هل بات انضمام تركيا إلى التحالف الدفاعيّ الاستراتيجيّ الذي أُبرم أخيراً بين المملكة العربيّة السعوديّة وباكستان قريباً؟ وهل نشهد قيام مثلّث قوّة إسلاميّ يكسر الاحتكار الإسرائيليّ للقوّة، الساعي إلى السيطرة على الشرق الأوسط وبحاره وممرّاته وتفتيت دوله؟ وهل يكون ذلك إيذاناً بانضمام مصر المطوَّقة بزنّار من نار على الرغم من امتلاكها جيشاً قويّاً أم تفضّل أن تبقى “اللاعب الصامت” الذي يساند من الخلف بدل الانضمام العلنيّ؟
بعد إبرام الاتّفاق الاستراتيجيّ بين الرياض وإسلام آباد، عبّرت أنقرة مراراً عن رغبتها في الانضمام إلى التحالف الناشئ، وتكثّفت اللقاءات بين العواصم الثلاث على المستويات الدبلوماسيّة والعسكريّة والأمنيّة، علاوة على تنامي أوجه التعاون فيما بينها.
كشفت أخيراً وكالة “بلومبيرغ” الأميركيّة الموثوقة، نقلاً عن مصادر مطّلعة، أنّ تركيا تتحرّك بخطوات متسارعة للانضمام إلى التحالف السعوديّ–الباكستانيّ، مؤكّدة أنّ المحادثات الثلاثيّة بلغت مراحل “متقدّمة جدّاً”، وهو ما يجعل إعلان انضمام تركيا إلى الاتّفاق الدفاعيّ أمراً وشيكاً.
لفتت الوكالة إلى أنّ هذه التحرّكات الجيوسياسيّة الكبرى في الإقليم قد تؤدّي إلى ترتيبات أمنيّة جديدة من شأنها تعديل موازين القوى في حيّز جغرافيّ شاسع يمتدّ من جبال أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسّط، مروراً بالخليج والبحر الأحمر. ويعكس انضمام تركيا إلى هذا التحالف، في حال تحقّقه، تحوّلاً في توجّهاتها الاستراتيجيّة وسعيَها إلى تنويع شراكاتها الدفاعيّة خارج الإطار الغربيّ التقليديّ.
بعد ابرام الاتّفاق الاستراتيجيّ بين الرياض وإسلام آباد، عبّرت أنقرة مراراً عن رغبتها في الانضمام إلى التحالف الناشئ، وتكثّفت اللقاءات بين العواصم الثلاث على المستويات الدبلوماسيّة والعسكريّة والأمنيّة
التّحالف حاجة ملحّة لحفظ أمن المنطقة
وصف رئيس الوزراء القطريّ السابق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، اتّفاقاً من هذا النوع بأنّه خطوة مهمّة لحفظ أمن المنطقة وتقوية أوضاعها، بما فيها الكيانات العربيّة والإسلاميّة. وشدّد على الحاجة الملحّة إلى قيام مثل هذا التحالف، على أن يشمل مصر وبقيّة دول الخليج أيضاً. وأكّد أهمّية ألّا يُنظر إلى هذا الحلف، من قبل أيّ جهة، على أنّه موجّه بعدائيّة تجاه إيران، باعتبارها دولة إسلاميّة كبرى، داعياً إلى أن يقوم على قواعد وأسس سليمة تضمن له الديمومة والاستمرار، ليبقى تحالفاً فعّالاً يحسب له العالم حساباً في كلّ الظروف، لا فقط في أوقات الأزمات.
اعتبرت صحيفة “ديلي تايمز” الباكستانيّة أنّ انضمام تركيا، ثاني أكبر قوّة عسكريّة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يمنح الاتّفاق الثلاثيّ، في حال توقيعه، ثقلاً استراتيجيّاً أعمق، ويربط القدرات العسكريّة المتطوّرة لأنقرة بالعمق الاستراتيجيّ لكلّ من الرياض وإسلام آباد.
