في السادس والعشرين من آذار ٢٠١٥، بدأت السعودية حرب اليمن بعاصفة جوية أرادت إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء. وفي الثالث عشر من تموز ٢٠٢٦، ضُرب مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من تكريس خط جوي مباشر مع الحوثيين يقوض التفاهمات ويعيد بناء الذراع الايراني على البحر الأحمر. بين المشهدين أحد عشر عاماً تختصر رحلة نضج صناعة القرار السعودي: في الأول استخدمت الرياض القوة لإعادة تشكيل الساحة دون نتيجة سياسية، وفي الثاني استُخدمت القوة لمنع إيران من تثبيت واقع جديد، من دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة رغم كل الضغوط ونجحت، حتى الآن.
فهل تحولت سياسة الدولة السعودية الدفاعية الى عقيدة راسخة بالتجربة العملية من عاصفة الحزم الى الاحتواء الحازم؟
خاضت المملكة درباً وعراً قبل الوصول الى هذه المقاربة تخللته مراجعة تجارب مكلفة:
مراحل تبلور الاستراتيجية السعودية الجديدة
عاصفة الحزم: لم يكن الخلل في إدراك خطر التمدد الإيراني عبر الذراع الحوثي في الامتداد الحيوي السعودي جنوباً، بل في اتساع الهدف قياساً بالأداة. أدركت المملكة بعد استنزاف استمر لعدة سنوات، ما لم تدركه روسيا في أوكرانيا، ولا الولايات المتحدة في إيران، ولا اسرائيل في لبنان، أن القوة الجوية تستطيع الحاق دمار كبير بالخصم، لكنها لا تفضي بالضرورة الى النتائج السياسية المرجوة وأن الدبلوماسية الحازمة يمكن أن تحقق نتائج أفضل بكلفة أقل لوقت أطول.
حصار قطر: أظهرت أزمة ٢٠١٧ أن الضغط الذي يغلق مخارج الخصم قد يدفعه إلى القوى التي يراد إبعاده عنها. ووسعت الدوحة شراكتها مع تركيا وأبقت على علاقتها بإيران، واستخدمت طرقاً بديلة لفك عزلتها، ثم انتهت الأزمة في قمة العلا من دون تنفيذ معلن لقائمة المطالب فيما اندثر مشروع الإسلام السياسي واضغاث العثمانية الجديدة تحت لغة المصالح والتنمية، تغير الإقليم.
تراهن الرياض على التحوط بين القوى، وتنويع الشركاء، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مع منع أي طرف من تحويل حاجة المملكة للاستقرار إلى تبعية سياسية أو تهديد أمني واستراتيجي مباشر للفضاء الحيوي السعودي
بقيق وخريص: شكّل استهداف قلب الصناعة النفطية عام ٢٠١٩ لحظة الحقيقة. امتنعت واشنطن عن الرد، فأدركت الرياض أن شراء السلاح واستضافة القواعد لا يتحولان تلقائياً إلى ضمانة أمنية. كانت الضربة نهاية عملية لمعادلة “النفط مقابل الحماية” التي احترمها البلدان منذ لقاء الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد كوينسي عام ١٩٤٥.
شكل الغياب الأميركي عن الدفاع عن أرامكو(خلال الهجمات على منشأتي “بقيق” و”خريص”) انذاراً مبكراً أطلق مساراً سعودياً متكاملاً قائماً على تنويع الشراكات الدفاعية ومقاربة المخاطر بمنطق واقعي غير مؤدلج. من هنا، جاء اتفاق بكين مع إيران عام ٢٠٢٣ كإحدى النتائج المباشرة لهذه المراجعة، أكثر منه تعبيراً عن ثقة مستجدة بطهران ومحورها.
