربات، بالتزامنِ مع ضربِ إيران في عُقْر دارِها.

مع انقطاعِ المَسْرَب الجغرافيّ بسقوطِ الركيزةِ السوريّة، وتصفيةِ النُّخْبَة الحربيّة التي جسّدها اغتيالُ قاسم سليماني ثمّ حسن نصرالله، وبقيّةِ الهيكل، وصولاً إلى المرشدِ الأعلى، باتت آلافُ الصواريخِ التي يطلقُها “الحزبُ” اليومَ مجرّدَ ضجيجٍ تكتيكيٍّ فاقدٍ لأيِّ أُفُقٍ استراتيجيّ. فهي لم تَرْدَع ضربَ إيران، ولم تَحْمِ برنامجَها النوويّ، ولم تَنْجُد غزّة، بل وقفت عاجزةً حتّى عن صَوْن رأسِ نظامِها الرمزيّ.

إنّها هزيمةٌ تتبدّى أعراضُها في الانكفاءِ من المشروعيّةِ الإقليميّة والكونيّة لفكرةِ المقاومة إلى العَصَبِيَّة الأهليّة الضيّقة، وتتبدّى، إلحاقاً، في ذاك الصَّمْت الجنائزيّ الذي يلفُّ بيئةً باتت تسألُ بحُرْقةٍ عمّا تبقّى من وعود النصر الإلهيّ في مواجهةِ حُطام الواقع وفداحةِ المآل.

لا أكتب تعييراً أو تشهيراً. هي، والله، دعوةٌ لاستعادةِ العقل، وربّما للمرّةِ الأولى منذُ عقودٍ، للتأمّلِ في ماهيّتِكُم وما صِرتُم عليه، لا في ما تتصوّرونَ وتشتهون.

التاريخَ، في صرامةِ أحكامِه، لن يُسمّي خياركم هذا مقاومةً ولا ثباتاً، بل هو معركةُ تراجعٍ يائسة في حربٍ طُويت سجلّاتُها، ووُضعت أوزارُها سلفاً

أوّلاً: في عمارة الأوهام

نَهَضَ مشروعُكم على فَرَضِيَّةٍ مفادُها، أنَّ الجماعةَ الشيعيّةَ في لبنان، وهي جماعةٌ عانَتْ تاريخيّاً من التهميشِ ومن ضَيْمٍ حقيقيّ، وحملت على الدوامِ اعتداداً مشروعاً بهويَّتِها، يمكنُها أن تجدَ الكرامةَ والمنعةَ والوزنَ السياسيَّ عبر التحوُّلِ إلى قاعدةِ ارْتِكازٍ أماميّةٍ للجمهوريّةِ الإسلاميّة. قدَّمَ لكم الخمينيّ هويّةً متعاليةً على لبنانيّتِكم وعروبتِكم، ومنحكم خامنئي تَرْسانةَ السلاحِ وخَزائنَ المال، وأعطاكم الحَرَسُ الثوريُّ عقيدةً قتاليّة. وفي المقابل، قدَّمتم أنتم لهم لبنانَ قُرْباناً على هذا المَذْبَح.

بَدَتْ هذه المُقايَضة عقلانيّةً في مناخاتِ عام 1982، لكنّها تبدو اليوم، في عام 2026، ضرباً من الفَظاظَة. إنَّ الجمهوريّةَ الإسلاميّةَ التي احتضنت ولادتَكم قد مُنيَتْ للتوِّ بأكبرِ نكسةٍ استراتيجيّةٍ وعسكريّةٍ في تاريخِها. وما دُعِيَ بـ”محور المقاومة” انكشفَ عمّا كان عليه دوماً: ليس حِلْفاً للقوّةِ الفولاذيّة، بل سِلْسِلةٌ من الأدواتِ القابلةِ للكَسْر. وما أنتم اليوم، إلَّا حلقةٌ من حلقاتِ تلك السلسلةِ التي انفرطَ عَقْدُها.

