في أميركا… “إسرائيل أوّلاً”

مدة القراءة 8 د

العلاقات بين الدول في النظام العالمي في خانة، والعلاقات بين أميركا وإسرائيل في خانة أخرى مختلفة، لا شبيه لها في السياسة الدولية، إلى حدّ أنّ التساؤل مشروع: مَن حليف مَن في هذه المعادلة التي تشمل السياسة والاقتصاد والعسكر والأمن والمساعدات الثابتة والظرفية، مع العلم أنّه منذ 2021 تشارك إسرائيل في العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط في إطار CENTCOM؟

إذاً تأتي هذه العلاقة غير المعهودة لمصلحة إسرائيل وليس الدولة العظمى. “أميركا أوّلاً” في كلّ مكان في شرعة الرئيس دونالد ترامب باستثناء حالة واحدة هي إسرائيل. أميركا ليست بحاجة إلى إسرائيل لبسط نفوذها في المنطقة والعالم، إذ لديها قواعد عسكرية ضخمة وتربطها علاقات استراتيجيّة مع تركيا وقبرص (وفي الماضي مع إيران الشاه). فما الذي تقدّمه إسرائيل للولايات المتّحدة وهو غير متاح لها في دول المنطقة ومحيطها؟

 

بعيداً من الأيديولوجية وسرديّات المؤامرة، هل مصالح أميركا في الشرق الأوسط تكمن في الارتباط الوثيق بإسرائيل أم بالعرب وسواهم؟

في المصالح الاقتصادية والماليّة، لا مجال للمقارنة بين ما تقدّمه الأسواق العربية للصادرات الأميركية، ومنها السلاح المتطوّر وشركات النفط العملاقة، وبين ما تقدّمه إسرائيل. وفي الإطار الإقليمي، هل استعانت واشنطن بإسرائيل في حرب تحرير الكويت أو في اجتياح العراق في 2003؟ وماذا كان دور إسرائيل في مفاوضات واشنطن مع حركة “طالبان” التي تمّت في قطر، أو المفاوضات لإنهاء النزاع بين روسيا وأوكرانيا برعاية سعوديّة؟

أمّا بخصوص التصدّي للإرهاب فالمسألة شائكة بسبب تعدّد المفاهيم والخلفيّات في السياسة الأميركية. صنّفت واشنطن منظّمة التحرير الفلسطينية إرهابية إلى حين عقد اتّفاق أوسلو في 1993، وتفاوضت مع “طالبان” المصنّفة إرهابية عندما دعت الحاجة. لكن واقعياً مَن له مصلحة في التصدّي للإرهاب أكثر من الدول العربية المعنيّة والمناوئة للحركات الإسلامية المتطرّفة؟ ينطبق مفهوم إسرائيل للإرهاب على الفلسطينيين وداعميهم، بينما الإرهاب في العالم العربي يستهدف دولاً ومجتمعاتٍ باسم دين الحكّام والمحكومين.

طوفان الأقصى قابله طوفان إسرائيلي أقصى. وسرعان ما انقلبت المعادلات في السياسة والميدان في فلسطين ولبنان وسوريا والمنطقة

إيران ملفّ ضاغط

المسألة الضاغطة راهناً هي إيران. إيران تتفاوض مع أميركا وتبدي مرونة تحت الضغط، وفي حال لم تلتزم المعايير المطلوبة في مشروعها النوويّ، فماذا ستفعل أميركا أو إسرائيل؟ الرئيس ترامب لا يريد الحرب الشاملة مع إيران، بينما إسرائيل تسعى إليها، وهي المستفيد الأوّل من الفوضى الإقليمية وليس واشنطن.

لا مبالغة في القول إنّه لا تفسير منطقيّاً ومقنِعاً لطبيعة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية لجهة معادلة الربح والخسارة المعهودة في العلاقات الدولية. إنّها حالة غير مسبوقة إن في حقبة الإمبراطوريّات أو مع الدول المعاصرة. باختصار، أميركا “تدفع” عمليّاً وإسرائيل تجني الأرباح وبلا مردود وازن أو تبرير مجدٍ.

