قضية عدنان الزراعي: الدراما السورية في ملفّ “قيصر”

مدة القراءة 3 د

في شباط 2012 اعتقل نظام الأسد كاتبَ السيناريو السوري عدنان الزراعي. وفي حزيران 2020 ظهرت صورةٌ، من بين آلاف الصور التي سرَّبها المصوّر المنشقّ “قيصر” لمعتقلين قضوا تحت التعذيب، قال العديد من أصدقاء الزراعي إنّها تعود له، بينما نفى آخرون ذلك.

وسواء كانت تلك الصورة للزراعي فعلاً، أم لم تكن له، فإنَّ ذلك لا يُغيّر شيئاً من حقيقة أنّه ثمَّة في سوريا كاتب سيناريو يغيب في أفظع المعتقلات البشرية، لأكثر من ثماني سنوات، بسبب تعبيره عن رأيه السياسي.

والحقّ أنَّ قضية الزراعي، التي يجب علينا كزملاء له التذكير بها دائماً، تصلح لأن تكون نقطةَ تقاطع تلتقي عندها العديد من القضايا السورية الشائكة، وعلى رأس تلك القضايا موقف “الفنانين” السوريين الذين مثَّلوا المسلسلات التلفزيونية التي ألَّفها لهم هذا الكاتب.

فباستثناء ما قاله بعض الفنَّانين المعارضين من إدانةٍ لجريمة التغييب القسري، لم يصدر أيّ تعليق من بقيَّة “الفنَّانين” الذين مثَّلوا مسلسلات الزراعي وعملوا معه وعرفوه عن قربٍ أكثر من سواهم!

الحقّ أنَّ قضية الزراعي، التي يجب علينا كزملاء له التذكير بها دائماً، تصلح لأن تكون نقطةَ تقاطع تلتقي عندها العديد من القضايا السورية الشائكة، وعلى رأس تلك القضايا موقف “الفنانين” السوريين الذين مثَّلوا المسلسلات التلفزيونية التي ألَّفها لهم هذا الكاتب

وحتّى باعتبارهم مؤيّدين لنظام الأسد، لا يمكنهم الادّعاء بأنَّ صمتهم التامّ عن جريمة تغييب زميلهم، ينمُّ عن “موقف سياسي”، بقدر ما يعبّر عن انحطاط إنساني وأخلاقي يَجري مجرىً مشابهاً لذاك الذي سَلَكَه جلَّادو الزراعي ومعذّبوه.

بعض هؤلاء “الفنَّانين” لم يكتفِ بالصمت والتواطؤ، بل إنّه شارك في صنع اسكتشات تلفزيونية تسخر من ضحايا القصف والتعذيب والاعتقال!

الممثّلة الشهيرة أمل عرفة، والتي سبق لها أن مثَّلتْ بعضاً مما كتبه عدنان الزراعي، لعبتْ دور البطولة في اسكتش تلفزيوني مبتذل، عُرِضَ سنة 2019، يسخر من ضحايا مجزرة الكيمياوي معتبراً المجزرة مجرَّد تمثيلية! (مسلسل “كونتاك” على قناة “لنا”).

وغيرُها فعل مثلها، وشارك في أعمال أُخرى استعملتْ صور “قيصر” في سياق معاكس للحقيقة، مثلما فعل مسلسل “مقابلة مع السيّد آدم” الذي تعمَّد استخدام صورة الشهيدة تحت التعذيب رحاب علَّاوي على أنّها صورة لشابَّة مصرية قُتِلتْ في سوريا بهدف سرقة أعضائها!

بعض هؤلاء “الفنَّانين” لم يكتفِ بالصمت والتواطؤ، بل إنّه شارك في صنع اسكتشات تلفزيونية تسخر من ضحايا القصف والتعذيب والاعتقال!

إنَّ الدراما السورية التي انفضحت ماهيَّتها كأداة دعائية في يد النظام، واكبت الجرائم الأمنية بجرائم فنّية جعلت الكاميرا لا تختلف، لجهة استعمالها، عن الكرباج والدولاب وكرسي التعذيب.

لا نعرف إذا ما حصلتْ معجزةٌ سمحت لعدنان الزراعي بمتابعة موقف زملائه وهو في سجنه. بل إنّنا لا نعرف أصلاً إذا ما كان عدنان الزراعي ما يزال على قيد الحياة لنتمنَّى له السلامة والحرّية، أو أنّه قد قضى فعلاً لنتمنَّى له السلام في قبره.

إقرأ أيضاً: معتقلات الخبز

الحياة التي عاشها الزراعي قبل اعتقاله ربما شابهت، في قِصَرِها، اسكتشاته اللاذعة والقصيرة. اشتُهر للزراعي اسكتش في مسلسل “بقعة ضوء” حمل عنوان “الرجل البخَّاخ”. استلهم فكرته، بعد اندلاع الثورة، بعضُ الشباب في سوريا، فراحوا يتلثَّمون ويبخُّون الجدران بالشعارات تماماً كما كان يفعل “الرجل البخَّاخ” في المسلسل.

أمَّا افتضاح موقف زملاء عدنان الزراعي تجاه قضيته، فيمكن اعتباره الاسكتش الأخير الذي اختتمَ به رحلة الكتابة.

 

مواضيع ذات صلة

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

تمتدّ على واجهة بيروت البحريّة بضعة كيلومترات مربّعة هي بين الأغلى في الشرق الأوسط. أراد الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي رهن حياته وإرثه للنهوض بلبنان،…

رفيق الحريري: وصفة سعوديّة لاستقرار لبنان

21 عاماً مرّت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تغيّر العالم، تغيّرت المنطقة، وتغيّر لبنان. تعود الذكرى مرّة أخرى لتعيد للّبنانيّين حنيناً إلى دولة ما يزالون…

ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرّئيس؟

لا تسألنا ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرئيس. الحقيقة أنّنا لم نفعل شيئاً. ما زلنا نحن والوطن كما تركتنا منذ 21 عاماً. لم نُضِف…

أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

لم نتشائم بما فيه الكفاية حين قتلوه. لم نكن ندرك أي فاجعة هي تلك التي حفرت عميقًا في خاصرتنا وفي ناصية البلاد. عرفنا متأخرين أن…