وديع حداد عمّا لم يُروَ عن اتفاق 17 أيّار (1/2):سرّ “ورقة شارون”

مدة القراءة 8 د

في 17 شباط 2024 توفي الدكتور وديع حداد. المستشار السابق للرئيس أمين الجميّل، الموصوف بمهندس السياسة الأميركية في السنتين الأوليين في عهده والموظف البارز في البنك الدولي. في السنوات الأخيرة وخلال اقامته الدائمة في واشنطن، عانى من المرض منقطعاً عن لبنان بعدما اعتاد زيارته، مرة في السنة وأحياناً مرة كل سنتين. يمضي اجازة لبضعة اسابيع بصحبة زوجته هدى، مقيماً في فندق “البستان” في بيت مري. آنذاك لم يمانع في ثلاث زيارات، في 24 تشرين الأول 2012 و21 ايار 2015 و10 نيسان 2017 في حديث طويل مسجّل عن تجربته حيال العلاقات اللبنانية ـ الأميركية واللبنانية ـ السورية الدائرة من حول اتفاق 17 أيار 1983، قبل أن يسقط بعدما أحجم الجميّل عن ابرامه. غادر حداد منصبه بفعل وقائع المرحلة الجديدة، والانضواء في خيار سوري بعد اخفاق الخيار الأميركي.

العودة الى صفحات الماضي هذه، ما لم يكن قد افصح عنها حداد قبلاً، تصبح ذا مغزى وبرسم الاتعاظ وحفظ الدروس، عشية قمة الرئيسن دونالد ترامب وجوزف عون في واشنطن الثلاثاء المقبل. بين عامي 1983 و2026 تغيّر الرجال والظروف والوقائع ما خلا امراً واحداً: الخدعة الاسرائيلية

 

سيرة سياسية وهندسة السياسة الأميركية في لبنان

انضم وديع حداد الى عهد الرئيس امين الجميّل في مطلعه، آتياً من البنك الدولي بعدما عمل فيه موظفاً كبيراً في مرحلة أولى بين عامي 1976 و1982، ثم في مرحلة ثانية في منتصف الثمانينات حتى تقاعده عام 1998. سبقت التجربة هذه، أن أسس المركز التربوي للبحوث والإنماء عام 1971 وبوشر العمل به السنة التالية بترؤسه اياه حتى عام 1976، آتياً من تجربة سابقة رئيساً للمركز التربوي للعلوم والرياضيات في الجامعة الأميركية.

شغل في ولاية الجميّل بين عامي 1983 و1984 منصباً محدثاً لا سابق له في رئاسة الجمهورية، هو مستشار الرئيس لشؤون الامن القومي. اتى الجميّل بالفكرة بعد زيارته الاولى لواشنطن في 19 تشرين الأول 1983، وطلب من وديع حداد انشاء نظير لبناني لمجلس الأمن القومي الأميركي في قصر بعبدا، جعل منه المستشار الأول، يتقدّم المستشارين الآخرين الذين يصغي إليهم الرئيس، ويقتضي به أن يقدم له، في نهاية مناقشة ملف او قضية، خياراً واحداً وأخيراً لا مروحة خيارات للمفاضلة ما بينها.

انضم وديع حداد الى عهد الرئيس امين الجميّل في مطلعه، آتياً من البنك الدولي بعدما عمل فيه موظفاً كبيراً في مرحلة أولى بين عامي 1976 و1982

لم يكن حداد حتى وصوله إلى منصبه على صلة بالإدارة الأميركية على النحو الذي شاع عنه، ودفع سوريا إلى وصفه بمهندس السياسة الأميركية في لبنان واتهامه بـ”تخريب” العلاقات اللبنانية ـ السورية، إلى إن وصلت إلى اشتراط اخراجه من قرب الرئيس اللبناني في مرحلة ما بعد الغاء اتفاق 17 ايار بصفته رجله الأول.

كان احد ستة طلبت طردهم من قصر بعبدا: المنسق الأول لاتفاق جلاء القوات الإسرائيلية من لبنان غسان تويني، وزير الخارجية إيلي سالم، قائد الجيش ابراهيم طنوس، مدير المخابرات سيمون قسيس، سفير لبنان في واشنطن عبدالله بوحبيب. هؤلاء كانوا في صلب فريق الاتفاق. رفض الجميّل الطلب وتمسّك بتويني وسالم وقسيس وبوحبيب، فيما آثر حداد وطنوس الاستقالة بكتابين خطيين إلى الرئيس.

