أميركا وإيران: من الصّبر الاستراتيجيّ إلى لحظة الحسم

مدة القراءة 6 د

بين أميركا وإيران هوّة كبيرة ازدادت اتّساعاً منذ 1979 إلى اليوم. إيران دولة طامحة لدور القوّة العظمى في المحيط الإقليميّ. أميركا دولة عظمى ذات قدرات سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة واسعة. قبل الثورة الإسلاميّة، تحالفت إيران مع أميركا وأقامت علاقات وطيدة مع عدد من دول المنطقة، منها إسرائيل، واختلفت مع دول أخرى، لا سيما العراق.

 

في المعسكر الغربيّ كانت لإيران مكانتها ونفوذها، إلّا أنّها لم تحمل أجندة أيديولوجيّة معدّة للتصدير. لكن مع الثورة الإسلاميّة أطاحت إيران التوازنات الإقليميّة بامتداداتها الدوليّة.

في السنوات الأخيرة، وطّدت إيران علاقاتها مع روسيا والصين، لا سيما في المجال العسكريّ، وهادنت المملكة السعوديّة. من جهتها، انتقلت تركيا من الإمبراطوريّة إلى الدولة الوطنيّة وتحالفت مع أميركا وتقرّبت من أوروبا. تبدّلت الأوضاع مع الرئيس رجب طيب إردوغان فانتقلت تركيا من “صفر مشكلات” مع المحيط المباشر إلى طموحات كبرى في المنطقة وخارجها. أمّا في العالم العربيّ فالخلافات والطموحات أخذت مداها وظلّت في السياق القوميّ.

في المعسكر الغربيّ كانت لإيران مكانتها ونفوذها، إلّا أنّها لم تحمل أجندة أيديولوجيّة معدّة للتصدير. لكن مع الثورة الإسلاميّة أطاحت إيران التوازنات الإقليميّة بامتداداتها الدوليّة

الفرصة الذّهبيّة في لبنان؟

في المقابل، حملت إيران الإسلاميّة لواء الثورة الدينيّة بخلفيّة قوميّة (فارسيّة). خاصمت بداية الاتّحاد السوفيتيّ وأميركا. أعلنت العداء لإسرائيل واصطدمت بالعراق. بعد الثورات الحديثة، العلمانيّة أو الملحدة، جاءت ثورة إيران بأبعادها الدينيّة علامة فارقة وقوّة دافعة في العالمين العربيّ والإسلاميّ. ساهمت ظروف ملائمة في تحصين الثورة الناشئة، لا سيما الحرب التي شنّها صدّام حسين. العدوّ الأمثل لإيران كان حزب البعث الحاكم في العراق، والحليف الأقرب كان حزب البعث الحاكم في سوريا.

أمّا الفرصة الذهبيّة فكانت ساحتها لبنان، لا سيما بعد الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982. مع إنشاء “الحزب” بدعم من الحرس الثوريّ باتت لإيران قاعدة صلبة مرتبطة بولاية الفقيه. وسرعان ما أصبح “الاستثمار” الإيرانيّ في لبنان مشروعاً مجدياً، لا يوازيه سوى التمدّد الإيرانيّ في العراق. في لبنان طوائف ومذاهب متنوّعة الخلفيّات والغايات، بينما في العراق مرجعيّة شيعيّة تاريخيّة في النجف يصعب تجاهلها أو تحييدها. جاءت تطوّرات أخرى لتفتح العراق أمام النفوذ الإيرانيّ: الاجتياح الأميركيّ عام 2003 وسقوط نظام صدّام حسين ولاحقاً التصدّي لتنظيم داعش، ثمّ انسحاب الجيش الأميركيّ من العراق. أمّا دعم إيران لحركتَي حماس والجهاد الإسلامي فتمّ توظيفه للتصدّي للاحتلال في فلسطين ولتمتين “وحدة الساحات”.

ساءت العلاقات بين إيران والمملكة السعوديّة ومصر ودول عربيّة أخرى، بينما تعزّزت مع سوريا، ولم تدُم طويلاً مع ياسر عرفات بعد اتّفاق أوسلو. إلّا أنّ الحدث الفاصل الذي قلب المعادلات كان اعتداءات 11 أيلول في الولايات المتّحدة. أعلنت واشنطن الحرب على الإرهاب في أفغانستان ثمّ في العراق، ووصلت التداعيات إلى إيران. لم تكن إيران شريكة “القاعدة” أو طالبان، لكنّ ملفّ الإرهاب فتح باب تصفية الحسابات أميركيّاً وبمفعول رجعيّ.

