الأوكتاغون المصريّ: استقلاليّة استراتيجيّة عسكريّة (2/2)

مدة القراءة 8 د

يعتمد الدفاع الجوّيّ ضدّ الطائرات والصواريخ المحيط بـ”الأوكتاغون”، وهو مقرّ “القيادة الاستراتيجيّة للدولة” في مصر، على استراتيجية هجينة فريدة من نوعها عالميّاً، حيث نجحت مصر في دمج وتكامل منظومات دفاع جوّيّ متطوّرة ومتعدّدة الطبقات من مصادر غربيّة، روسيّة، وصينيّة، ضمن شبكة رقميّة موحّدة تعتمد على الذكاء الاصطناعيّ لإدارة القيادة والتحكّم والإنذار المبكر.

 

تكمن التحدّيات التقنيّة في دمج الأنظمة الشرقيّة والغربيّة بالإنجازات الهندسيّة في التغلّب على معضلة تكنولوجيّة معقّدة، إذ إنّ أنظمة الدفاع الجوّيّ، مثل نظام  S-300VM الروسيّ المتطوّر و HQ-9Bالصينيّ، تعتمد على برامج معلوماتيّة، بروتوكولات نقل بيانات، وتردّدات راداريّة تختلف كلّيّاً عن الأنظمة الغربيّة والأوروبيّة مثل نظام  IRIS-T SLMالألمانيّ.

لتجاوز هذا الحاجز، واجه المهندسون العسكريّون المصريّون تحدّياً رئيساً، وهو معضلة أنظمة تعريف العدوّ والصديق عند رصد هدف جوّيّ، وتدعى IFF/ Identification Friend and Foe، فالأنظمة الغربيّة تستخدم بروتوكولات حلف الناتو للتعرّف على الطائرات الصديقة والمعادية والتمييز بينها، بينما تستخدم الأنظمة الروسيّة والصينيّة معايير مشفّرة مغايرة تماماً.

كان دمج النظامين يعني مخاطرة أن يقوم نظام روسيّ بإسقاط مقاتلة صديقة تعمل بأنظمة غربيّة مثل F-16 المصريّة، أو العكس. ولحلّ هذه المسألة، طوّر مهندسو الإشارة والدفاع الجوّيّ المصريّون واجهات وسيطة Interface (وهي أقنية وصل بين النظامين الغربيّ والشرقيّ) مع فلاتر مخصّصة Gateways تعمل كمترجم فوريّ فائق السرعة بين النظامين، لتوحيد شيفرات التعارف داخل مركز القيادة المركزيّ بالأوكتاغون.

يعكس ترتيب المباني حول مركز واحد التركيز والوحدة بين فروع القوّات المسلّحة والأجهزة الأمنيّة

منظومة القيادة والسّيطرة صناعة مصريّة

من جهة أخرى، تمتلك مصر منظومة قيادة وسيطرة محليّة الصنع تُعرف باسم RISC، أي Radar Integration and Surveillance Command system، وهي منظومة تدمج الرادارات وقيادة المراقبة، ومنصّة قيادة وسيطرة مدمجة ومطوّرة محلّيّاً من قبل مهندسي الحرب الإلكترونيّة المصريّين، وتتمثّل بالنظام الرقميّ الذي يربط بين مكوّنات الترسانة العسكريّة المصريّة المتنوّعة وبين تلك التي من صنع شرقيّ أو غربيّ، وتضمّ مقاتلات ومنظومات دفاع جوّي ورادارات من منشأ أميركيّ وروسيّ وصينيّ وفرنسيّ وألمانيّ.

لا تتحدّث لغة برمجيّة إلكترونيّة واحدة. داخل مجمّع “الأوكتاغون”، يعمل هذا النظام في جيله الأحدث  (RISC3)  كمنصّة C5ISR Command, Control, Communications, Computers, Cyber, Intelligence and Reconnaissance، والفريد فيها هو Cyber الذي يوفّر حماية متكاملة للحواسيب العسكريّة من الهجمات السيبرانيّة. تقوم هذه المنصّة بدمج المتحسّسات والبيانات (Sensor Fusion)  الآتية من الرادارات المختلفة المنشأ وتحويلها إلى صورة جوّيّة موحّدة تظهر أمام متّخذ القرار فوراً، مع تفعيل الذكاء الاصطناعيّ لتقويم التهديدات تلقائيّاً واختيار السلاح الأنسب والأعلى كفاءة للتصدّي لها، سواء كان صاروخاً روسيّاً أو غربيّاً، وكلّ ذلك عبر شبكة محليّة مغلقة بالكامل ومعزولة عن الإنترنت العامّ لحمايتها من أيّ اختراقات سيبرانيّة أو ثغرات برمجيّة خارجيّة.