رواية مسكوت عنها

مما يرويه حداد عن جوانب كانت لا تزال غامضة ابان مفاوضات الاتفاق مع اسرائيل، سواء رافقته أو مهدت لالغائه، معضلة ما عُرف بـ”ورقة (وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك آرييل) شارون”، المنسوبة إلى شارون نفسه. كان قد كُشف عنها في مراحل المفاوضات في محاولة اسرائيلية للقفز من فوق الرعاية الاميركية، كون واشنطن شريكاً ثالثاً ووسيطاً بين الدولتين العدوتين، بغية فرض اتفاق سلام ثنائي محض مع لبنان في معزل عنها. أحد الجوانب الغامضة تلك التي يفصح عنها حداد، ان الجميّل لم يكن على علم بورقة شارون إلا متأخراً ورفضها، فيما طار صواب الموفد الاميركي الخاص آنذاك فيليب حبيب فور علمه بالأمر به:

“عندما وقّعت اسرائيل بالأحرف الأولى اتفاق جلاء قواتها عن لبنان لم تُظهر رضاها عنه ما ان فرضه عليها جورج شولتز. راح مسؤولوها يدورون من حول “وثيقة شارون” التي جاءنا بها سامي مارون من اسرائيل دونما ان نكون على علم بما فعل. لا الرئيس الجميّل ولا انا. رفضناها، فجارانا الاميركيون في رفضها. وثيقة شارون معاهدة سلام وتطبيع للعلاقات، مقترنة بتنازلات ما لم يكن كذلك اتفاق جلاء قواتها (اتفاق 17 ايار لاحقاً). منذ بدء المفاوضات أصررنا على أن تكون ثلاثية، الأميركيون يمثلهم موريس درايبر بصفته رئيس الوفد الأميركي وهو جزء اساسي فيها.

التلاعب الإسرائيلي ووثيقة شارون

يضيف حداد في روايته:  كلما تقدمنا في مراحل التفاوض تكّشف لنا تلاعب اسرائيل بها، من اجل حملنا على العودة الى وثيقة شارون. في نهاية المطاف فرض جورج شولتز الاتفاق بعدما حضر الى بيروت وامضى بيننا ثلاثة ايام. اخفقت الضغوط التي مارسها فيليب حبيب على اسرائيل، فيما عوّلت هي على وزير الدفاع الاميركي كاسبار واينبرغر. ما ان وصلنا إلى الاتفاق، أوجد الاسرائيليون ذريعة تعطيله برسائلهم الثلاث في يوم توقيعه (17 ايار 1983). طلبوا ربط الانسحاب الاسرائيلي بالانسحابين السوري والفلسطيني وتسلم جثث جنودهم الذين قتلوا ابان الاجتياح. رددنا على الرسائل بأخرى رفضنا فيها ربط خروج اسرائيل بسواها من الجيوش، واعتبرنا الاتفاق لاغياً كأنه لم يكن. ليست الرسائل تلك في صلب الاتفاق ولا صلة لها به، افتعلها الاسرائيليون لدفعنا إلى رفضه الذي لم يكن يريدونه، وهو ما حصل. اصروا على رسائلهم فاصررنا على رسائلنا، ما احال الاتفاق غير قابل للتنفيذ. نحن في الاصل فصلنا بين وجود كِلي اسرائيل وسوريا في لبنان، كذلك فعل الأميركيون، وكانت خطتهم اخراج الوجود الفلسطيني اولاً، وهو ما تم في آب 1982، من بعده خروج الاسرائيليين ثم السوريين. حاول الاميركيون تعطيل الرسائل الاسرائيلية بيد انهم فشلوا. ذهبت إلى واشنطن وقلت لهم ان نضع الاتفاق جانباً ونبحث في سبل خروج القوات الإسرائيلية من لبنان بالتفاهم على اتفاق ابسط، يقتصر على هذا البند فننتهي من المشكلة. وافقوني فحسب.

زعزعت وثيقة شارون رغم رفضنا لها علاقتنا بالأميركيين لعدم معرفتهم بها إلا متأخراً، كونهم أرادوا مفاوضات رسمية بيننا والاسرائيليين يكونون فيها طرفاً ثالثاً مباشراً

