التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

مدة القراءة 6 د

عندما شارك كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة المؤسسة العسكرية في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، التي امتدت أسبوعاً كاملاً، بدا المشهد وكأنه رسالة مدروسة لإظهار تماسك النظام بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. عزفت الفرقة العسكرية النشيد الوطني، وسار رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية وكبار قادة الحرس الثوري جنباً إلى جنب، في مشهد لم يتكرر منذ اندلاع الحرب. إلا أن الغائب الأبرز كان المرشد الأعلى الجديد آية الله مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ تعيينه في آذار الماضي، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول من يدير إيران فعلياً.

 

في تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، ترى الصحفية الإيرانية الأميركية فارناز فصيحي أنّ مراسم التشييع، التي كان يفترض أن تجسّد وحدة النظام، كشفت في الواقع حجم الانقسامات داخل مراكز القرار، والصراع المحتدم حول مستقبل السلطة والسياسة الإيرانية في مرحلة ما بعد علي خامنئي.

تشير الصحيفة إلى أنّ أسبوع التشييع شكّل هدنة مؤقتة بعد أسابيع من الصراع السياسي الحاد، حيث تبادل مسؤولون كبار الاتهامات بالخيانة، والتآمر، والتفريط، بل وحتى التخطيط للانقلاب أو التلاعب بالمرشد الجديد.

للانتقام بدل التفاوض

تبرز الصحيفة تصريحات حسن رحيم بور أزغدي، أحد أبرز منظري التيار المتشدد، الذي قال خلال تجمع في طهران: “أبصق على هذا العصر الذي يقتلون فيه قائدنا ثم نتحدث عن السلام مع الولايات المتحدة”، داعياً إلى الانتقام بدلاً من التفاوض. وفي المقابل، حاول مجتبى خامنئي تهدئة الأجواء عبر بيان مكتوب، إلا أن ذلك لم ينجح، إذ طالب أنصار التيار المتشدد بظهوره شخصياً أو بإصدار تسجيل صوتي، وهو ما لم يحصل.

ترى الصحيفة أنّ الانقسام لم يعد بين المحافظين والإصلاحيين، بل بات داخل المعسكر المحافظ نفسه

تضيف الصحيفة أنّ غياب المرشد الجديد عن مراسم تأبين زوجته، التي قُتلت مع ابنه وعدد من أفراد العائلة خلال القصف الذي استهدف مجمع الأسرة في اليوم الأول من الحرب، عزز الشكوك حول قدرته على الإمساك بزمام السلطة. وتنقل عن عضوين في الحرس الثوري ومسؤول شارك في تنظيم التشييع أن مجتبى خامنئي كان يرغب في المشاركة، ولا سيما في مراسم الدفن في مشهد، لكن الأجهزة الأمنية رفضت ذلك خشية تعرضه لمحاولة اغتيال إسرائيلية أو تعقب مكان وجوده.

ترى الصحيفة أنّ الانقسام لم يعد بين المحافظين والإصلاحيين، بل بات داخل المعسكر المحافظ نفسه. فمن جهة، يقود الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، مدعومين بعدد من كبار قادة الحرس الثوري، تياراً براغماتياً يعتبر أن مصلحة إيران تقتضي إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة وفتح الباب أمام التعافي الاقتصادي. وفي المقابل، يتمسك التيار المتشدد برفض أي تفاوض، معتبراً أن استمرار المواجهة هو الضمانة الوحيدة لحماية مبادئ الثورة الإسلامية.

التشييع

تشير الصحيفة إلى أنّ هذه الخلافات خرجت إلى العلن بشكل غير مسبوق. فقد قُطع البث المباشر لكلمة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أثناء شرحه تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، ما أثار حملة انتقادات واسعة ضد إدارة التلفزيون الرسمي، التي تتهم بالانحياز إلى المتشددين. كما كثّف الإعلام الرسمي هجماته على فريق التفاوض، فيما طالب متشددون خلال تجمعات في طهران بمحاكمة المفاوضين، بل وإعدامهم.

عرقجي يسترضي

لم يسلم وزير الخارجية عباس عراقجي من هذه الحملة، إذ تعرض لهتافات تتهمه بـ”الاسترضاء”، بينما وصف المحلل المتشدد فؤاد إيزدي الحكومة وفريق قاليباف بأنهم “أغبياء ومضللون”.