ثانياً: في دلالة “المقاومة” وانزياحاتها

سَتَقولون إنّنا ناضلنا من أجل فلسطين، وقارَعْنا الاحتلال، وكنّا درع المستضعَفين في وجهِ الاستكبار. لنُسلّم لكم بـ”لحظة عام 2000″ وما انطوت عليه من رنينٍ شعبيّ ووجاهةٍ عسكريّة. كانت تلك برهةً قصيرةً خالطها بعضُ الواقعيّة، ومثّلتم فيها الممانعة المُشتهاة من الملايين، وليس من الشيعة اللبنانيّين فحسب. لكن، ممانعةٌ في خدمةِ مَن؟

التَّحَوُّلُ الذي أدعو إليه ليس تسليماً للسلاحِ في ساحةِ العدوّ، بل هو شيءٌ أصعبُ من ذلك وأعمق

هذا هو السؤالُ الذي تَحاشَيْتم الإجابةَ عنه بصدق. إنَّ ما يُسمّى المقاومة لم يكن يوماً، في جَوْهَرِه، من أجل لبنان، ولا من أجل الفلسطينيّين، بل كان يدور حول بقاءِ وتمدّدِ النظامِ الإقليميّ للجمهوريّة الإسلاميّة. كلُّ صاروخٍ أُطلق باتّجاه إسرائيل بعد عام 2000 كان مسخَّراً لخدمة عقيدةِ الرَّدْع الخمينيّة. وكلُّ قريةٍ لبنانيّةٍ دُمّرت في حروبٍ استجلبها مَنْطقُكم، كانت تضحيةً في سبيل الحسابات الجيوسياسيّة الإيرانيّة. وكلُّ شابٍّ شيعيٍّ أُرسل إلى سوريا لإسناد نظامِ الأسد، لم يذهب ليحرّر شبراً من فلسطين، بل ليُؤمّن الممرَّ البرّيَّ من طهران إلى بيروت. كانت فلسطينُ هي الراية، وإيران هي الدولة، ولبنان هو الكُلْفة الباهظة، ولم يَزَل!

ثالثاً: الشّيعة اللّبنانيّون ليسوا إيران

هذه محاججةٌ تستوجبُ التبصّرَ، لأنّها الحقيقةُ التي دأبتم على طَمْسِها بالحديدِ والنار. إنَّ شيعةَ لبنانَ هم من أعرقِ الجماعاتِ المتجذّرةِ في هذه الأرض، وتاريخُ مَسيرهم ومقامِهم يسبقُ قيامَ الجمهوريّةِ الإسلاميّةِ بقرونٍ مديدة. وما نالَهم من حَيْفٍ وما لحقَ بكيانِهم من مَظالم، سواء تلك التي أورثهم إيّاها الإقْطاعُ، أو التهميشُ الطائفيُّ، وصولاً إلى كابوسِ الاحتلالِ الإسرائيليّ، إنّما هي مِحَنٌ لبنانيّةٌ صرفة، نبتت في تربةِ هذا المشرقِ وقضاياه، ولم تكن يوماً مُلحَقاً برّانيّاً بقضايا إيرانيّةٍ وافدة.

الحرب

ولئن أدرك السيّدُ موسى الصدر ذلك، فإنّه بنى حَرَكةً متجذّرةً في الهُويَّةِ الشيعيّةِ اللبنانيّة، وفي الكرامةِ المدنيّة، وفي ذاكرةِ هذه الجماعةِ وجغرافيتِها. وحين غُيِّب، صعدتم أنتم مكانَه، وكان أوّلُ ما فعلتموه هو إخضاعُ هذه الهويّةِ لمشروعٍ ثوريٍّ خارجيّ. منحتم الشيعةَ سِلاحاً وأوهمتموهم أنّه الكرامة، ورفعتم فوقهم عَلماً إيرانيّاً وقلتم هو عَلَمُكم، وأدخلتموهم في حَرْبٍ أبديّةٍ وسمّيتموها نصراً.