تردد الجميل وغضب فيليب حبيب

زعزعت وثيقة شارون رغم رفضنا لها علاقتنا بالأميركيين لعدم معرفتهم بها إلا متأخراً، كونهم أرادوا مفاوضات رسمية بيننا والاسرائيليين يكونون فيها طرفاً ثالثاً مباشراً، لمعرفتهم بأنهم الاقدر على التأثير على اسرائيل، ولئلا يفشل الاتفاق. عندما احضر سامي مارون الورقة المسماة “وثيقة شارون” لم تكن مفاوضاتنا مع اسرائيل قد بدأت، الا ان الرئيس قابلها بتردد غير متيقن من جدواها كي يوافق عليها. إلى ان حضر فيليب حبيب الى بيروت فجأة في مرحلة جولاته المكوكية بين بيروت وتل ابيب. بدا عليه الانفعال والغضب وكان يصرخ بصوت عال. استفسر منه الرئيس فاخرج من جيبه ورقة هي الوثيقة تلك، وروى لنا ما دار بينه وارييل شارون في اسرائيل. قال له شارون لا ضرورة أن تتدخل انت، تفاهمنا مع لبنان. كلا الرجلين كان يكنّ للآخر بغضاً وكراهية. عندما اخرج فيليب حبيب الورقة من جيبه قال للرئيس الجميّل: هذا هو الاتفاق، شكراً لكم. على  الفور اوضح له الرئيس ان لا علاقة له بالوثيقة ولم يطلبها، وليست نتيجة اي تفاوض سرّي مع اسرائيل. بل محاولة شخصية منفصلة لسامي مارون. ذهب إلى اسرائيل بلا تكليف وبلا أي حيثية يتسم بها، وعاد من هناك بها بحجة انه يحمل الحل. لسامي مارون علاقات وطيدة بالاسرائيليين بانت ابان الاجتياح الاسرائيلي عندما كان ضباط ومسؤولون اسرائيليون يجتمعون في منزله في بيروت. الرجل يبحث عن دور له وغالباً ما يتقدم بافكار يقدمها الى الرئيس معولاً على صداقة قديمة جمعته به، وجعلته يعتقد بأنه يملك هامش الاجتهاد. عندما احضر سامي مارون الوثيقة اخبرنا الرئيس، إيلي سالم وانا، بها، مع أن ايلي سالم في مذكراته ينفي ان يكون اطلع عليها إلا بعدما أبرزها فيليب حبيب، وهذا غير صحيح. منذ اليوم الأول أُخطرنا بها. عرف فيليب حبيب بها من ارييل شارون بالذات. مذذاك توقفت الجولات المكوكية لفيليب حبيب وتولى موريس درايبر المرحلة التالية من المفاوضات المباشرة بين البلدين”.

إقرأ أيضاً: انتهى وقت التّذاكي في لبنان!

تشجيع سوري مريب

مما يرويه أيضاً: “في مرحلة مفاوضات الاتفاق مع اسرائيل لم نكن في صدد التفاوض مع سوريا. في مؤتمر دول عدم الانحياز في نيودلهي قال الرئيس حافظ الأسد للرئيس امين الجميّل في اجتماعيهما في 9 آذار 1983 و10 منه في الفندق وكانت المرة الاولى يلتقيان كرئيسين: انجزوا عملكم مع الإسرائيليين ونحن نحكي لاحقاً. ذلك ما اتفق عليه معه. لم يكن السوريون يريدون الخوض في الموضوع، ولا نحن نريد ادخالهم فيه. تواصل بلا مضمون. راح الزائرون لدمشق يعودون إلينا بانطباعات ايجابية مشجعة كان يحملها جان عبيد وميشال سماحة وآخرون. وثقنا بما كان يصل إلينا على انه جدي وحقيقي. لم أتردد يوماً في أن اقترح على الرئيس أن يرسل الاثنين معاً إلى دمشق كي يشتركا هناك في جلسة تشاور واحدة. فهمنا من التشجيع السوري إما ايحاء بعلاقة ودية بالرئيس وإما بترقب نتائج مفاوضاتنا، ان سوريا لا تمانع في استمرارها مع إسرائيل وفي الوقت نفسه التواصل معنا، ربما في انتظار لحظة الانقضاض علينا اخيراً”.

مواضيع ذات صلة

الاستراتيجية السعودية الجديدة: من عاصفة الحزم إلى الاحتواء الحازم

في السادس والعشرين من آذار ٢٠١٥، بدأت السعودية حرب اليمن بعاصفة جوية أرادت إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء. وفي الثالث عشر من تموز ٢٠٢٦، ضُرب…

مجلس الشّعب السوري: تنوّع مناطقيّ وإبعاد للإخوان

افتتح الرئيس السوريّ أحمد الشرع الجلسة الأولى لمجلس الشعب بالتأكيد أنّ سوريا “تكتب اليوم تاريخاً جديداً”، داعياً إلى تغليب المصلحة الوطنيّة وبناء الدولة وتحقيق سيادة…

الخليج وإيران… الجيرة المستحيلة بعد سقوط المحرّمات

لم يعد السؤال لماذا تقصف إيران جيرانها، بل لماذا لا تزال دول الخليج تراهن على أن حسن الجوار وحده كفيل بردع الصواريخ؟ فبعد ساعات فقط…

المسيحيّون في لبنان: أيّ مستقبل؟! (1/4)

لم تعد الحرب الأخيرة محطّة عسكريّة في تاريخ لبنان وحسب، بل تحوّلت إلى لحظة مراجعة وجوديّة عند معظم الجماعات اللبنانيّة، ولا سيما لدى المسيحيّين الذين…