أميركا

لم تكن إسرائيل دائماً في موقع “الولد المدلّل” في السياسة الأميركية. بدايةً جاءت المحطّات التاريخية الفاصلة في مسار الحركة الصهيونية بدعم بريطاني مع إعلان وعد بلفور في 1917 والانتداب في فلسطين، ثمّ الاعتراف الدوليّ بالدولة في 1948، وصولاً إلى دور فرنسا في بناء قدرات إسرائيل النووية في الخمسينيات، بالإضافة إلى الدعم الألمانيّ تعويضاً عن الإبادة الجماعية زمن النازيّة.

جاء التحوّل الحاسم في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بعد حرب 1967 وهزيمة العرب المدوّية. استطاعت إسرائيل أن توظّف نفوذ داعميها واستحضرت التاريخ والدين من أجل رفع العلاقات من مصافّ القيمة المعنوية (moral asset) إلى القيمة الاستراتيجية (strategic asset). هكذا اكتسب اللوبي الأميركي الداعم لإسرائيل قضيّةً تتجاوز التعاطف والحماية لتصل إلى المصالح الحيوية للدولة العظمى.

صحيح أنّ واشنطن أجبرت إسرائيل على التراجع بلا شروط في حرب 1956، إلّا أنّها أصبحت الداعم الأوّل لها في المجالات كافّة بعد 1967. سوّقت إسرائيل أنّها تستحقّ هذا الدعم ليس فقط لأنّها الأقوى عسكريّاً ويمكن الاتّكال عليها، بل لأنّها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. وبالتالي هي الشبيه الأقرب لأميركا في منطقة تحكمها أنظمة سلطوية وجيوش تستقوي على معارضيها في الداخل. وما أعطى إسرائيل دفعاً إضافيّاً هو أنّ لداعميها قضيّة واحدة وهدفاً واضحاً، بينما للعرب قضايا مختلفة وأولويّات متباينة.

إيران تتفاوض مع أميركا وتبدي مرونة تحت الضغط، وفي حال لم تلتزم المعايير المطلوبة في مشروعها النوويّ

تدفّق المساعدات بعد حرب 1973

تعزّزت العلاقات بين أميركا وإسرائيل بعد حرب 1973 لأسباب أخرى مغايرة لمرحلة ما بعد 1967. فائض القوّة في 1967 قابله هاجس الخوف من الهزيمة في 1973، فأتت المساعدات الأميركية سريعاً عبر جسر جوّي ومال وفير، فاستعادت إسرائيل التوازن العسكري على الجبهات. جاء الموقف العربي الجامع في 1973 لتوظّفه إسرائيل لمصلحتها. والمقصود هنا أزمة الطاقة العالمية بعد موقف السعودية بقيادة الراحل الملك فيصل بحظر تصدير النفط ثمّ ارتفاع الأسعار الكبير الذي سارت به دول “أوبك” المصدّرة للنفط، ومن بينها حلفاء لأميركا. لكن في الإعلام الغربي وقعت الملامة عن الأزمة الاقتصادية العالمية على السعودية والعرب وليس إسرائيل المحتلّة.

بعد حرب 1973 ونتائجها الملتبسة ذهبت مصر وسوريا كلّ في طريقه إثر محادثات فكّ الارتباط على الجبهتين، ولاحقاً عُقدت معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل في 1979 وساد هدوء كامل في الجولان المحتلّ، وبالتالي خرجت مصر رسميّاً وسوريا عمليّاً من النزاع العربي – الإسرائيلي، بينما احتدمت المواجهات في جنوب لبنان. وفي هذه الأثناء لم تهدأ إسرائيل: دمّرت المشروع النووي في العراق وضمّت الجولان في 1981 واجتاحت لبنان في 1982 وأخرجت التنظيمات الفلسطينية.

