أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

مدة القراءة 5 د

لم نتشائم بما فيه الكفاية حين قتلوه. لم نكن ندرك أي فاجعة هي تلك التي حفرت عميقًا في خاصرتنا وفي ناصية البلاد. عرفنا متأخرين أن الرجل الذي هوى كان بمثابة حجر الزاوية. عامود الخيمة. آخر السدود قبل الطوفان الكبير. كان نعشه أثقل النعوش. وكانت أكتافنا ترتجف.

 

قطفوا رفيق الحريري في عزّ توهجه. في قمة نضوجه. قتلوه حين التقط الخلاصات الحاسمة. وكان قتله فظيعًا. تمامًا كما لو أن القاتل أراد أن يفتك الفكرة لا أن يشطب الشخص. والفتك هنا ليس انفجارًا أحرقه وأحرق موكبه، بل زلزالاً سُجل عند أعلى مؤشرات ريختر. وظلت ارتداداته تتلاحق على مدى عقدين من الزمان.

وجوه الفاجعة لا تُحصى، لكن أكثرها إيلامًا تبلور ضمن مسارين منفصلين ومتقاطعين: كارثة الاغتيال بمضامينها اللبنانوية العميقة. والاستهداف الممنهج لطائفة وازنة وهي في طور حسم خياراتها الوطنية. كان قرار التصفية ضربة هائلة متشعبة الأهداف. وكانت التداعيات أكبر بكثير من القدرة على الحصر أو الفهم أو التطويق.

قطفوا رفيق الحريري في عزّ توهجه. في قمة نضوجه. قتلوه حين التقط الخلاصات الحاسمة. وكان قتله فظيعًا. تمامًا كما لو أن القاتل أراد أن يفتك الفكرة لا أن يشطب الشخص

نبوغةٌ عز نظيرها

بدا في مطلع القتل أنه الثمن الطبيعي للاستقلال المؤكد. وأن دم رفيق الحريري هو ديّة استكمال اتفاق الطائف لجهة إخراج سوريا وجيشها من لبنان. وبدا أيضًا أن الخشونة المباغتة والمفرطة ساهمت على نحو مباشر في ارتصاف داخلي وعربي ودولي يصب حتمًا في مصلحة البلاد، وفي استعادة الحيوية السياسية المفقودة بعد عقود من الرتابة والانصياع. لكن النتائج المتراكمة أتت بخلاف ذلك، وأظهرت أن العقل البارد الذي اتخذ قرار التحييد كان يرى أبعد بكثير من ما نرى.

كان رفيق الحريري، من حيث يدرك أو لا يدرك، حجر عثرة في طريق المشروع الكبير، وكان شطبه موازيًا ومكمّلاً لإسقاط بغداد، وأساس حتمي لإسقاط بيروت وإلحاقها بفكرة السيطرة على عواصم وحواضر العرب، وهذا ما صارت إليه الأمور بالتمام والكمال.

في الشق الداخلي، شكّل رفيق الحريري التجسيد الفعلي والعملي لنبوءة ميشال شيحا ونظرياته، حيث استبدل التغيير الجذري والصادم بالتراكم الهادئ والعميق، وتحرك برشاقة موصوفة ضمن إطار الممكن والمتاح، وهذا ما رفعه من مرتبة الزعيم التقليدي إلى مصاف القادة التاريخيين، أولئك الذين يُسهمون في اجتراح نقلات نوعية وفق ما تفرضه الظروف ويفرضه الواقع، لا استنادًا إلى شعبويات أو عصبيات، ولا انطلاقًا من طروحات كاسرة لا تستوي في بلاد فائقة الحساسية وشديدة التعقيد.

بهذا المعنى، استطاع رفيق الحريري أن يجعل من الحريرية المتكاملة مرادفًا مطابقًا للهوية الوطنية المشتهاة، وهذه نبوغة عزّ نظيرها، على اعتبار أن كل التجارب الموثّقة التي حاولت أن تدلو بدلوها ضمن هذا السياق، أصيبت عاجلاً أم آجلاً بخيبات أمل، فاندثرت واختفت، أو ارتدت في أحسن الأحوال إلى مربعها الأول، مع إدراك عميق بأن هذه البلاد عصية على الطوباوية السياسية بمقدار استعصائها أمام الكسر والخلع.

