هل تنهي المفاوضات الدّور “الشّقيّ” لإيران و”الحزب”؟

مدة القراءة 6 د

انعقاد طاولتَيْ التفاوض المباشر في سويسرا وواشنطن مهمٌّ في ذاته بمقدار أهميّة ما قد يتمّ التوصّل إليه، وإن متأخّراً. أولى دلالات الانعقاد أنّ المتحلّقين من حولهما يريدون التوقّف عن الاستمرار في الحرب المكلفة لهم جميعاً، وثانيتها سعيهم إلى تسوية مقبولة يجتهدون في تفسيرها لدى جمهورهم كي يبقى ثمّة رابح دائم في الظاهر، وثالثتها إيجاد موقع لهم في منطقة يُعاد تشكيلها والتحوّل إلى فريق أساسيّ في إدارة مصالحها واستقرارها، ورابعتها تفضيل صراع الإرادات ومصادر القوّة على صراع الآلهة.

 

مذ أُعلنت مذكّرة التفاهم الأميركيّةـ الإيرانيّة قبل الذهاب إلى مفاوضات سويسرا، استعجل اللبنانيّون استنتاج مؤدّاها. بينهم مَن وجد فيها هزيمة لطرف أدّت إلى انتصار الطرف الآخر أيّاً يكن هذا أو ذاك، وبينهم مَن قاربها على أنّها صفقة أميركيّة ـ إيرانيّة غامضة ظاهرها ضمان استقرار المنطقة.

ضاعف في غلواء الاستنتاج أنّ الأفرقاء اللبنانيّين، المنقسمين من حول المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، انتقل بهم الانقسام إلى تصوّر مخاوف وحذر ممّا سيؤول إليه وضع لبنان على طاولة سويسرا من دون أن يكون جالساً إليها. إزاء اطمئنان “الحزب” إلى إيران وخشيته من أعدائها، لا يملك الفريق اللبنانيّ الآخر، الدولة اللبنانيّة والدائرون في فلك خياراتها، سوى الإعراب عن قلقه. بالنسبة إلى “الحزب” طاولة واشنطن هي طاولة العدوّ، وبالنسبة إلى لبنان الرسميّ طاولة سويسرا هي طاولة العدوّ.

مفارقة ما يحدث أنّ الجالس إليها بالفعل هو عدوّ: إيران تجتمع وجهاً لوجه مع قاتل مرشدها السابق بما يمثّل من رمز دينيّ وسياسيّ، علاوة على قتل قاداتها تباعاً منذ 28 شباط، ولبنان يجالس، على الرغم من إرادة “الحزب” المبتهج بالطاولة الأميركيّة ـ الإيرانيّة، العدوّ الذي يحتلّ جزءاً من أراضيه.

استُنفدت المهمّة التي انتدب “الحزب” نفسه لها طوال أكثر من أربعة عقود، وهي القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين

دوافع التّوجّس

أمّا دوافع توجّس الفريقين اللبنانيَّين، المنقسمَين من حول طاولتَيْ سويسرا وواشنطن، فتكمن في بضعة معطيات:

1- إنّها المرّة الأولى التي تجلس فيها طهران إلى طاولة النزاع اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ، وتتحوّل إلى طرف في ما يمكن التوصّل اليه لإنهاء الحرب الإسرائيليّة في الجنوب. بعدما عزت إلى نفسها فرض وقف النار على إسرائيل في إعلان وقف الحرب بينها وبين الولايات المتّحدة، ثمّ في مذكّرة التفاهم، ثمّ في تلويحها بإغلاق مضيق هرمز مجدّداً للسبب نفسه، أضحى من الطبيعيّ أن تصبح معنيّةً مباشرةً بأيّ اتّفاق إسرائيليّ ـ لبنانيّ، وأن تكون ساهرة على مستقبل “الحزب” فيه.

الحزب

لم يتردّد الإيرانيّون في القول إنّ جبهة لبنان أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من جبهة الخليج العربيّ. وجودها في اللجنة الخماسيّة المقترح إنشاؤها لمراقبة وقف النار وتثبيته، إلى جانب الولايات المتّحدة وقطر وباكستان وطرفَيْ النزاع لبنان وإسرائيل، يستعيد تجربة “تفاهم نيسان” عام 1996 من خلال اللجنة الخماسيّة آنذاك التي فُوّض فيها إلى سوريا شأن لبنان، وكانت ظهير “الحزب” في تلك المرحلة التي استمرّت أربع سنوات ثمّ اختفت. بلا أيّ غموض وجهاراً تتصرّف إيران على أنّها الظهير الفعليّ لـ”الحزب” المعنيّ بحمايته ووقف الحرب عليه.

من يبدأ أوّلاً؟

2- ليس خافياً أنّ أيّ حلّ سينبثق من طاولتَيْ سويسرا أو واشنطن، أو منهما معاً، وهنا تكمن علّة ازدواجيّة المرجعيّة، سيفضي إلى معادلة حتميّة هي انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلّتها، مقابل انسحاب “الحزب” وما بقي من بناه العسكريّة من الجنوب كلّه، دون اقتصاره على جنوب نهر الليطاني. محور السجال الدائر هو أيّهما يبدأ أوّلاً، فيما يرفض لبنان الرسميّ تزامنهما ويقرن الانسحاب الإسرائيليّ بانتشار الجيش اللبنانيّ فوراً لملء الفراغ في مناطق غالبيّتها إمّا مهجّرة أو مدمّرة أو مجروفة.