شبكة الدّفاع الجوّيّ والصّاروخيّ المتكاملة

تتشابك منظومات دفاع جوّيّ من مصادر مختلفة لتشكّل شبكة معقّدة تبدأ من الدرع الاستراتيجيّ البعيد المدى، الذي يعتمد بشكل أساسيّ على نظام S-300VM (Antey-2500) الروسيّ القادر على اعتراض الصواريخ الباليستيّة والجوّالة والطائرات الشبحيّة على بُعد يصل إلى 250 كيلومتراً باستخدام رادارات متطوّرة لمواجهة التشويش الإلكترونيّ، ويشاركه في الطبقة ذاتها نظام HQ-9B الصينيّ الذي يعترض الأهداف الجوّيّة من طائرات وصواريخ على مسافة تصل إلى 200 كيلومتر.

يؤكّد “الأوكتاغون” التزام القيادة تحديث أدوات الدولة بما يحقّق أمناً مستداماً واستقراراً إقليميّاً يساهمان في جذب استثمارات أجنبيّة وتحقيق تنمية ضروريّة

يتداخل هذا الدرع البعيد المدى مع آخر متوسّط المدى مخصّص للحماية القريبة للمجال الجوّيّ للـ “أوكتاغون”، مكوّن من نظام IRIS-T SLM الألمانيّ الصنع والمتطوّر، الذي يصل مدى صواريخه إلى 40 كيلومتراً، ومن نظام Buk-M2E الروسيّ المتخصّص في التصدّي للطائرات وللقنابل الذكيّة ضمن مدى يصل إلى 20 كيلومتراً.

أمّا منظومة الدفاع القريب والقصير المدى فتعمل وفق نظامَي Tor-M2 وPantsir-S1 الروسيَّين لتدمير المسيّرات والصواريخ الموجّهة قبل اصطدامها بالهدف، وهي مدعومة بأنظمة ألمانيّة من نوع DEW Directed Energy Weapons التي تبثّ موجات كهرومغناطيسيّة تعطّل وتحرق أنظمة التوجيه الإلكترونيّة لأسراب المسيّرات الانتحاريّة المعادية، علاوة على الدعم الجوّيّ الميدانيّ الذي توفّره مروحيّات Ka-52 Alligator الهجوميّة الروسيّة الصنع والمتمركزة داخل الأوكتاغون التي يمكنها مواجهة المسيّرات التي تطير على علوّ منخفض، ويمكنها التدخّل سريعاً لمواجهة أيّ قوّة معادية في البيئة الصحراويّة المحيطة بـ “الأوكتاغون”، وهو ما يجعل من هذا الصرح واحد من أكثر الحصون العسكريّة حماية وأكثرها تكاملاً بين التكنولوجيا الشرقيّة والغربيّة في العالم.

الرّمزيّة المعماريّة: الإيحاء بالسّلطة

لا يقلّ الجانب المعماريّ للمجمّع رمزيّة عن وظائفه، فتصميمه من ثماني واجهات أعطاه تسميته Octagon، وهي تحيط بمبنيين مركزيَّين. يعكس ترتيب المباني حول مركز واحد التركيز والوحدة بين فروع القوّات المسلّحة والأجهزة الأمنيّة.

من جهة أخرى، استُخدمت في الواجهات عناصر زخرفيّة واستلهامات من التراث الفرعونيّ والفن الإسلاميّ الهندسيّ لتكريس صورة تمزج بين الرموز الحديثة والقديمة، وهو سعي واضح  لإظهار رمز يبيّن استمراريّة الدولة ومتانتها في وجه التحدّيات. إنّ مثل هذه الرمزيّة المعماريّة لا تقتصر على الجانب الجماليّ فحسب، بل تخدم رسالة سياسيّة تفيد بأنّ الدولة تمتلك مقرّاً مركزيّاً صلباً.

يثير “الأوكتاغون”، مع ضخامته ومناعته ضدّ المخاطر الحربيّة والسيبرانيّة والهجمات الكهرومغناطيسيّة ودروعه الظاهرة، مجموعة من المخاوف والتساؤلات

الافتتاح وعرض القوّة

تضمّن الافتتاح الرسميّ للمشروع استعراضاً عسكريّاً وصوراً للرئيس عبدالفتّاح السيسي مرتدياً زيّاً عسكريّاً برتبه العليا، وهو مشهد متعمّد يحمل رسالة مزدوجة:

ـ الأولى للخارج، وهي إعلان السعي نحو استقلاليّة استراتيجيّة بحيث لا تعتمد مصر على مزوّد واحد بالعتاد والسلاح بل تعتمد على نفسها في منظومة عسكريّة متكاملة تعطيها قدرة دفاعيّة متقدّمة تُصعّب على الخصوم الإخلال بتوازن القوى في الشرق الأوسط.