كان رفيق الحريري، من حيث يدرك أو لا يدرك، حجر عثرة في طريق المشروع الكبير، وكان شطبه موازيًا ومكمّلاً لإسقاط بغداد، وأساس حتمي لإسقاط بيروت

ارتباكٌ وضياعٌ وصقيع

مشي رفيق الحريري بين البينين بسلاسة منقطعة النظير. وحمل معه كثرة كاثرة من السنّة الذين وجدوا فيه ضالتهم. كان جسر عبورهم من المفهوم العشوائي للأمة والعدد والمدد، إلى اللبنانية المجردة التي لا تتصادم مع تطلعاتهم بل تتكامل، والتكامل هنا ليس في القول الموارب إن لبنان ذو وجه عربي، بل هو من صلب العرب الأقحاح، لكن عروبته لا تُلغي فرادته، ولا تتجاوز كينونته، ولا تتخطى دوره ورسالته.

لكل هذا وأكثر، كان رفيق الحريري الفكرة الأكثر دفئاً التي ركن اليها سنة لبنان في تاريخهم، ولذلك هم يرتجفون منذ خسارته. لا يستند الارتجاف الى قلق أو وجل. بل الى لايقين عميق. وكأن الرجال حين يصيرون بحجم الجبال في حضورهم، يظلون كذلك حين يغيبون، وليس يملأ فراغهم إلا الارتباك والضياع والصقيع.

إقرأ أيضاً: المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

ترجل رفيق الحريري بعد رحلة اسطورية في مسار لم يبلغه أحد. حاول على قدر استطاعته أن ينتشل هذه البلاد من لعنة الجغرافيا ولعنة التاريخ. لكن يد القاتل كانت أقرب إلى الزناد. أردوه على الفور. ليس باعتباره حالمًا أو واهمًا يبحث عن موطئ قدم. بل لكونه فكرة مبتكرة وجليلة قد تصير مُعدية إذا قُدّر لها أن تعيش. ولذلك كان لا بد من فتكها على النحو الذي فُتكت به، والمستفيدون هنا لا يُعدون ولا يُحصرون، واحدٌ منهم هو ذلك الذي أفتى بإحراقه عبر طنين من المتفجرات.

دخل لبنان غرفة الانعاش حين غاب رفيق الحريري. صارت البلاد مذاك حزينة ومعقودة الحاجبين. يُثلج قلبها أن يهرب السفاح من دمشق. ويجبر خاطرها أن يذهب القتلة إلى حتفهم، وأن يتقلّب المرشد فوق صفيح مشتعل. لكن عطشها لا يرتوي، وجرحها لا يندمل، ومصابها المستدام لا ينتهي إلا حين تعثر في كومة القش على رفيق جديد.

مواضيع ذات صلة

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

تمتدّ على واجهة بيروت البحريّة بضعة كيلومترات مربّعة هي بين الأغلى في الشرق الأوسط. أراد الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي رهن حياته وإرثه للنهوض بلبنان،…

رفيق الحريري: وصفة سعوديّة لاستقرار لبنان

21 عاماً مرّت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تغيّر العالم، تغيّرت المنطقة، وتغيّر لبنان. تعود الذكرى مرّة أخرى لتعيد للّبنانيّين حنيناً إلى دولة ما يزالون…

ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرّئيس؟

لا تسألنا ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرئيس. الحقيقة أنّنا لم نفعل شيئاً. ما زلنا نحن والوطن كما تركتنا منذ 21 عاماً. لم نُضِف…

احذروا نتنياهو الجريح!

بدا اجتماع البيت الأبيض بين رئيس الوزراء الإسرائيليّ والرئيس الأميركيّ نسخة صامتة من اجتماعهما الشهير في المكتب البيضاوي العام الماضي الذي أعلن فيه ترامب انطلاق…