تراهن الرياض على التحوط بين القوى، وتنويع الشركاء، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، مع منع أي طرف من تحويل حاجة المملكة إلى الاستقرار إلى تبعية سياسية أو تهديد أمني واستراتيجي مباشر للفضاء الحيوي السعودي. وقد حررت هذه المقاربة المملكة من سياسة الخنادق وسمحت لها بلعب أدوار دبلوماسية كبرى في نادي الكبار خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
قوى و٤تحديات
لا تواجه السعودية خصماً واحداً، بل أربع قوى تختلف طبيعة العلاقة معها بين الردع والتنافس والتحالف المشروط:
ـ إيران: حتمية الجغرافيا تفرض التواصل لكن جموح الحرس الثوري واذرعه وخلاياه يفرض الحزم في رسم حدود النفوذ. هذا الحزم ترجم في الكلام الصادر عن وزير الخارجية فيصل بن فرحان في تشريح الدور السلبي لايران في المنطقى للمرة الأولة منذ اتفاق بكين.
ـ إسرائيل: منع العبث بخرائط الإقليم وكبح توحش اليمين المتطرف وتثبيت الحق الفلسطيني في دولة على حدود ٦٧ وصولاً إلى البيان الأخير الذي نص على مسار لا رجعة فيه لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ـ الولايات المتحدة: تجري الرياض إعادة تفاوض بالصمت المثقل بالمعاني وبالمواجهة الصريحة على حدود تحالفها مع واشنطن التي تبقى الشريك الدفاعي والتقني الأهم، لكن الخلاف يدور حول من يقرر الحرب، ومن يستخدم القواعد، ومن يتحمل النتائج.
تريد السعودية حماية أميركية لا تلغي قرارها، وقواعد لا تتحول إلى منصات لحروب لم تخترها، وضمانات لا تجعل أمنها تابعاً للأهداف الإسرائيلية. لذا أجهضت المملكة مشروع الحرية لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة واكتفت بدفع المسار الباكستاني- القطري للتفاوض من دون الانخراط المباشر بالوساطة أو بالحرب على نمط ما ذهبت اليه الامارات. ولم تذهب الى حد التصفيق لمجلس السلام في غزة فيما أوصلت رسائلها الاعتراضية على الفشل الاستراتيجي الاميركي بالغياب عن استعراضات ترامب في قمة السبع الكبرى والناتو.
ـ الإمارات: تنافس داخل البيت الخليجي بين نموذجين للنفوذ. بنت أبو ظبي حضورها عبر الموانئ والقواعد والقوى المحلية والكيانات الطرفية في مسارح تعتبرها الرياض جزءاً من مجالها الحيوي. لكن المواجهة الموضعية لم تتحول الى قطيعة او صدام مباشر، لا بل أرسلت الرياض رسائل التضامن مع ابو ظبي عندما تعرضت للاعتداءات الايرانية فيما ردت الاخيرة بإظهار التضامن مع الرياض إثر الاستهداف الحوثي الأخير لمطار أبها. هذه هي قاعدة الاحتواء القائمة على مواجهة الفعل في ساحته لا احراق العلاقة برمتها.
تريد السعودية حماية أميركية لا تلغي قرارها، وقواعد لا تتحول إلى منصات لحروب لم تخترها، وضمانات لا تجعل أمنها تابعاً للأهداف الإسرائيلية
ساحات التقاطع
تتقاطع هذه القوى في ساحات تتبلور فيها عقيدة الاحتواء الحازم:
ـ اليمن: يلتقي الخطر الإيراني الاستراتيجي بالدور الإماراتي كتهديد لوحدة اليمن وأمن المملكة. تريد السعودية منع الحوثيين من التحول إلى قاعدة إيرانية مكتملة، ومنع الجنوب من التفكك إلى كيانات مسلحة مرتبطة بأبوظبي ومن بعدها اسرائيل. لم يعد الهدف استعادة صنعاء عسكرياً، بل منع الطرفين من تثبيت وقائع يصعب عكسها.
ـ لبنان: تتقاطع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في لبنان. تنطلق السعودية من موقعها عرابةً للعقد السياسي اللبناني الذي أنهى الحرب الأهلية، وترعى مساراً يثبت المؤسسات الدستورية ويفتح المجال أمام تطبيق ما بقي معلقاً من الطائف، وفي مقدمته بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل أراضيها واصلاح المؤسسات الاقتصادية والسياسية. وتشكل، مع مصر وتركيا وقطر، حائط دعم يمنع سقوط لبنان في الفوضى، ويحد من اندفاعة حزب الله نحو الداخل، ويحاول حجب الضوء الأخضر الأميركي للتوحش الإسرائيلي في الجنوب.