مثلّث القوّة السّعوديّ التّركيّ الباكستانيّ
سيُحدث دخول أنقرة توازناً استراتيجيّاً ثلاثيّ الأبعاد: إذ توفّر السعوديّة المركزيّة الدينيّة، الثقل الاقتصاديّ، والقدرة على التمويل. وتمتلك باكستان القدرات النوويّة والصواريخ البالستيّة والخبرة العسكريّة المتقدّمة، فيما تضيف تركيا قوّة صناعيّة دفاعيّة متطوّرة تشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع، علاوة على خبرة قتاليّة مكتسبة من مسارح عمليّات متعدّدة، إضافة إلى بُعدها الأطلسيّ وموقعها الجغرافيّ الاستراتيجيّ.
يمنح هذا التكامل التحالفَ المحتمل قدرة كبيرة على إعادة رسم معادلات الأمن الإقليميّ في مساحة جغرافيّة واسعة، مع إمكان تمدّد تأثيره إلى ملفّات حسّاسة مثل أمن الممرّات البحريّة، مكافحة الإرهاب، وإدارة الصراعات الإقليميّة، وهو ما قد يؤدّي إلى تشكّل واحدة من أقوى الكتل العسكريّة في الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ، ومن شأنه ان ينضج الربط بين البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسّط في شبكة ردع واحدة، وهو ما تخشاه إسرائيل والغرب معاً.
بحسب المصادر، يقوم هذا التحالف على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُعدّ أيّ هجوم على أحد أطرافه بمنزلة هجوم مباشر على الطرفين الآخرين، مع التزام متبادل لتقديم الدعم العسكريّ والسياسيّ واللوجستيّ اللازم، وهو ما يمنح الاتّفاق بُعداً ردعيّاً قويّاً، ولا سيما في ظلّ التوتّرات الإقليميّة المتصاعدة. لكنّ فعّاليّته تظلّ رهناً برغبة أنقرة في مواجهة الضغط الأميركيّ المباشر أو غير المباشر، وحساسيّة باكستان من أيّ خطوة تُفسَّر استعداءً للغرب أو الهند، علاوة على تباينات أولويّات السعوديّة (الاستقرار أوّلاً) مقابل تركيا (المواجهة والردع).
بحسب المصادر، يقوم هذا التحالف على مبدأ الدفاع المشترك، بحيث يُعدّ أيّ هجوم على أحد أطرافه بمنزلة هجوم مباشر على الطرفين الآخرين، مع التزام متبادل لتقديم الدعم العسكريّ والسياسيّ واللوجستيّ اللازم
دوافع تركيّة للبحث عن مظلّة أمنيّة جديدة
يأتي هذا التحرّك التركيّ في توقيت بالغ الحساسيّة، إذ ترى أنقرة أنّ الاعتماد التقليديّ على الولايات المتّحدة وحلف “الناتو” لم يعد كافياً لحماية مصالحها الاستراتيجيّة، وخصوصاً في ظلّ ما تعتبره انحيازاً أميركيّاً متزايداً إلى إسرائيل، التي بدأت تهدّد المصالح التركيّة في الإقليم. وقد تصاعدت التوتّرات بين الطرفين في ملفّات سوريا، الصومال، السودان، والبحر الأحمر، إضافة إلى توظيف إسرائيل للورقة الكرديّة الشديدة الحساسيّة بالنسبة لأنقرة.
تسعى تركيا، عبر هذا التحالف المحتمل، إلى تعزيز قدرتها الردعيّة وتوسيع هامش استقلالها العسكريّ، بعيداً عن القيود السياسيّة التي تفرضها تحالفاتها الغربيّة، ولا سيما بعد سنوات من التوتّر المتكرّر مع واشنطن.
على الرغم من أنّ العلاقات التركيّة–السعوديّة شهدت في مراحل سابقة قدراً من البرود والجفاء، عرفت خلال السنوات الأخيرة تقارباً واضحاً، مدفوعاً بتقاطع المصالح الاقتصاديّة والأمنيّة، وبرز التعاون المشترك في الملفّات السوريّة والسودانيّة والصوماليّة.
