تقتضي الشجاعة الاعتراف بأن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بصورة تبدو متناقضة للوهلة الأولى: خسرت عسكريًا وأمنيًا على نحو قاسٍ، لكنها نجحت في تحقيق مكسب سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية. فالحروب لا تُحسم بعدد المنشآت المدمرة، ولا بعدد القادة الذين سقطوا، بل بالنتيجة السياسية التي تفرض نفسها عند نهاية المعركة.
بدأت سلسلة الخسائر الإيرانية قبل الحرب المفتوحة بوقت طويل. فمنذ اغتيال إسماعيل هنية في قلب طهران، بدا أن هيبة ايران تعرضت لضربة غير مسبوقة، لأن الاغتيال لم يكن مجرد تصفية لشخصية محورية، بل حمل في طياته إهانة موصوفة وغير مسبوقة على الاطلاق، وقد وصفه السيد حسن نصرالله وقتذاك بطريقة بالغة الوضوح، معتبرًا أنه مساس بشرف ايران.
لاحقًا توالت الضربات بوتيرة متسارعة. تفجير البيجر واغتيال السيد حسن، ثم اغتيال خليفته، شكّل ضربة موجعة لأبرز أذرع إيران الإقليمية. قبل ذلك كانت إسرائيل قد دمّرت مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، في تطور غير مسبوق، قبل أن تصل الأمور إلى استهداف المنشآت النووية الإيرانية ضمن عملية مطرقة منتصف الليل.
لحظة الفصل
رغم هذا المسار التصاعدي من الخسائر، ظل السلوك الإيراني يتجه نحو احتواء الأزمة لا نحو تفجيرها. كانت طهران تبحث عن الحد الأدنى من التسويات التي تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، حتى ولو اقتضى ذلك تقديم تنازلات مؤلمة.
انطلاقًا من ذلك، وافقت ايران على ترتيبات أمنية منحت إسرائيل هامشًا واسعًا من حرية الحركة في لبنان. وكذلك كان الواقع في العراق واليمن، حيث قبلت بتسويات منقوصة وغير متوازنة أشبه ما تكون بالهزيمة. أما في سوريا، فقد تراجعت أمام الانهيار الكامل للنظام الذي شكّل لعقود أهم ركائز نفوذها الإقليمي.
تقتضي الشجاعة الاعتراف بأن إيران خرجت من المواجهة الأخيرة بصورة تبدو متناقضة للوهلة الأولى
كل تلك الخطوات كانت تصب في خانة واحدة: تجنب الحرب المفتوحة مهما ارتفع الثمن.
خلال تلك المرحلة، كانت خسائر المحور تتراكم بصورة دراماتيكية. سقطت غزة عسكريًا، وهرب بشار الأسد، وانكفأ الحوثيون، وبدأ العراق يتملص تدريجيًا من الهيمنة المطلقة، فيما تلقى الحزب ضربات غير مسبوقة مست بنيته العسكرية والتنظيمية دون أي قدرة على الرد.
تعرضت صورة إيران وهيبتها، داخل البلاد وخارجها، لما يشبه الانهيار الكامل، وبدت الجمهورية الإسلامية وكأنها دخلت رسميًا مرحلة السقوط البطيء.

لكن اللحظة المفصلية جاءت عندما شعرت القيادة الإيرانية بأن النظام نفسه بات أمام خطر وجودي مع افتتاحية اغتيال المرشد. عندها انتقلت من سياسة امتصاص الضربات إلى خيار مختلف تمامًا، وهو استخدام جميع الأوراق دفعة واحدة. لم يعد الحساب يتعلق بحجم الخسائر، بل بمصير النظام نفسه. أصبح المنطق بسيطًا: إما النجاة مهما كان الثمن، وإما سقوط كل شيء.
للمرة الأولى في تاريخها، أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، وهو السلاح الذي طالما لوّحت به نظريًا، لكنها تجنبت استخدامه خشية التداعيات الدولية. كما وسعت دائرة المواجهة نحو استهداف مباغت لدول الخليج، في مشهد اقترب من حرب إقليمية مكتملة الأوصاف.