المطروح ليس غلبة طائفية جديدة، بل دولة قابلة للحياة ومساحة آمنة لا تهدد مشاريع التنمية والاستثمار العابرة للحدود.
سوريا: رعت السعودية فك عزلة سوريا الجديدة ورفع العقوبات الأميركية عنها من الرصيد الشخصي لمحمد بن سلمان لدى ترامب. أعادت الرياض دمشق الى الحاضنة العربية وهي ترى فيها عقدة وصل لمشاريع سكك حديد تربط الحجاز بالأناضول وأوروبا والعراق بالمتوسط، وتخفف الارتهان لمضيق هرمز وباب المندب. لكن كلما اقترب هذا المشروع من الحياة تعاظم تقاطع المصالح الإيراني- الاسرائيلي لإفشاله واعادة سوريا الى بؤرة للصراع عبر استغلال الخواصر الأمنية الرخوة وفلول الإرهاب. تصد السعودية وتركيا محاولات المبعوث الأميركي توم براك إقحام سوريا في الملف اللبناني وتثبتان معادلات قائمة على دعم الدولتين لتصحبا قادرتين على الإمساك بأمنهما وحدودهما بقواهما الذاتية.
ـ العراق: لا تحاول السعودية انتزاعه من إيران بإنشاء محور مضاد داخل نظامه، بل بإعادة ربطه بالمجال العربي عبر الاستثمار والتجارة والطاقة والربط الكهربائي. الصراع طويل بين نفوذ إيراني يستند إلى الأحزاب والميليشيات وتداخل الدين بالسياسة، ومقاربة سعودية تريد توسيع مصالح الدولة العراقية كي لا تبقى أسيرة محور واحد.
ـ السودان: يكشف كما لبنان التنافر بين منطق الدولة والميليشيا. تتمسك الرياض بوحدة السودان ومؤسساته ومسار جدة، فيما تواجه الإمارات اتهامات بدعم قوات الدعم السريع وتنفيها رغم توثيق منصات صحفية عدة لدورها في معسكرات تدريب قوات حميدتي في ليبيا. لا يمنح الموقف السعودي الجيش تفويضاً مفتوحاً، بل يرفض تحويل الميليشيا إلى دويلة أو تقسيم البلاد بين سلطات السلاح. لذلك وقعت السعودية اتفاقاً مع باكستان لشراء أسلحة لصالح الجيش السوداني بقيمة مليار ونصف المليار دولار.
ـ الصومال: تمثل هذه الساحة امتداداً مباشراً لمعركة النفوذ على البحر الأحمر، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية بالأبعاد الأمنية. فقد استثمرت الإمارات في ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، وطورت فيه بنية تحتية ومرافق لوجستية تعزز حضورها البحري، كما أقامت علاقات سياسية مع سلطات هرجيسا بعيداً من مقديشو. في المقابل، جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليضيف بعداً أمنياً واستراتيجياً، إذ يفتح الباب أمام وجود إسرائيلي محتمل قرب أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ترى السعودية في هذه التطورات تهديداً لوحدة الصومال ولتوازن القوى في البحر الأحمر، لذلك تدعم الحكومة المركزية في مقديشو وتتمسك بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية. من هذا المنظور، لا يدور الصراع حول إدارة ميناء أو استثمار اقتصادي فحسب، بل حول شكل السيطرة على الساحل: هل تكون بيد دولة موحدة قادرة على ضبطه، أم عبر شبكة قواعد ونفوذ خارجي تتعامل معه كمساحات منفصلة عن سيادتها الوطنية؟
اليمن والصومال والسودان ترسم قوس البحر الأحمر، ولبنان وسوريا والعراق ترسم قوس المشرق، وبين القوسين تحاول الرياض منع إيران من اختراق الدول، وإسرائيل من تحطيمها، والإمارات من تجاوز مراكزها عبر الأطراف، والولايات المتحدة من إدارة المنطقة بمعزل عمن سيدفع كلفة قراراتها. لهذه الغاية بنت السعودية شبكة أوسع مع مصر وتركيا وباكستان وقطر تقوم على التكامل وتوزيع الأدوار: قوى عسكرية، قنوات تفاوض وتمويل يجمعها إدراك مشترك لأهمية الحفاظ على الدول الوطنية والشرعيات المحلية. وقد تحول التنسيق السعودي ـ المصري ـ التركي ـ الباكستاني – القطري خلال عام ٢٠٢٦ إلى إطار تشاوري منتظم يبحث الأزمات الإقليمية ووسائل إدارتها. لكن هذا التشكّل لا يزال وفاقاً استراتيجياً مرناً، لا حلفاً عسكرياً مكتملاً، وهنا يبدأ السؤال الأصعب.