في غضونِ هذا المَسار، أيّ حالٍ نُلفيها اليوم لمرافقِ الضاحيةِ وبُناها المُتَهالكة؟ أيّ أرقامٍ فاجعةٍ تقيَّدُ في سجلِّ مَعدّلاتِ انخلاعِ الشبابِ الشيعيِّ وهجرتِهم طَلباً للنجاة؟

سَتَقولون إنّنا ناضلنا من أجل فلسطين، وقارَعْنا الاحتلال، وكنّا درع المستضعَفين في وجهِ الاستكبار

إنَّ الواقعَ الاقتصاديَّ المَكلوم في الجنوبِ والبقاعِ والضاحية، لا ينفصلُ عمّا أرسيتموه من دُوَيْلةٍ نبتت في أحشاءِ الكيان، وحرصتم بمواظبةٍ مريبةٍ على منعِ قيامِ دولةٍ راشدة. فانبثاقُ دولةٍ لبنانيّةٍ سَوِيَّة، يندمجُ فيها الشيعةُ بصفتهم مواطنين مُكتملي النِّصاب، من شأنه أن يُقوِّضَ دورَكم الوظيفيَّ كـوَسيطٍ مُنتَدَب أو وكيلٍ مأذون لمركزِ القرار في طهران. لقد اقتاتت سُلْطتكم، في جوهرِها، على هَشاشةِ الجماعةِ الشيعيّةِ واسترهانِ عَوَزها، فكان في صلبِ مصلحتكم تأبيدُ ذاك الضعفِ وتسييجُه بأسوارِ العَصَبِيَّة، كي يظلَّ الالتحاقُ بكم هو الخيار الوحيد المتاح.

رابعاً: العرض والمآل

لستُ أزعم، في معرضِ التبسيطِ المُخلّ، أنّ نزعَ السلاحِ هو من يسيرِ الأمور، أو أنّ الدولةَ اللبنانيّةَ، في تهالكِها الرّاهنِ ووهنِ مؤسّساتِها المَسوسةِ، تملكُ اليومَ من الضماناتِ ما يجعلُ الارتداد عن مَنطقِ القوّةِ فعلاً تِقنيّاً بارداً. لكن، تمعّنوا مَليّاً في صلب ما تذودونَ عنه: إنّكم، في الجوهر، تقاتلونَ في سبيلِ اندماجٍ قسريٍّ في نظامٍ إقليميٍّ باتَ في حكمِ البائد، وتتمسّكونَ بالولاءِ لراعٍ لم يَعُد يملكُ لِنفسِه، ولا لكم، نفعاً ولا حمايةً، وتعتصمونَ بعقيدةٍ عسكريّةٍ تجاوزَها الزمنُ ولفظَتها الحساباتُ الكبرى وفتوحات التكنولوجيا.

الحرب

إنّ هذا السلاحَ الذي تُمسكونَ به، لم يَعُد مَصدرَ مَنعة، بل استحالَ عِبئاً كيانيّاً ثقيلاً عليكم، وعلى الجماعةِ الشيعيّةِ في مآلاتها الصعبة، وعلى لبنانَ في صيرورتِه. فهو حجرُ العثرةِ دونَ انبعاثِ بيروت، والمصَدُّ الذي يَردعُ كلَّ إمكانٍ للتعافي، والمانعُ الصّلبُ لقيامِ سيادةٍ حقّة. وثمّةَ مسارٌ آخر، ليس هو بمسارِ “الاستسلام” المُهين، بل مَسارُ التحوّلِ البنيويّ. أي أن تَؤوبوا إلى مَدارِ الممارسةِ السياسيّةِ اللبنانيّةِ الصرفة، ببرنامجٍ يَنبتُ في أرضِها وبقاعدةٍ تَنتمي لمَصالحِها، بدلاً من التموضعِ كأداةٍ إيرانية في صندوقِ بريدٍ لُبنانيّ. فالتحوّلُ، في عُرفِ التاريخِ الرصين، ليسَ مَذلةً، بل إدراكٌ فطنٌ أنّ خرائطَ العالمِ قد تَبَدّلت، وأنّ شرطَ البقاءِ الأسمى إنّما يكمنُ في القدرةِ على التغيّرِ معها.