كان كثيرون يتوقعون أن تؤدي هذه الخطوات إلى انهيار النظام الإيراني خلال أيام، أو إلى تشكيل تحالف دولي ضخم ضده. وطرحت أسئلة كبرى: هل سيكرر العالم تجربة الرد على اجتياح الكويت؟ هل ستتشكل جبهة دولية مشابهة للتحالف الذي واجه تنظيم داعش؟ ماذا سيكون موقف أوروبا؟ وكيف ستتصرف الصين؟ وهل ستنخرط الدول العربية والخليجية في الحرب لإسقاط النظام؟
وافقت ايران على ترتيبات أمنية منحت إسرائيل هامشًا واسعًا من حرية الحركة في لبنان
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا. لم يتشكل التحالف الدولي المنتظر. لم تدخل دول الخليج الحرب، بل اكتفت بحماية أراضيها ومنشآتها. أما القوى الكبرى، فقد بدا أنها فضلت احتواء الأزمة على المجازفة بانفجار شامل يهدد الاقتصاد العالمي.
خسارة بطعم الانتصار
في هذه اللحظة تمامًا، اكتشفت إيران أن الورقة التي كانت تخشى استخدامها طوال عقود، قادرة بالفعل على شل أسواق الطاقة العالمية ووضع الاقتصاد الدولي أمام معادلة شديدة الخطورة، دون قدرة العالم في المقابل على فعل أي شيء. كان ذلك، ربما، أهم تحول استراتيجي في التفكير الإيراني.
انتقلت ورقة إغلاق مضيق هرمز من كونها مجرد تهديد نظري إلى سلاح ثبتت فعاليته بالتجربة العملية. وهذا التحول النفسي والسياسي قد يكون أهم من استخدام السلاح نفسه.
لذلك لم يعد مستغربًا أن تتحول هذه الورقة إلى أداة ضغط دائمة في السياسة الإيرانية. فما كان يُحتفظ به لمواجهة خطر وجودي، بات يُطرح اليوم كلما واجهت طهران أي أزمة أو شعرت بأن مصالحها الإقليمية مهددة، فما كانت تهدد به للحؤول دون مس النظام، صارت تفعله لمنع اسرائيل من السيطرة على تلة صغيرة في جنوب لبنان.
من هذا المنظور تحديدًا، يمكن فهم الاتفاق الإيراني – الأميركي بوصفه انتصارًا سياسيًا لطهران، بصرف النظر عن حجم الخسائر العسكرية التي سبقت الوصول إليه. فالواقعية تفرض الاعتراف بأن إيران انتقلت، وفق هذا التصور، من دولة تواجه عزلة وضغوطًا متصاعدة إلى لاعب إقليمي وازن ومؤثر ولا امكانية لتجاوزه في المنطقة.
تعرضت صورة إيران وهيبتها، داخل البلاد وخارجها، لما يشبه الانهيار الكامل، وبدت الجمهورية الإسلامية وكأنها دخلت رسميًا مرحلة السقوط البطيء
هذا الاتفاق حوّل أوراق ايران الاستراتيجية من وسائل ردع نظرية إلى أدوات تأثير عملية أثبتت قدرتها على النفوذ الهائل في أمن الطاقة العالمي وفي أمن الخليج وأمن البحر الأحمر.
قبل سنوات، قال الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي إن إيران إذا تمكنت من السيطرة على باب المندب فلن تعود بحاجة إلى قنبلة نووية. واليوم بات مؤكدًا أن سطوة ايران على امن النفط وامن الخليج وامن البحر الاحمر بات يتجاوز في مضامينه السياسية حيازة قنبلة نووية.
إقرأ أيضاً: هرمز في حسابات الخليج: الاستقرار قبل الإيرادات
لهذا، يمكن القول إن إيران خسرت المعركة العسكرية، لكنها ربحت المعركة السياسية حتى الآن. وإذا لم يتعرض النظام لهزة داخلية كبيرة، وهو احتمال لا تبدو مؤشراته قوية حتى الآن، وإذا لم تُقدم الولايات المتحدة على حملة عسكرية واسعة تستهدف تغيير موازين القوى بصورة جذرية، فإن إيران مرشحة لاستعادة نفوذها في الاقليم، مستفيدة من الدرس الأهم الذي خرجت به من هذه الحرب، وهو أن ما لديها أوارق مجربة تفوق في قدرتها التدميرية ما تستطيعه أسلحة الدمار الشامل.
لمتابعة الكاتب على X:
