عيب!

مدة القراءة 3 د

حكمت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يوم الخميس، غيابيّاً، على عضوين في حزب الله الإرهابيّ، وهما حسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي، بالسجن المؤبّد مدى الحياة بعد إدانتهما باغتيال الشهيد رفيق الحريري.

قالت رئيسة المحكمة إيفانا هردليكوفا إنّ “غرفة الاستئناف قرّرت بالإجماع الحكم على مرعي وعنيسي بالسجن المؤبّد”، وأضافت أنّ الرجلين كانا “يدركان تماماً أنّ الاعتداء المخطَّط له وسط بيروت سيقتل رفيق الحريري وآخرين”.

وأكّدت أنّ الإرهابيَّين تصرّفا مع سبق الإصرار، وتمّت إدانتهما بجرائم “شديدة الخطورة” و”شنيعة تماماً أدّت إلى إغراق الشعب اللبناني في حالة من الرعب”. وهذا هو الحاصل حتى الآن في لبنان.

صحيح أنّ هذا ليس الحكم الأوّل على حزب الله في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري. ونعم يعرف الجميع أنّ الحزب هو مَن قتل الحريري

على إثر هذا الحكم لم نرَ تغطيات إعلامية مكثّفة، عربيّاً، تذكّر الرأي العامّ العربي بأنّ حزب الله إرهابيّ، وأنّه هو قاتل الشهيد رفيق الحريري، وهو، أي الحزب، الذي اختطف لبنان إلى المجهول، وضرب سلمه الأهليّ ضربةً لا تزال عواقبها الوخيمة ماثلة للعيان.

لم نسمع، ولم نرَ، سلسلة إدانات غربية، وحتى عربية، وكلّ ما رأيناه هو بيان صادر عن السعودية فقط، حتى كتابة هذا المقال. يُقال إنّ هناك بياناً أميركياً، وقد حاولت جاهداً البحث عنه، لكن لم أجده.

لم نسمع أصوات مدّعي حقوق الإنسان في منطقتنا، وأقول مدّعين لأنّهم إمّا ثلّة “إسلاميّين” يتلبّسون بلباس حقوق الإنسان، كحال الإخوان المسلمين، أو بقايا قوميّين عرب آخر همّهم الأمن العربي أو قيادات التغيير العربية الحقيقية مثل رفيق الحريري رحمه الله.

لم نسمع أيضاً أصوات مدّعي حقوق الإنسان في الغرب، ولا سُذّج اليسار هناك، ولم نرَ تظاهرات تطالب بإنقاذ لبنان من الحزب الإرهابي، ولا مطالبات بالاقتصاص من إرهابيّي الحزب الذين قتلوا رفيق الحريري.

لم نسمع كلاماً من الفرنسيّين الذين يرون حزب الله الإرهابي مكوِّناً لبنانيّاً، ولا من الأوروبيّين الذين يتحرّكون لأتفه الأمور، بينما يصمتون ويتقاعسون عن المطالبة بالاقتصاص من حزب الله الإرهابي الذي اغتال رجلاً كان يواجه السلاح الإيراني بالبناء والتعليم.

صحيح أنّ هذا ليس الحكم الأوّل على حزب الله في قضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري. ونعم يعرف الجميع أنّ الحزب هو مَن قتل الحريري، ولم يفعلها الحزب وحيداً، بل بدعم من رعاته في طهران ودمشق.

ونعم ليست جرائم حزب الله بالسرّ، لكنّ الصمت حيالها والتعامل معها كخبر عابر هما أمر معيب، ودليل على عدم صدقيّة مدّعي حقوق الإنسان بمنطقتنا والغرب، ودليل على عدم الاكتراث بدم رجل عمّر وأفنى عمره من أجل استقرار بلاده والمنطقة.

هذا الصمت المعيب هو بمنزلة الضوء الأخضر لطهران ودمشق وأعوانهما، وأبرزهم حزب الله في لبنان وآخرون في العراق، لمواصلة اغتيال رجال الدولة، وكلّ مَن يطالب باستقلال الدولة، والحفاظ على هيبتها، أيّاً كانت هذه الدولة.

إقرأ أيضاً: الحوار المعطّل

هذا الصمت المعيب دليل على انتقائيّة مفضوحة في التعامل مع ملفّات المنطقة من قبل مدّعي حقوق الإنسان، وجلّ الإعلام الغربي، ووكالات الأنباء الغربية التي تقوم ببثّ خبر محكمة رفيق الحريري وكأنّه خبر قطع إشارة، وليس جريمة فادحة.

لذلك نقول لكلّ هؤلاء: “عيب، إذا كنتم تعرفون العيب أصلاً”.

 

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…