مراسم التشييع، التي كان يفترض أن تجسّد وحدة النظام، كشفت في الواقع حجم الانقسامات داخل مراكز القرار

بحسب أربعة مسؤولين إيرانيين وعضوين في الحرس الثوري تحدثوا إلى الصحيفة، فإن هذه السجالات لا تمثل سوى الجزء الظاهر من صراع أعمق يدور داخل النظام، حيث يسعى كل جناح إلى استمالة المرشد الجديد. وحتى الآن، يبدو أن التيار البراغماتي تمكن من فرض خياراته، بعدما دفع نحو قبول وقف إطلاق النار، وإجراء مفاوضات مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وصولاً إلى توقيع اتفاق مع الرئيس دونالد ترامب.

توضح الصحيفة أنّ رفض المتشددين لهذا المسار يعود إلى قناعتهم بأن الاتفاق الحالي يتجاوز الملف النووي، وقد يفتح الباب أمام تحول جذري في علاقة إيران بالولايات المتحدة بعد نحو نصف قرن من القطيعة. ويختصر المحلل مهدي رحمتي موقف البراغماتيين بقوله: “نريد صفقة كبرى تزيل خطر الحرب وتسمح لإيران بالازدهار اقتصادياً. الناس يريدون فقط أن يعيشوا”. كما أكد الرئيس بزشكيان أن المرشد الجديد وافق على خيار التفاوض، نافياً أن يكون قرار الحكومة منفرداً.

لكن المفاوضات ما زالت تواجه عقبات، في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعودة إلى الحرب، وتبادل الضربات لفترة وجيزة، ما منح المتشددين فرصة للتشكيك في جدوى الحوار، بل وطرح تساؤلات عن وجود “انقلاب” داخل مؤسسات الدولة.

تعزيز نفوذ الحرس

تلفت الصحيفة إلى أنّ الحرب عززت نفوذ الحرس الثوري، الذي بات يدير كثيراً من الملفات الحساسة، في مؤشر إلى انتقال إيران من نموذج القرار الفردي الذي ساد في عهد علي خامنئي إلى قيادة أكثر جماعية في عهد نجله. ويؤكد هذا التحول نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه، الذي قال إن رأي المرشد الجديد لم يعد الكلمة الفصل وحده، بل يناقش داخل مؤسسات الدولة، وهو تصريح كان يصعب تصوره في عهد المرشد السابق.

تشير الصحيفة إلى أنّ أسبوع التشييع شكّل هدنة مؤقتة بعد أسابيع من الصراع السياسي الحاد، حيث تبادل مسؤولون كبار الاتهامات بالخيانة

تختم “نيويورك تايمز” بأنّ مجتبى خامنئي يواجه اختباره الحقيقي في الأسابيع المقبلة، مع اقتراب استحقاقات تعيين رئيس السلطة القضائية، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، وقائد قوات الباسيج، ورئيس ديوانه. فهذه التعيينات، بحسب مسؤولين إيرانيين، ستكشف أي اتجاه سيختاره المرشد الجديد، وما إذا كان سيميل إلى البراغماتيين الذين دعموا صعوده، أم إلى التيار المتشدد الذي يرى في أي انفتاح على واشنطن تهديداً لجوهر الجمهورية الإسلامية.

إقرأ أيضاً: جيمس جيفري: إيران خسرت لبنان و”الحزب”

يختصر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز ولي نصر المشهد بقوله: “إنها معركة حقيقية على مستقبل إيران. فإذا انتصرت البراغماتية، فسيدفع المتشددون إلى الهامش، وهم يقاومون ذلك بكل قوتهم”.

مواضيع ذات صلة

ديفيد بترايوس: العراق أمام اختبار الدولة الحاكمة

يرى القائد السابق لقوّات التحالف في العراق بين عامَي 2007 و2008، والجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ، ديفيد بترايوس، أنّ العراق يقف اليوم على أعتاب أحد…

لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟

يرى مركز صوفان أنّ نجاح مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة لن يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل وعلى طيف واسع من الجهات الفاعلة الإقليميّة والدوليّة. ويعتبر…

نيوزويك: هل يتحوّل “اتفاق سويسرا” إلى مظلة حماية للحزب؟

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات إلى اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن الملفات العالقة بينهما، يحذر خبيران أمنيان من أنّ…

جيمس جيفري: إيران خسرت لبنان و”الحزب”

يرى السفير الأميركيّ السابق جيمس جيفري أنّ الحكم على الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران من خلال عدم إسقاط النظام الإيرانيّ أو القضاء نهائيّاً على…