هذا السلاحَ الذي تُمسكونَ به، لم يَعُد مَصدرَ مَنعة، بل استحالَ عِبئاً كيانيّاً ثقيلاً عليكم، وعلى الجماعةِ الشيعيّةِ في مآلاتها الصعبة

خامساً: في البدائل الممكنة

التَّحَوُّلُ الذي أدعو إليه ليس تسليماً للسلاحِ في ساحةِ العدوّ، بل هو شيءٌ أصعبُ من ذلك وأعمق: إنّه مُصالحةٌ مع فكرةِ الدولة كإطارٍ لإنتاجِ القوّة لا كعائقٍ أمامها. والمصالحةُ هذه، إن أُريدَ لها أن تكونَ حقيقيّةً لا مناورة، تستلزمُ ثلاثةَ تحوّلاتٍ متلازمة:

1- أن تنتقلوا من مَنْطقِ الوصاية إلى مَنْطقِ التمثيل. فالجماعةُ الشيعيّة في لبنان لا تحتاجُ إلى وليِّ أمرٍ يُقرّرُ عنها مصيرَها الكُلّيّ، بل تحتاجُ إلى قياداتٍ سياسيّة تُفاوضُ داخلَ الكيان وتُراكمُ مكاسبَ منه، بدلاً من أن تتموضعَ خارجه وتُجيِّرَه لصالحِ مركزٍ آخر. إنَّ حركةَ “أمل”، وما عُرفَ عنها من استثمارٍ في دولةِ الفساد، كانت في لحظاتِها الأصدقِ، بعد اتّفاق الطائف، تعبيراً عن هذا المَنْطق: مَنْطقِ التشيُّعِ اللبنانيّ كهويّةٍ تسعى إلى مَوقعٍ في الدولة بعد ردح من الانقضاضِ على الدولة من خارجِها.

2- أن تتخلّوا عن احتكارِ تعريفِ الكرامة. لقد أمضيتم عقوداً تُوهمون الجماعةَ الشيعيّةَ أنَّ الكرامةَ هي الصاروخُ، وأنَّ العزّةَ هي المقاتلُ، وأنَّ الاعتدادَ بالنفسِ لا يكونُ إلّا بالتجهيزِ للحرب الأبديّة. بيدَ أنَّ الكرامةَ الحقيقيّةَ لشابٍّ شيعيٍّ، لا تَتجسّدُ في بَريقِ البنادق، بل في مدرسةٍ للعلم الحقّ لا التلقين العقديّ، وفي مستشفىً يُقدّمُ الاستشفاءَ بعيداً عن وَصمةِ المحسوبيّةِ الرعويّة، وفي فضاءٍ اقتصاديٍّ يستوعبُ فورةَ طموحِه، بَدلاً من إكراهِه على الاختيارِ الفاجعِ بين الهجرةِ أو الطاعةِ الصمّاء. إنَّ هذه الكرامةَ، في مَبناها ومَعناها، لا يُشيدُها السلاح، بل هي تَنبثقُ وتَترسّخُ برغمِ سطوتِه وبمعزلٍ عن استنزافِه المتمادي لِعصبِ الحياة.

البابُ ما يزال مُشرّعاً للعودةِ إلى كَنفِ الجماعةِ الوطنيّة، ولكنّه، ككلِّ فُرصِ التاريخِ الكبرى، لن يبقى مَفتوحاً إلى الأبد

3- أن تُسلِّموا بأنَّ سيادةَ قرارِ الحرب والسلم يجبُ أن تعودَ إلى الدولةِ اللبنانيّة. لا لأنَّ هذه الدولةَ بريئةٌ أو نظيفة، بل لأنَّ غيابَ هذه السيادةِ هو بالذاتِ ما جعلَ كلَّ محاولةٍ للنهوضِ ترتطمُ بسقفِ سلاحِكم. إنَّ المستثمرَ الذي يُحجمُ عن بيروت لا يُحجمُ عن لبنانَ العربيِّ أو لبنانَ المتوسّطيّ، بل يُحجمُ عن لبنانَ الذي يملكُ فيه طرفٌ مسلّحٌ حقَّ الذهابِ إلى الحربِ بمعزلٍ عن إرادةِ الجميع. وهذا الإحجامُ هو في حدِّ ذاتِه عقوبةٌ يتحمَّلُها الشيعيُّ أوّلاً قبلَ أن يتحمَّلَها سواه.