في المقابل، تحتفظ أنقرة بعلاقات سياسيّة وعسكريّة وثيقة مع إسلام آباد منذ عقود، شملت التفاهم في الملفّ الأفغانيّ، تحديث أسطول الطائرات المقاتلة من طراز F-16، بناء سفن حربيّة، وتبادل الخبرات في مجال الطائرات المسيّرة، وهو ما يمهّد الأرضيّة لتعاون أعمق وأكثر تنظيماً.
القلق من تداعيات أيّ انهيار إيرانيّ
علاوة على الاستباحة الإسرائيليّة المتواصلة لاستقرار المنطقة، ما يجري اليوم في إيران من توتّرات داخليّة، مقرونة بتهديدات إسرائيليّة وأميركيّة بإسقاط نظام الحكم في طهران أو شنّ حرب واسعة ضدّها، من شأنه دقّ جرس الإنذار في أنقرة وإسلام آباد والرياض، التي يجمعها فضاء جغرافيّ مشترك مع إيران، فأيّ انهيار أو فوضى داخل إيران، أو تصاعد للتوتّرات الإثنيّة في الدول المجاورة، قد يطرق أبواب هذه الدول سريعاً.
لسنا أمام تحالف يولد من فائض قوّة، بل من فائض تهديد. وفي عالم يُعاد تشكيله بقواعد القوّة المجرّدة، لا يعني الحيادَ غيابُ تكتّل إقليميّ قادر على الردع، بل يعني الوقوعَ في مرمى إعادة التفكيك
تشترك إيران مع تركيا في القضيّتين الكرديّة والأذريّة، اللتين قد تتجاوزان الحدود في حال تفجّرت فوضى داخليّة أو حدثت تدخّلات خارجيّة. وتتقاطع مع باكستان في الملفّ الأفغانيّ، قضيّة البلوش، وخطوط إمداد الغاز والموانئ. أمّا المملكة السعوديّة، فإنّ أيّ حريق إيرانيّ محتمل قد تمتدّ ألسنته إليها عبر العراق والأحواز، إضافة إلى ارتباط أمنها المباشر بالخليج ومضيق هرمز وخطوط الإمداد والتجارة وأسواق النفط.
يمثّل دخول أنقرة في هذا الحلف تحوّلاً جوهريّاً في موازين القوى لأسباب عدّة، أبرزها:
- تكامل المصالح: تقاطع مصالح الدول الثلاث في مناطق حيويّة تشمل جنوب آسيا، الشرق الأوسط، وإفريقيا، بما يوفّر غطاءً أمنيّاً واسع النطاق.
- تعزيز الأمن القوميّ والردع الذاتيّ بعيداً عن الاعتماد الكلّيّ على القوى الدوليّة التقليديّة، التي تحوم حول موثوقيّتها تساؤلات متزايدة.
إقرأ أيضاً: تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟
قد يتجاوز هذا التفاهم إطار المثلّث إلى مشهد أوسع من إعادة التموضع الاستراتيجيّ والردع المؤسّسيّ، حيث تتداخل حسابات الردع النوويّ وتوازنات القوى في الشرق الأوسط وآسيا عموماً، في زمن التحوّلات الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار أنّ التحالف، في مرحلته الأولى، أمنيّ – دفاعيّ وظيفيّ غير أيديولوجيّ، هدفه الردع ومنع الانهيارات لا الدخول في حروب مفتوحة.
لسنا أمام تحالف يولد من فائض قوّة، بل من فائض تهديد. وفي عالم يُعاد تشكيله بقواعد القوّة المجرّدة، لا يعني الحيادَ غيابُ تكتّل إقليميّ قادر على الردع، بل يعني الوقوعَ في مرمى إعادة التفكيك. من هنا، لا يكون السؤال: هل يقوم هذا المثلّث، بل متى وبأيّ شروط ومن سيلتحق به… ومن سيتأخّر حتّى يدفع الثمن؟