وقع الصدام المباشر بين أميركا وإيران في الأيّام الأولى من الثورة جرّاء احتلال السفارة الأميركيّة في طهران واحتجاز أفرادها، وتبعتها عمليّة عسكريّة فاشلة في إيران. وبعد بضع سنوات تمّ تفجير السفارة الأميركيّة في بيروت في عمليّة انتحاريّة غير مسبوقة أدّت إلى مقتل أبرز مسؤولي الاستخبارات الأميركيّة، ثمّ استُهدف مقرّ “المارينز” في بيروت بعمليّة انتحاريّة مماثلة وسقط عدد كبير من الضحايا، وهم في مركز وجودهم وليس في ساحات القتال. إلى ذلك، جرت عمليّات خطف وقتل طاولت مدنيّين وعسكريّين أميركيّين في بيروت. اتّهمت واشنطن إيران بهذه العمليّات، وسلكت طريق الخروج من لبنان بدل الردّ العسكريّ.

حملت إيران الإسلاميّة لواء الثورة الدينيّة بخلفيّة قوميّة (فارسيّة). خاصمت بداية الاتّحاد السوفيتيّ وأميركا. أعلنت العداء لإسرائيل واصطدمت بالعراق

هامش ضيّق وخيارات محدودة

لكن مع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة تبدّلت الحسابات، وازدادت الضغوط جرّاء طموحات إيران النوويّة وتمدّد نفوذها الإقليميّ. إلى ذلك، اندلعت حربا غزّة ولبنان بين إسرائيل وحلفاء إيران. أصبح الصدام بين أميركا وإيران معلناً وأدّى الحشد العسكريّ الأميركيّ قبالة إيران إلى ضغوط قصوى قد تؤدّي إلى مواجهات عسكريّة مكلفة. قد تكتفي واشنطن بتغيير سلوك النظام وتطويقه، بينما تريد إسرائيل إسقاطه. في المحصّلة، لم تعُد أنصاف الحلول قائمة واستنفد رهان إيران على الوقت جدواه.

بعد أكثر من خمسة وأربعين عاماً تبدّلت أوضاع إيران وأميركا على حدّ سواء. سياسات أوباما جرفها ترامب. في عهد أوباما تمّت تصفية بن لادن في مخبئه الباكستانيّ، وفي ولاية ترامب تمّت تصفية قاسم سليماني في بغداد. في التصدّي لإيران تلقى واشنطن دعم معظم الدول الأوروبيّة والعربيّة والإسلاميّة. سقط النظام السوري المتحالف مع إيران وأعادت إسرائيل احتلال جزء من غزّة ولبنان، والحصار قائم في اليمن والمعركة محتدمة في العراق. هكذا حلّت معادلة موازين القوى بديلاً عن القوانين والأعراف حتّى في علاقات واشنطن مع الحلفاء.

إقرأ أيضاً: أذرع إيران لن تنجو..

تبقى الإشارة إلى مفارقة حاسمة: معارضة ترامب يتمّ حسمها في صناديق الاقتراع، والتعبير عنها منبره الإعلام الحرّ، فيما المعارضة في إيران تتمّ مواجهتها بالعنف المفرط. ليست إيران عراق صدّام ولا فنزويلا مادورو، إلّا أنّ فائض القوّة، المتخيّل أو الفعليّ، يستحيل صرفه بلا مخاطر عالية.

لا يسعى ترامب إلى حرب مفتوحة مع إيران، إلّا أنّه لن يتراجع بلا مقابل. من جهتها، تريد إيران فكّ الحصار تمهيداً للتعافي، لكنّ هذا غير ممكن بلا إعادة تموضع مقنعة. يضيق هامش المناورة والخيارات محدودة. “الصبر الاستراتيجيّ” الذي تمارسه إيران بالمماطلة يقابله استعجال الحسم الذي هو سمة سلوك ترامب

مواضيع ذات صلة

مضيق “اللّيطاني” أعقد من مضيق “هرمز”!

لم يعد ملفّ المنطقة في إسرائيل والولايات المتّحدة يندرج تحت بند السياسة الخارجيّة، بل أصبح عنصراً حاكماً في الانتخابات الداخليّة التي ستقرّر حجم قوّة أو…

حزيران 1967 وحزيران 2026

بين الخامس من حزيران 1967، والخامس من حزيران 2026، مرّت تسعٌ وخمسون سنة، أي أن الذي ولد مع الهزيمة التي تواطأ المسؤولون عنها مع اللغة، ليسمونها…

أمجد يوسف: حين يصبح القتل وظيفة في سوريا الأسد

في أحد أكثر التسجيلات إيلاماً في التاريخ السوريّ الحديث، لم يكن ما أثار الرعب سقوط الضحايا وحسب، بل الطريقة التي بدا بها القاتل وكأنّه يؤدّي…

في طلب تدخّل عربيّ عاجل

لم يكن مفاجئاً أن يتّخذ “الحزب” موقفاً معادياً للاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. سبق موقف أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم موقف صادر عن إسماعيل قاآني قائد فيلق…