لم تقاتل إيران من أجل “الحزب”، وهي مرجعيّته، لو لم يكن شيعيّاً، ولم تعطِ “حماس” السنّيّة نصف ما أعطته إيّاه

ما يقال في هذا الصدد، في معرض الحديث عن المنوط بطاولة سويسرا، هو أن يُعهد إلى إيران ما عجزت الدولة اللبنانيّة عن القيام به بين عامَيْ 2024 و2026 بعدما ثبت عجز إسرائيل عن تدمير “الحزب” وعجز الدولة اللبنانيّة عن نزع سلاحه منه، على أن تكون إيران معنيّة بذلك سلماً. في نهاية المطاف استُنفدت المهمّة التي انتدب “الحزب” نفسه لها طوال أكثر من أربعة عقود، وهي القضاء على إسرائيل وتحرير فلسطين.

3- السؤال الغامض في ضوء ما آلت إليه مذكّرة التفاهم، وتالياً المفاوضات الأميركيّة ـ الإيرانيّة، وقد لا يجد جواباً عنه في مرحلة قريبة، هو: هل يفضيان إلى الإبقاء على إيران الحاليّة دولة “شقيّة” يُنظر إليها على أنّها “مخرّبة” في المنطقة، أم يساهمان في تحويلها إلى دولة “طبيعيّة” في محيطها كتركيا وباكستان ودول الخليج العربيّ، ذات تأثير إقليميّ في إدارة مصالح المنطقة وأمنها واستقرارها؟

الصورة نفسها يُنظر بها إلى “الحزب” إذا افترضنا تجريده من مهمّة “الشقّيّ” في لبنان والمنطقة. ليس المقصود هنا سقوط النظام الدينيّ في إيران، وليس هو الخطر على الغرب، ولا تخلّي “الحزب” عن الجمهوريّة الإسلاميّة، بل تبدّل دورَيهما المستنفَد في العقود الأربعة الأخيرة. ما يُفترض أن لا يتوقّعه خصوم “الحزب” اللبنانيّون هو تخلّيه عنها وعن الالتصاق الدينيّ والعقائديّ والفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ حتّى بولاية الفقيه.

إزاء اطمئنان “الحزب” إلى إيران وخشيته من أعدائها، لا يملك الفريق اللبنانيّ الآخر، الدولة اللبنانيّة والدائرون في فلك خياراتها، سوى الإعراب عن قلقه

لم تقاتل إيران من أجل “الحزب”، وهي مرجعيّته، لو لم يكن شيعيّاً، ولم تعطِ “حماس” السنّيّة نصف ما أعطته إيّاه. من دونها، وحتماً من دون قيادة الحرس الثوريّ لحربه الحاليّة مع إسرائيل، لما أمكنه منذ 2 آذار الفائت الوقوف جنباً إلى جنب مع دول النزاع المسلّح في المنطقة، والجلوس سرّاً إلى طاولاتهم هنا وهناك. لن يتغيّر الكثير داخل “الحزب” ما إن يعود إلى المعادلة اللبنانيّة.

إقرأ أيضاً:

تناقض الموقف الأميركيّ

4- الكلام المتناقض الذي يصل إلى أسماع الدولة اللبنانيّة من الأميركيّين ويبرّر تفسيره الملتبس: تارة أنّهم قطعوا للرئيس جوزف عون أنّ طاولة واشنطن هي مرجعيّة الترتيبات الأمنيّة التي سيصار إلى الاتّفاق عليها بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركيّة وضمان انسحاب الاحتلال، وطوراً بالقول إنّ على اللبنانيّين تقبّل الدور الإيرانيّ حيال بلدهم في مفاوضات سويسرا لأنّه المدخل الحتميّ للتوصّل إلى تسوية سلميّة مع “الحزب” تؤدّي إلى تخلّيه عن سلاحه على نحو تقبُّلِ إسرائيل على مضض وقف النار بضغط أميركيّ أصرّت عليه إيران.

مواضيع ذات صلة

أمن الخليج بعد الحرب: أسئلة الضّمانات والدّفاع والرّدع

كان الوجوم بادياً على الجلسة الافتتاحيّة للمؤتمر الوزاريّ لدول مجلس التعاون الخليجيّ والولايات المتّحدة أمس في البحرين. حاول الضيف الأميركيّ ماركو روبيو طمأنة نظرائه إلى…

المنطقة معلّقة: بين الرباعي الإسلامي والثنائي الإيراني–الإسرائيلي

عادةً، عندما تنتهي الحروب الكبرى، يصبح المشهد أوضح. نعرف من ربح ومن خسر. نعرف ما الذي تغيّر. ونعرف، ولو بالحدّ الأدنى، إلى أين تتّجه الأمور….

الخليج: من التعاون الدفاعي… إلى الفدرالية الدفاعية

ليست كل اتفاقات وقف الحرب سلامًا مستقرًا، وليست كل التسويات تخفيضًا دائمًا للخطر. فقد تنهي التسوية جولةً من الصراع، لكنها تترك وراءها بنية القوة التي…

ترامب والجهل في سوريا… وأجندة الشّرع!

تبدو الحاجة إلى أيّام وربّما أسابيع عدّة قبل الحكم على مدى فعّاليّة السياسة الإيرانيّة لإدارة دونالد ترامب التي باتت تراهن على إمكان استمالة النظام الإيرانيّ…