ـ أمّا الرسالة الداخليّة فموجّهة نحو تأكيد سيادة الدولة، فابتعاد مركز صنع القرار العسكريّ والأمنيّ عن متناول تحرّكات الشارع، وموقعه الذي يبعد عشرات الكيلومترات عن قلب القاهرة، يضعان مؤسّسات الحكم في منطقة يصعب الوصول إليها خلال موجات احتجاج أو اضطراب مدنيّ.

المخاطر والقيود المحتملة

يثير “الأوكتاغون”، مع ضخامته ومناعته ضدّ المخاطر الحربيّة والسيبرانيّة والهجمات الكهرومغناطيسيّة ودروعه الظاهرة، مجموعة من المخاوف والتساؤلات، لا سيما مسألة تجميع القيادات والاتّصالات والبيانات في موقع واحد.

إنّ وجود كلّ هذه المؤسّسات في مكان واحد مركزيّ يعرّضها للتعطيل المؤقّت أو الدائم، في حال تعرّضها لهجوم منظّم أو عمل تخريبيّ داخليّ، فتصبح بذلك منظومة الاستجابة الوطنيّة للهجمات عاجزة بشكل كامل في ظلّ عدم وجود شبكة بديلة فعّالة موزّعة جغرافيّاً.

الجدير ذكره أنّ الأوضاع الجيوسياسيّة المحيطة في الشرق الأوسط، والمخاطر الأمنيّة على الحدود مع ليبيا حيث الانقسامات والتوتّرات، ومع السودان الذي تدور فيه حرب أهليّة، ومخاطر الحوثيّين على الملاحة في البحر الأحمر، تبقى عوامل لا يمكن لمقرّ واحد أن يلغي تأثيرها بالكامل.

من ناحية أخرى فُتح باب نقاش سياسيّ في أولويّات الإنفاق في الدولة : هل هو الأمن والدفاع أم الحاجات الاجتماعيّة؟ لكن في الواقع وفي دولة بحجم مصر وبموقعها الجغرافيّ فإنّ الأولويّتين متوازيتان.

يُجسِّد “الأوكتاغون” نقلة نوعيّة في صورة الدولة المصريّة ورؤيتها لمستقبلها

يُجسِّد “الأوكتاغون” نقلة نوعيّة في صورة الدولة المصريّة ورؤيتها لمستقبلها، فهو يعكس قدرة مؤسّساتها على التحديث والاحترافيّة عبر تركيز القوّة وتنظيمها باستخدام أحدث التقنيّات. ويعزّز هذا المشروع من جاهزيّة البلاد في مواجهة الأزمات، ويطبّق معايير عالية لحماية المواطنين والمصالح الوطنيّة، وفي الوقت نفسه يفتح آفاقاً لتحسين إدارة الموارد والدفع بمعدّلات التنسيق بين الأجهزة الأمنيّة والمدنيّة.

إقرأ أيضاً: “الأوكتاغون” المصريّ: قوّة الرّمز (1/2)

يؤكّد “الأوكتاغون” التزام القيادة تحديث أدوات الدولة بما يحقّق أمناً مستداماً واستقراراً إقليميّاً يساهمان في جذب استثمارات أجنبيّة وتحقيق تنمية ضروريّة. إنّ المشروع يوفّر عمليّاً قاعدة قويّة لاتّخاذ قرارات مدروسة توازن بين الأمن واحتياجات المجتمع، وسيستمرّ مراقبو الشأن المصريّ والإقليميّ في متابعة التأثيرات المستقبليّة لهذه المنشأة الضخمة، لكنّ الأهمّ أنّ “الأوكتاغون” يمثّل خطوة واضحة نحو دولة أكثر قدرة على حماية مواطنيها والمساهمة بإيجابيّة في توازن القوى بالمنطقة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@KhalilHelou4

مواضيع ذات صلة

الآتي في المنطقة: الجميع سيبيع الجميع؟

ما نتابعه اليوم من تصعيد محسوب، سواء من واشنطن أو طهران، هو محاولة من كلّ طرف لتحسين شروط التفاوض الذي يتعيّن أن يصل إلى مرحلة…

ما يصح في الجولان لا يصلح للبنان: وديع حدّاد عن اتفاق 17 أيار(3/3)

هذه حلقة ثالثة وأخيرة من حوار طويل مع الراحل الدكتور وديع حداد، المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل بين عامَي 1983 و1984 قبل أن يغادر منصبه…

لا لقانون العفو.. أعيدوا المحاكمات

لا فائدة من العودة إلى مربّع النقاش في قانون العفو وألغام نائب رئيس مجلس النوّاب إلياس بو صعب وبهلوانيّات النائبين بلال حشيمي ونبيل بدر، أو…

الزّيديّ بعد واشنطن: دقّت ساعة الحشد

من المبكر الحكم على مدى نجاح المبعوث الخاصّ للرئيس الأميركيّ إلى العراق وسوريا، توم بارّاك، في تنفيذ رؤيته السياسيّة والاقتصاديّة في البلدين، ولا سيما في…