جاءت الثورة في إيران وأصبحت قضيّة جديدة أضيفت إلى أجندة اللوبي الصهيوني في أميركا: التصدّي لإيران الإسلامية المعادية لأميركا والغرب وإسرائيل والداعمة للإرهاب، علاوة على طموحاتها النووية. ساهمت هذه التطوّرات في وضع إسرائيل في مكانة الحليف الاستراتيجي للولايات المتّحدة بمواجهة إيران، خصوصاً بعد اعتداءات 11 أيلول والمواجهات مع “داعش”.

العلاقات بين الدول في النظام العالمي في خانة، والعلاقات بين أميركا وإسرائيل في خانة أخرى مختلفة، لا شبيه لها في السياسة الدولية

هدايا مجّانيّة

إلى ذلك، تلقّت إسرائيل هدايا مجّانية بلا عناء: الحرب بين العراق وإيران واجتياح العراق للكويت وحرب تحريرها. وعندما استهدف صدّام حسين إسرائيل بالصواريخ ولم تردّ، زوّدتها واشنطن بسلاح متطوّر مكافأة لصبرها. هديّة أخرى قدّمتها واشنطن بلا مقابل، وهي اعتراف ترامب بالقدس عاصمة الدولة وبالجولان أرضاً إسرائيلية، في خطوة رفضها الحلفاء ولم تُفِد أميركا بشيء، حتّى من باب الصفقات التي تستهوي ترامب. ثمّ جاء مشروع التطبيع “الإبراهيمي” ليصبّ الزيت على النار، إلى أن جرفه الطوفان.

طوفان الأقصى قابله طوفان إسرائيلي أقصى. وسرعان ما انقلبت المعادلات في السياسة والميدان في فلسطين ولبنان وسوريا والمنطقة. إلّا أنّ بنيامين نتنياهو لم يتأثّر وظلّ الخطيب المفوّه في الكونغرس في تحدّ مباشر لرئيسين أميركيَّين. ولم تستبعد إسرائيل استغلال مصالح أميركا الحيويّة لخدمة مصالحها في عمليّة تجسّس قام بها اليهودي الأميركي جوناثان بولارد في سلاح البحريّة الأميركية، ولم تتردّد بقصف بارجة أميركية في المتوسّط في 1967 وقتل طاقمها “عن طريق الخطأ”، كما زعمت.

نظام اللّوبيات

في الخلاصة، فائض القوّة في إسرائيل والدعم الأميركي المفتوح نقلا الهدف الإسرائيلي من الحقّ بالوجود (right to exist) في زمن مضى إلى الحقّ بالإبادة الجماعية. مفتاح نجاح إسرائيل في حمل أميركا على تبنّي مواقفها الأكثر تطرّفاً والسير وفق مرادها يكمن في النظام السياسي الأميركي المبنيّ على اللوبيات، وأنجحها اللوبي الصهيوني، وفي التركيز على قضيّة واحدة جامعة، الذي يقابله تشتّت الموقف العربي ومن ضمنه الفلسطيني.

إقرأ أيضاً: صفقة واحدة وثلاثة أولياء

أمّا اليوم فتُضاف إلى نفوذ إسرائيل الكبير في الكونغرس مواقف ترامب المزايِدة على طموحات نتنياهو التوسّعية، لا تجاه الفلسطينيين والعرب فحسب، بل في الصراع على السلطة داخل إسرائيل، لتخدم إسرائيل على حساب المصالح الأميركية. فماذا تربح أميركا من الالتصاق الكامل بإسرائيل الساعية إلى القضاء على حلّ الدولتين الذي سار به رؤساء أميركا منذ 1967؟ الجواب مؤجّل، وقد يأتي بعد حين في حال الصدام غير المستبعد بين ترامب ونتنياهو.

 

* أستاذ جامعي وسفير سابق.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…