تمرّ بريطانيا بمرحلة استثنائية تكاد تكون الأكثر تعقيداً منذ عقود. تبدو دولةً ترتاب من نفسها، وتعيش حالة من الشك في خياراتها الكبرى. بدأت ملامح هذه الأزمة مع قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، لكنها لم تنتهِ مع تعاقب الحكومات، ولا مع الاستقالات والانتخابات والتعيينات المتلاحقة. فلا هي استطاعت استعادة علاقة مستقرة مع العمق الأوروبي الذي لا تزال تحتاج إليه اقتصادياً وسياسياً، ولا هي وجدت بديلاً كاملاً في الفضاء الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة.
خلال السنوات الأخيرة، تراجعت فعالية المؤسسات البريطانية، وانكمشت قدرة البرلمان والحكومة على إنتاج سياسات مستقرة، وفقدت الإدارة البريطانية شيئاً من مرونتها وكفاءتها التاريخية. كما تبدّل المزاج العام للمجتمع، ودخلت البلاد في حالة من الجمود السياسي والانقسام المجتمعي. فما الذي يحدث في بريطانيا؟ وهل تحولت “البريكسيت” إلى أزمة دولة؟
تمرّ بريطانيا بمرحلة استثنائية تكاد تكون الأكثر تعقيداً منذ عقود. تبدو دولةً ترتاب من نفسها، وتعيش حالة من الشك في خياراتها الكبرى
أزمة هيكلية تتجاوز الحكومات
تعيش المملكة المتحدة أزمة هيكلية غير مسبوقة، عنوانها الأساسي تراجع اليقين السياسي وتآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية. فقد أدى الانقسام الشعبي العميق، والإرث الثقيل الذي خلفه البريكسيت، إلى جانب تباطؤ الأداء الاقتصادي، إلى إضعاف الكفاءة التنفيذية للدولة وانعكاس ذلك على مستوى الاستقرار الداخلي.
ويمكن تلخيص أبرز مظاهر هذه الأزمة في أربعة عوامل رئيسية:
ـ أولاً، اللااستقرار المؤسساتي: دخلت منظومة الحكم في دوامة من عدم الاستقرار، وأصبح تعاقب الحكومات بوتيرة متسارعة دليلاً على عجز الطبقة السياسية عن التوفيق بين تطلعات الرأي العام والواقع الاقتصادي الصعب.
ـ ثانياً، كلفة البريكسيت: فبعد نحو عقد على الخروج من الاتحاد الأوروبي، أصبحت التداعيات الاقتصادية والسياسية أكثر وضوحاً. فقد تكبد الاقتصاد البريطاني خسائر ملموسة، وتراجعت ثقة المستثمرين، فيما تعرضت قطاعات حيوية لضغوط متزايدة.
ـ ثالثاً، انكماش الأداء السياسي: إذ وقعت الأحزاب الكبرى في فخ الاستقطاب الحاد، الأمر الذي أضعف قدرة البرلمان والحكومة على إنتاج توافقات سياسية مستقرة واتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة المدى.
ـ رابعاً، تراجع المكانة الدولية: فقد فرضت الأزمات الداخلية نفسها على السياسة الخارجية البريطانية، وأعاقت محاولات إعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وتعزيز الحضور البريطاني على الساحة الدولية.
تعيش المملكة المتحدة أزمة هيكلية غير مسبوقة، عنوانها الأساسي تراجع اليقين السياسي وتآكل الثقة بالمؤسسات التقليدية
“البريكسيت” مشروع سياسي
لم يكن “البريكسيت” مشروعاً اقتصادياً بحتاً كما جرى تسويقه للرأي العام، بل كان في جوهره مشروعاً سياسياً وهوياتياً. استند إلى وعود اقتصادية مبالغ فيها، لكنه انطلق أساساً من رؤية قومية هدفت إلى إعادة تعريف موقع بريطانيا وهويتها السياسية.
جسّد هذا المشروع صراعاً بين الانتماء الأوروبي والخصوصية البريطانية، فيما استخدمت الشعارات الاقتصادية والمالية وسيلة لترسيخ تحول سياسي وثقافي متجذر في الإرث الأنغلوسكسوني.