فيما تندفع إيران نحو خيار يربط بقاءها بتعميم الخسارة، وتمضي إسرائيل في غيّ توراتي يرى في القوة حقاً لإعادة رسم المنطقة، تعمل الرياض على تثبيت منطق ثالث يحمي الخرائط ويدير الصراع بأدوات أقل صخباً
ماذا لو لم يعد الاحتواء كافياً؟
ينجح الاحتواء الحازم ما دام التحدي تحت عتبة الخطر الوجودي، ويمكن الرد عليه بضربة محدودة أو ضغط اقتصادي أو وساطة. لكن ماذا لو قرر أحد الخصوم امتحانه بتصعيد يقتضي خشونة تصل إلى الحرب المفتوحة؟ ماذا لو تعرضت المنشآت السعودية لهجوم واسع، أو اندلعت جبهات متزامنة في الخليج والبحر الأحمر والمشرق، ماذا لو تعرضت المقدسات الاسلامية في مكة والمدينة الى تهديد؟
وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي تعتبر الاعتداء على إحداهما اعتداء على الأخرى. دون الكشف عن وجود قيادة عمليات مشتركة أو آلية تلقائية لنشر القوات، رغم تأكيد إسلام آباد أن الاتفاق دخل حيز التنفيذ.
مع تركيا، يتقدم التعاون الصناعي والدفاعي من دون تعهد معلن بالدفاع المشترك. وترتبط مصر بالسعودية بأمن البحر الأحمر والتدريبات المشتركة، لكنها تفرّق تاريخياً بين حماية الممرات والمشاركة في حرب إقليمية مفتوحة. أما قطر، فوظيفتها الأساسية دبلوماسية ومالية.
إقرأ أيضاً: انتهى وقت التّذاكي في لبنان!
لكن، هل يحارب الجيش الباكستاني دفاعاً عن السعودية ومتى؟ وهل تضع أنقرة أمن المملكة داخل تعريف أمنها القومي حين تتعارض الحرب مع حساباتها؟ وهل تتحرك القاهرة خارج البحر الأحمر؟ أم يبقى “محور حماة الاستقرار” قادراً على الوساطة وتنسيق المواقف والدعم اللوجستي، دون إنتاج ردع جماعي لحظة الخطر الوجودي؟
فيما تندفع إيران نحو خيار شمشوني يربط بقاءها بتعميم الخسارة، وتمضي إسرائيل في غيّ توراتي يرى في القوة حقاً لإعادة رسم المنطقة، تعمل الرياض على تثبيت منطق ثالث يحمي الخرائط ويدير الصراع بأدوات أقل صخباً. فقد أثبتت عقيدة الاحتواء الحازم السعودية أنها أذكى من الاندفاع وأقل كلفة من الإخضاع، وقادرة على إدارة ما دون الحرب، لكن نجاحها النهائي يتوقف على بناء القوة الصلبة والشبكة العسكرية المهيأة للحظة اختلال التوازن الكبرى إذا ما انسحبت الولايات المتحدة من الإقليم عند نهاية هذه الحرب. ولو كان هذا الافتراض مستبعداً حتى الآن على الأقل.
*كاتبة صحافية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة.
لمتابعة الكاتب على X:
