قصّة الشّراكة بين المفتي نجا والبطريرك الحويّك؟

مدة القراءة 8 د

ما كان لدولة لبنان الكبير أن تُعلن لولا الشراكة الوطنيّة بين مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا والبطريرك الياس الحويّك. دور الأوّل في تأسيس لبنان الكبير لا يقلّ أهمّيّة عن دور الثاني. فمن دون الكتلة السنّيّة الوازنة عدديّاً ومعنويّاً، ومع ضمّ مناطق إسلاميّة من دون استفتاء سكّانها إلى جبل لبنان،نجح المشروع قبل أن يولد. ومهما قيل في أسباب حضور المفتي حفل الإعلان في قصر الصنوبر، فإنّ النتيجة واحدة، وهي ولادة الكيان بسلام. وبهذا هو شريك كامل، إن لم يكن في السعي إلى قيام لبنان ففي التمهيد له وترسيخه.

 

أصدر الجنرال هنري غورو Henri Gauraud في 31 آب 1920 القرار رقم 318، القاضي بضمّ ولاية بيروت، وكانت تتألّف من أقضية صيدا وصور ومرجعيون، ما عدا القسم المتعلّق بفلسطين، وقضاء طرابلس مع مديريّتي الضنّيّة والمنية، قضاء عكّار جنوبيّ النهر الكبير، والأقضية الأربعة التي كانت تابعة لولاية دمشق أيام العثمانيّين، وهي: المعلّقة (البقاع)، بعلبك، حاصبيا، وراشيا.

في اليوم التالي، دعا غورو رجال الدين من الطوائف كافّة، الأعيان، وكبار الموظّفين إلى احتفال قصر الصنوبر لإعلان استقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسيّ، وكان أبرز المدعوّين البطريرك إلياس الحويّك، وجلس على يمين غورو، والمفتي مصطفى نجا وجلس على يساره. وقال غورو في خطابه: إنّ لبنان شُكّل لفائدة الجميع، ولم يشكّل ليكون ضدّ أحد، فما هو إلا اتّحاد سياسيّ إداريّ.

ما كان لدولة لبنان الكبير أن تُعلن لولا الشراكة الوطنيّة بين مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا والبطريرك الياس الحويّك

إنشاء فدراليّة

هذا ما أوحى بنيّة فرنسا إنشاء فدراليّة بين دول سوريا، ومنها لبنان، فاستجلب ذلك تهديداً من البطريريك الحويّك بإشعال ثورة ضدّ الفرنسيّين، كما قال يوسف السودا في كتابه “في سبيل الاستقلال”.

في خطابه نفسه، أوصى غورو اللبنانيّين بالاتّحاد، محذّراً من الخصومات العرقيّة والمذهبيّة. وذكّرهم بأنّ معركة ميسلون ضدّ جيش فيصل بن الحسين قبل خمسة أسابيع من إعلان لبنان الكبير لم تكن إلّا للقضاء على السلطة التي حاولت استعبادهم، فالجنود الفرنسيّون هم عرّابو الاستقلال، وإنّ الدم الفرنسيّ سال من أجل استقلال اللبنانيّين كما سال من أجل استقلال شعوب عديدة (لبنان الكبير، الدكتور حكمت ألبير حدّاد، طبعة ثالثة، 1996).

لماذا حضر المفتي نجا؟

يقول طه الوليّ في كتابه “بيروت في التاريخ والحضارة والعمران“: إنّ المفتي مصطفى نجا التزم الحضور بعد تهديده بالنفي إن هو امتنع عن تلبية دعوة غورو. وكان الجنرال الفرنسيّ نصب على مدخل ذلك القصر مدفعين غنمتهما القوّات الفرنسيّة من السوريّين خلال معركة ميسلون، وذلك استعراضاً للقوّة. فيما يرى محرّر كتاب “السفير”، “المارونيّة السياسيّة، سيرة ذاتيّة”، أنّ مشهد جلوس المفتي نجا إلى جانب غورو لم يُعجب جماهير بيروت، إذ إنّه ساهم من حيث يدري أو لا يدري بمؤامرة تكبير لبنان. إلّا أنّ الحضور بذاته، كما يؤكّد الكتاب، دليل على أنّ جزءاً من المجتمع البيروتيّ لم يكن يمانع فكرة الدولة الجديدة، والمقصود هنا النخبة وليس عامّة الناس.