ليسَ هذا  المَسارُ بلا أثمانٍ. فمَن يتحوّلُ يتحمّلُ عبءَ التحوّل، ومن يُفاوضُ يتنازلُ عن بعض ما ظنَّه حصناً. لكنَّ البديلَ ليس وهم الصمود المجيد، بل الاستمرارُ في دفعِ فاتورةٍ لحسابِ مَن لم يَعُد يملكُ ما يدفعُه. 

سادساً: في البدائل الموحشة

أمّا إذا آثرتم الانكفاءَ، وقرّرتم اعتبارَ الحال مَحض “نكسةٍ” عابرة، واعتصمتم بخرائبِ ذاك المحور المتهاوي واهمينَ أنَّ في العيش تحت أنقاضِه مَعنىً للصمود، فليكن معلوماً لديكم فداحةُ ما تختارون: إنّكم، في الحقيقةِ، تختارون الحربَ المؤبّدة في مواجهةِ بيئةٍ إقليميّةٍ لم تَعُد تقيمُ وزناً لسرديّتكم المتآكلة، وتختارون جعلَ شيعةِ لبنان رهائنَ دائمينَ لنزاعٍ لم يخطّوا فصولَه ولن يحصدوا فيه غيرَ الرماد. إنّ خياركم هذا، إنّما هو تمثّلٌ لهيئة “الحرسِ الأخير” في إمبراطوريّةٍ مهزومة، يقاتلُ في سبيلِ وليٍّ انحسرَ ظلُّه، لا دامَ ظلُّه.

إنّ التاريخَ، في صرامةِ أحكامِه، لن يُسمّي خياركم هذا مقاومةً ولا ثباتاً، بل هو معركةُ تراجعٍ يائسة في حربٍ طُويت سجلّاتُها، ووُضعت أوزارُها سلفاً.

كلمةٌ أخيرة:

إنّكم، في الحقيقةِ، تختارون الحربَ المؤبّدة في مواجهةِ بيئةٍ إقليميّةٍ لم تَعُد تقيمُ وزناً لسرديّتكم المتآكلة

إنّ لبنانَ، كائنٌ مَرير، قديمٌ، ومُنهك. بيدَ أنّه مَسكونٌ بذاك العنادِ المتأصّلِ في الأمكنةِ الموغلةِ في القِدم. لقد عَبرت تاريخَه، واندثرت، جحافلُ الصليبيّين والعثمانيّين، ومرّ به الانتدابُ الفرنسيُّ والمقامرات العرفاتيّة والوصايةُ السوريّةُ والاحتلالُ الإسرائيليّ، والهيمنة الإيرانيّة، واختبرَ هولَ انفجارِ حُروبه الأهليّةِ، وظلَّ واقفاً بشموخِ رُكامِه الحيّ. وهو، بغيرِ شكّ، سَيبرأُ من خياراتِكم أيضاً، إذ يلفظُ الكيانُ كلَّ ما هو “برّانيٌّ” عن سكينتِه.

البديلُ اليوم ليس في الاستمرارِ في هذه الغيبوبةِ العَصبيّةِ الأيديولوجيّة التي تقتاتُ على تمجيدِ الخراب، بل في مُصالحةٍ شجاعةٍ مع مَنطقِ الدولة. يبقى السؤالُ الوحيدُ الماثلُ أمامَكم: هل تختارونَ أن تكونوا لُبنةً في نواته الباقية وورشةِ انبعاثِه، أم تُصرّون على أن تكونوا العائقَ الأخيرَ في طَريقِ هذا الانبعاث؟

إقرأ أيضاً: نداء من الجسور المقطوعة(1)

البابُ ما يزال مُشرّعاً للعودةِ إلى كَنفِ الجماعةِ الوطنيّة، ولكنّه، ككلِّ فُرصِ التاريخِ الكبرى، لن يبقى مَفتوحاً إلى الأبد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@NadimKoteich

مواضيع ذات صلة

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…

مصر وتركيا: الكابوس الجديد لإسرائيل

عندما حذّر الجاسوس الإسرائيليّ الأميركيّ السابق جوناثان بولارد من أنّ “العاصفة آتية”، ودعا إسرائيل إلى الاستعداد لحرب مستقبليّة قد تكون مع تركيا ومصر بعد إيران،…

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…