مسلسل احتضار

مدة القراءة 3 د

تقسم الدول وفق مفاهيم تأسيسها، إلى ولايات، أو إمارات، أو محافظات، أو مقاطعات أو جهات. والهدف ليس الفصل بينها، بل تنظيم الوصل والوحدة في ظل مركزية واحدة وقوانين واحدة وتأكيد مبدأ المساواة، وبالتالي، العدل. كل هذه مفاهيم بديهية طبعاً، تتعرض أحياناً للخلل. الدولة الوحيدة التي تعاني من خلل دائم في مسارها الوطني هي لبنان. فمن حيث الشكل، تم تقسيمه إلى محافظات وأقضية وفقاً للنسب الطائفية. غير أن الحاصل هو أن الحروب الأساسية والدائمة هي بين الطوائف نفسها. أقدمها وأكثرها شراسة ودموية هي بين الموارنة أنفسهم. يليها انقسام الدروز تاريخياً مع أولوية دائمة لآل جنبلاط، الذين خرجت منهم شخصيات تاريخية في الرجال وفي النساء. الشيعة كانوا ينقسمون في الماضي بين الإقطاع وتمرد اليسار، وهم الآن يخوضون المعركة الانتخابية موحدين مرحلياً، لأن بقاء التحالف بين “أمل” نبيه بري و”تيار” ميشال عون ينتهي مفعوله لحظة إعلان النتائج.

المستفيد الأول من هذه البلبلة العامة هو “حزب الله”. وعزوف الحريري “المؤقت” أكبر هدية تقدم إليه

الخلاف السني – السني ليس جديداً. الجديد فيه ضراوته. والرجل الذي كان يفترض أن يتزعم الحركة السياسية السنية في أصعب مراحلها منذ الاستقلال، لم يقرر فقط العزوف، بل مقاطعة الانتخابات. مشهد لا يذكر إلا بالموارنة، أمس واليوم وغداً: أولاً الانقسام ضمن البيت الواحد بين سعد الحريري وشقيقه البكر، وثانياً بين الحريري وحلفاء وأصدقاء الأمس من سنة ومسيحيين ودروز وشيعة. وفيما يجلس الحريري خلف صمته الغامض، يغرد بعيداً عنه سياسيون بارزون وقياديون مثل فؤاد السنيورة ونهاد المشنوق ومصطفى علوش وأحمد فتفت وسواهم.

المستفيد الأول من هذه البلبلة العامة هو “حزب الله”. وعزوف الحريري “المؤقت” أكبر هدية تقدم إليه. وما كان تردداً في حسابات الربح والخسارة أصبح مرجحاً. هذا الوضع له تسمية في الفرنسية: الخسارة المربحة. وأريد أن أقول للرئيس المعتكف إن السياسي الناجح هو الذي يعرف كيف يخسر، وليس فقط كيف ينجح.

والمؤسف أن الرجل أخفق في نجاحه وأخطأ في الخسارة والابتعاد عن حلفائه، عن حق أو عن خفة. الكثير من خيارات سعد الحريري كان خاطئاً وقصير المدى. ولذلك كانت أضراره بعيدة المدى، عليه وعلى لبنان. وكثير من الدروب التي اختارها، طوعاً أو خلافه، تؤدي إلى ما أدت إليه.

إقرأ أيضاً: ورقة بيضاء

لا تليق الانتخابات للبنانيين. شعب يهوى الرقص على قبره. دفع المرشحون 100 ألف دولار للظهور في البرامج التلفزيونية من أجل اجترار الكلام نفسه. والناس جائعة وحزينة وتأكل من أكياس القمامة في الشوارع. والقمامة تلال وجبال وشواطئ. ومرض وأذلاء. وعتم وظلام وقهر ووقاحات يشيب لها الولدان. قدر ولا قضاء. وقضاء ولا حياء. امرأة تعبر بيروت نصف عارية لكي تحمل القضاء على النظر في دعوى طلاقها وأحقيتها بحضانة أطفالها. لا. لم نرَ مشهد هذا الزوال من قبل. قضاء لا يريد النظر في دعوى طلاق، ولا يقدر على النظر في ثالث أقوى انفجار في التاريخ. وشعب معركته على التلفزيون، ما بين غائب عن الوعي، وغائب عن الضمير، وغائب عن الإحساس. أجل!
إلى اللقاء…

 

*نقلا عن الشرق الأوسط

مواضيع ذات صلة

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…

مصر وتركيا: الكابوس الجديد لإسرائيل

عندما حذّر الجاسوس الإسرائيليّ الأميركيّ السابق جوناثان بولارد من أنّ “العاصفة آتية”، ودعا إسرائيل إلى الاستعداد لحرب مستقبليّة قد تكون مع تركيا ومصر بعد إيران،…

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…