مهما فُسّر موقف المفتي بأنّه انصياع بحت لضغط بعض رجال الدين المتعاونين مع الفرنسيّين، فإنّ بعض الأوساط الإسلاميّة الثريّة كانت تدفع بالمفتي إلى المشاركة بحجّة التخوّف من أن تكون الدولة للمسيحيّين وحدهم. لذا لا بدّ من أن يحضر المسلمون السوق من أوّلها، ويتقاسموا الوظائف بحيث لا يشعر الفرنسيّون بأنّ المسلمين أسقطوا أنفسهم من الحساب.

في محاولة تفسير خطوة المفتي نجا، عندما حضر الاحتفال بخلاف الموجة السنّيّة آنذاك الرافضة للبنان والانتداب الفرنسيّ، اختلف الباحثون من حيث زوايا النظر وزواريب الطوائف. لكنّ المؤكّد أيضاً أنّ الحفل نفسه كان مشحوناً بالعواطف الجيّاشة، نشوة المسيحيّين بالنجاح، وحيرة المسلمين بسقوط المشروع العربيّ في دمشق.

مؤتمر الوحدويّين

في كلّ الأحوال، فإنّ الوحدويّين لم يتوقّفوا حتّى بعد إعلان لبنان الكبير. انعقد المؤتمر السوريّ العامّ بين عامَي 1919 و1920 برئاسة الأمير فيصل بن الحسين في دمشق، تحضيراً لاستقبال لجنة التحقيق الدوليّة كينغ-كراين (King-Crane) التي جاءت لاستنطاق رأي الأهالي في مشاريع الدول المقترحة. وشارك في هذا المؤتمر ممثّلون من مختلف المناطق، ومنهم من أبناء الساحل، ومن بيروت.

في 7 آذار 1920، أصدر المؤتمر المذكور بالإجماع قراراً يدعو إلى استقلال سوريا الطبيعيّة، ومنها فلسطين، مع حفظ حقوق الأقليّات، وتأكيد استقلال العراق وتوحّده مع سوريا. وعلى الرغم من إعلان الجنرال غورو دولة لبنان الكبير بعد ذلك بأشهر، تابع الوحدويّون جهودهم لمناهضة قيام لبنان مع المناطق الملحقة به.

بعد وصول المفوّض السامي الجديد إلى لبنان، الجنرال ماكسيم ويغان Maxime Weygand، قدّم وجهاء المسلمين من أبناء الساحل مذكّرة طالبوه فيها بإعادة المناطق المسلوخة عن سوريا إليها، لأنّ إلحاق لواء بيروت أو قسم منها، ولواء طرابلس، مع بقيّة المناطق، تمّ من دون رضى الأهالي وبغير استفتاء (الدكتور حسّان حلّاق، مؤتمر الساحل والأقضية الأربعة 1936)، أي أنّ مشاركة مفتي بيروت في إعلان غورو لم تؤثّر سلباً على جهود الوحدويّين، لكنّها كانت خطوة موفّقة لعدم تهميش المسلمين في الدولة الجديدة التي وجدوا أنفسهم فيها من دون سابق معرفة ولا استعداد. وكانت وقفة ضروريّة لتأسيس لبنان.

مفتي بيروت، ثمّ مفتي لبنان بعد الاستقلال. كان مصطفى نجا من أسرة تتعاطى تجارة العطور، وعمل فيها، وأثناء ذلك تلقّى العلوم الإسلاميّة عن مشايخ بيروت، وكانت له بصمات تأسيسيّة في مؤسّسات كبرى

من هو المفتي نجا؟

مفتي بيروت، ثمّ مفتي لبنان بعد الاستقلال. لم يكن شخصاً عاديّاً. كان مصطفى نجا من أسرة تتعاطى تجارة العطور، وعمل فيها، وأثناء ذلك تلقّى العلوم الإسلاميّة عن مشايخ بيروت، وكانت له بصمات تأسيسيّة في مؤسّسات كبرى. ففي 1902 ساهم في تأسيس مدرسة ثمرة الإحسان التي أُنشئِت لتعليم البنات المسلمات. طُلب منه رئاسة المدرسة، فظلّ قائماً بمهامّها سبع سنوات، وكان يتولّى بنفسه تعليم البنات وأساتذتهن قراءة القرآن، بالإضافة إلى العلوم الدينيّة الأخرى.