منذ الاستفتاء، تعاقب على رئاسة الحكومة البريطانية ستة رؤساء وزراء خلال أقل من عقد، بمعدل يقارب سنة ونصف السنة لكل حكومة، وهي ظاهرة غير مألوفة في التاريخ السياسي البريطاني الحديث. وحتى حكومة كير ستارمر، التي جاءت بعد انتصار انتخابي كبير لحزب العمال وبعد غياب لأكثر من عقد، لم تستطع الإفلات من الانقسامات الداخلية، ما يؤكد أن الأزمة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما ترتبط ببنية النظام السياسي نفسه.
أولويات ما بعد الخروج
بعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ركزت بريطانيا على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، أبرزها:
ـ استعادة السيادة الوطنية عبر تشديد الرقابة على الحدود، وضبط حرية تنقل الأشخاص، وإعادة صياغة سياسات الهجرة والتأشيرات.
ـ حماية الهوية البريطانية، انطلاقاً من القلق من ذوبان خصوصية المملكة المتحدة داخل المشروع الأوروبي.
ـ استعادة الصلاحيات الدستورية الكاملة للبرلمان والحكومة، وإنهاء خضوع التشريعات البريطانية للمحاكم والمعايير الأوروبية.
ـ التخلص من البيروقراطية الأوروبية التي صُوّرت على أنها عائق أمام فعالية الدولة البريطانية وقدرتها التنافسية.
وضع “البريكسيت” الدولة البريطانية أمام واقع جديد، تتداخل فيه الأزمات الدستورية مع التحديات الاقتصادية والسياسية. فتراجعت مكانة بريطانيا مقارنة مع اقتصادات الدول السبع، وانخفض معدل نموها
ندم متزايد على “البريكسيت”
تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن تنامي الشعور بالندم لدى نسبة متزايدة من البريطانيين تجاه قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي. فالكثيرون يرون أن “البريكسيت” لم يحقق الوعود التي رافقته، بل أدخل البلاد في مرحلة من الاضطراب السياسي والاقتصادي.
ويعود هذا التحول في المزاج العام إلى عجز الحكومات المتعاقبة عن معالجة التداعيات الاقتصادية، وإلى شعور متنامٍ لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأن الوعود التي سبقت الاستفتاء لم تكن واقعية، وأن الناخبين تعرضوا لحملات تضليل سياسية وإعلامية.
عملياً، شكّل البريكسيت أحد أكبر التحولات الدستورية في تاريخ المملكة المتحدة الحديث، وكانت كلفته السياسية والاقتصادية مرتفعة. فقد أوجد انقسامات مجتمعية ومؤسساتية عميقة، وأدخل البلاد في أزمة دستورية مستمرة، كما ترك انعكاسات واضحة على الاتحاد الأوروبي نفسه.
غير أن هذه الأزمة لا تقتصر على بريطانيا وحدها، بل تعبّر عن ظاهرة أوسع تشهدها دول أوروبا الغربية، حيث تتعرض الأنظمة السياسية لضغوط اقتصادية متزايدة، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وتحولات ثقافية واجتماعية متسارعة، إلى جانب التحديات الأمنية وتصاعد التوترات المرتبطة بملفات الهجرة والهوية الوطنية ومستقبل الطبقة الوسطى.
ساهمت هذه العوامل في صعود الأحزاب اليمينية في عدد من الدول الأوروبية، مستفيدة من القلق الشعبي تجاه الهجرة والتحولات الديموغرافية، وفي مواجهة قوى اليسار التي تُتهم، من قبل خصومها، بالتساهل مع سياسات الهجرة والانفتاح الثقافي.
إقرأ أيضاً: النّاتو في أنقرة: إعادة تعريف الحلف ودوره
وضع “البريكسيت” الدولة البريطانية أمام واقع جديد، تتداخل فيه الأزمات الدستورية مع التحديات الاقتصادية والسياسية. فتراجعت مكانة بريطانيا مقارنة مع اقتصادات الدول السبع، وانخفض معدل نموها مقارنة بمعظم الاقتصادات الأوروبية، فيما باتت البلاد تعيش انقساماً بين حنين إلى الشراكة الأوروبية وتمسك برواية “بريطانيا العظمى” المستقلة.
لم ينجح المجتمع البريطاني حتى الآن في التكيف الكامل مع هذه المعادلة الجديدة، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة بتغيير الحكومات أو إجراء انتخابات جديدة، بل أصبحت أزمة ثقة في النموذج السياسي الذي حكم بريطانيا لعقود. ويبقى التحدي الحقيقي أمام المملكة المتحدة اليوم هو إعادة بناء الثقة بالمركز السياسي المعتدل الذي صنع استقرار بريطانيا لعقود طويلة.