كان أيضاً عضواً في لجنة الأوقاف الإسلاميّة. وكانت له حلقة دائمة في الجامع العمريّ الكبير يلقي فيها الدروس، فيفقههم في دينهم ويفسّر لهم القرآن ويشرح الحديث النبويّ ويرشدهم. عُيّن مفتياً لبيروت عام 1905م بعد الفراغ الذي خلّفه رحيل الشيخ عبدالباسط الفاخوري. لكنّ تعيينه لم يكن بقرار تلقائيّ من السلطات العثمانيّة، بل بطلب من علماء بيروت وأشرافها وأعيانها، الذين أرسلوا إلى شيخ الإسلام في الآستانة يطلبون تعيينه مفتياً، وذلك نظراً إلى علمه وفضله ومكانته في قلوب جميع الطوائف.

لدى عرض المسألة على مجلس إدارة الولاية، وبحث العرائض المشتملة على آلاف الأختام، وبينها عرائض أهالي طرابلس وصيدا وصور ومرجعيون، أجمعت الآراء على تعيينه عقب شغور دام سنوات. وأثناء تولّيه المنصب، كان جريئاً في مواقفه، حتّى إنّه أفتى في قضيّة أرض ضدّ السلطان عبدالحميد الثاني نفسه لمصلحة أحد الرعيّة، فلامه بعض أصدقائه خشية ضرر يلحق به، فقال: إنّ أمير المؤمنين حامي حمى الشريعة أولى من الجميع الرضوخ لأحكامها والنزول عند نصوصها، وهي التي حكمت عليه. أُعجب عبدالحميد به، وأنعم عليه برتبة علميّة ووسام.

 إقرأ أيضاً: 

لا يساعده أحد

كان يقوم بأعباء الوظيفة بنفسه، ولا يساعده أحد، حتّى بإخراج الفتاوى جواباً على الاستفتاءات التي تأتيه من كلّ الأقطار، وفي مختلف الشؤون. يشرع في الكتابة بعد صلاة الفجر، وقبل صلاة الظهر بساعتين ينزل إلى دائرة الفتوى، وينظر بمصالح الناس، ثم يرجع إلى داره، فينشغل بالكتابة إلى الليل، ثمّ بعد صلاة العشاء. لا يقبل هديّة، ولا يأخذ على فتواه أجراً، بل أنفق ثروته في أعمال البرّ، وكان يوزّع ثلث راتبه كلّ شهر. أرادت الحكومة زيادة راتبه، قال إنّ الراتب كافٍ. ولمّا ألحّ عليه البعض، قال: إنّني أخشى نقص الموازنة، فتعمد الحكومة إلى زيادة الضرائب.

رأس جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت مرّتين، الأولى بين عامَي 1908 و1909، بعدما تكلّلت جهوده بالنجاح بإحياء الجمعيّة بعد انقطاع بين عامَي 1882 و1908. والثانية بين عامي 1918 و1932، أي إلى حين وفاته. وآخر عمل له وهو على فراش الموت، استقباله وفداً من السوّاقين المضربين، وسماعه لشكواهم، وتوجيهه طلباً إلى الحكومة لتصحيح أوضاعهم، فانتهت الأزمة ومعها الإضراب. وكان الوفد المؤلّف من مختلف الطوائف قد أتى إليه بعد زيارة البطريركيّة المارونيّة في بكركي، واعتذروا منه لاضطرارهم إلى لقائه وهو على هذه الحال، لأنهم يعتبرون دار الإفتاء لكلّ اللبنانيّين (ذكرى العلّامة الجليل الشيخ مصطفى نجا مفتي بيروت الأكبر، 1933).

مواضيع ذات صلة

المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

بعد أكثر من قرن على إعلان “لبنان الكبير”، لم يعد السؤال: هل أحسن البطريرك الطوباويّ إلياس الحويّك قراءة خرائط المشرق؟ ولا هل كان المشروع الذي…

البطريرك الحويّك: طوباويّ لبنان الكبير

طوباويّ جديد للبنان. للمرّة الثانية الطوباويّ ليس راهباً متنسّكاً في محبَسه أو عاملاً في حقله، ولا راهبة متألّمة بصمت في فراشها، إنّما هو بطريركٌ. إنّه…

برّي لـ”أساس”: من تحبّه السّعوديّة يحبّه العالم كلّه

انتظره الخصوم والحاقدون على باب وزارة الخزانة الأميركيّة عند كلّ لائحة عقوبات تضمّ أسماءً لبنانيّة، فإذا به يطلّ من المكتب البيضاوي في واشنطن، في 21…

عون يكتب تاريخ تحرير لبنان من الاحتلاليْن

كثيرة هي مؤشّرات نجاح القمّة اللبنانيّة- الأميركيّة، في الشكل والمضمون. كرّس لبنان مساراً تفاوضيّاً مستقلاً عن إيران، في سعيه للخروج من الدائرة المغلقة للصراع على…