ما علاقة دمشق بمسيّرات “الفايبر أوبتيك”؟

مدة القراءة 6 د

لم يخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في الحرب ضدّ “الحزب”، وهو يعلم أنّ سوريا لن تلبّي طلبه التدخّل عسكريّاً، فيما المعلوم أنّ دمشق لا تتأخّر عن توفير أيّ تعاون أمنيّ واستخباريّ مع لبنان، كما مع المجتمعين العربيّ والدوليّ ضدّ فصيل مصنّف إرهابيّاً عربيّاً ودوليّاً. لا يخفى أيضاً ما تعيشه دمشق من شدّ وجذب بين لاعبين مؤثّرين كثر ليس أوّلهم إسرائيل، إضافة إلى كلّ من تركيا وروسيا والمجتمع العربيّ.

 

تمارس تل أبيب بوضوح ضغوطاتها الشديدة على دمشق من خلال توسيع تمدّدها في الجولان المحتلّ وفي جبل الشيخ، وفي الجنوب السوريّ وقراه وبيئته الدينيّة، وصولاً حتّى نسج علاقات مع الساحل ومكوّنه العلويّ، إضافة إلى العلاقة القديمة مع المكوّن الكرديّ في شمال شرقيّ سوريا.

تهدّد إسرائيل الوحدة الوطنيّة السوريّة باللعب على التناقضات من جهة، وتستغلّ من جهة أخرى كلّ خرق أو فتنة بين السلطات وهذه المكوّنات للضغط على النظام الجديد لتوقيع معاهدة صلح معها على غرار ما حصل مع مصر والأردن أو أقلّه اتفاقّ أمنيّ.

في الأثناء، تستعمل إسرائيل هذه الضغوطات لجرّ دمشق إلى التدخّل في لبنان أو في الحدّ الأدنى في السلسلة الشرقيّة للبقاع لتطويق “الحزب” والمساهمة في القضاء على منظومته الصاروخيّة الموجودة على الحدود وعلى مصانع المسيّرات.

في المقابل، تتمسّك سوريا بدورها السياديّ في الداخل لجهة ترسيخ الأمن وتفعيل مؤسّسات الدولة فيما لا تزال تمانع الاستجابة لأيّ طلب يأتي من إسرائيل أو من واشنطن للتدخّل في شماليّ البقاع اللبنانيّ. يساعد الشرع في ذلك موقف المبعوث الأميركيّ توم بارّاك الذي يرفض أيّ تهديد للنظام الجديد، سواء أتت هذه التهديدات من إسرائيل أو من إيران أو من الحشد الشعبيّ العراقيّ الذي سبق أن حشد بعض فرقه على حدود سوريا الشرقيّة.

لم يخفِ الرئيس الأميركيّ حماسته لانخراط دمشق والرئيس السوريّ أحمد الشرع في الحرب ضدّ “الحزب”، وهو يعلم أنّ سوريا لن تلبّي طلبه التدخّل عسكريّاً

يقف توم بارّاك بهذا الجانب في وجه جناح متشدّد في واشنطن يريد انغماس سوريا في الحرب على “الحزب”، غير أنّ سوريا التي تعمل على منع تهريب السلاح والصواريخ والإمدادات وتقف بوجه النفوذ الإيرانيّ العابر لأراضيها، لا ترغب ولا تقوى حاليّاً على الاستجابة للطلب الإسرائيليّ ولا لرغبات التيّار المتشدّد في واشنطن.

دور تركيا الدّاعم لسوريا الجديدة

ما يساعد النظام الجديد في سوريا إلى حدّ بعيد هو وقوف تركيا بقوّة إلى جانبه لمواجهة الضغوطات الإسرائيليّة، إذ تتخوّف أنقرة من امتداد نفوذ تل أبيب ودعمها للأكراد، ومن تحريض الطائفة العلويّة وطائفة الموحّدين الدروز (وأحداث السويداء لم تُنسَ بعد) على النظام الجديد.

لمساندة النظام الجديد، تتجاوب تركيا مع مساعي توم بارّاك في تقريب وجهات النظر بينها وبين تل أبيب في شأن غزّة ولبنان، ولكنّ الأساس يبقى لحماية النظام الجديد في دمشق، الذي تقدّم أنقرة لجيشه دعماً فعّالاً ومجدياً وتعيد بناءه على أسس جديدة مضادّة للعقيدة الأسديّة – البعثيّة.

سقف روسيا ومصالحها

أمّا روسيا فاختارت علاقات مختلفة مع سوريا متعدّدة الأهداف:

1- حماية قواعدها في طرطوس وحميميم.

2- بيع النفط إلى سوريا في ظلّ العقوبات، وهو الذي تحتاج موسكو إلى عائداته.

3- عدم إهدار الديون السابقة البالغة أكثر من 20 مليار دولار.

4- الحفاظ على سوق السلاح.

لهذه الأسباب نسجت موسكو علاقة ندّيّة مع النظام الجديد، وبالتالي تمانع انخراطه بأيّ مشروع قد يقوّض بنيانه أو استمراره أو يعرّضه للانهيار.

محاولات فرنسا

فور سقوط نظام الأسد سارعت باريس إلى التعاطي مع نظام الشرع. بعدما فقدت فرنسا نفوذها في إفريقيا وأميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط سعت بكلّ إمكانيّاتها إلى الحفاظ على ما بقي من نفوذها في الدول الفرنكوفونيّة (أي سوريا ولبنان).

تمارس تل أبيب بوضوح ضغوطاتها الشديدة على دمشق من خلال توسيع تمدّدها في الجولان المحتلّ وفي جبل الشيخ، وفي الجنوب السوريّ وقراه وبيئته الدينيّة

لا ترغب فرنسا بنزع سلاح “الحزب” بالقوّة، بل تركّز على “الاحتواء” ثمّ “الحوار” لحصره بيد الدولة اللبنانيّة. بالتالي لا تؤيّد باريس أيّ خطوة “جذريّة” تهدّد الأمن في لبنان وتعرّض السلام الوطنيّ للخطر، ولا تؤيّد أيضاً أيّ دفع لسوريا نحو مواجهة “الحزب” في البقاع.

عندما استقبل الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون السفير توم بارّاك للتباحث بأوضاع سوريا والعراق ولبنان، أعلن ماكرون “التزام فرنسا وحدة وسيادة سوريا والعراق ولبنان”.

الدّور العربيّ

يقدّم المجتمع العربيّ عموماً والخليجيّ خصوصاً دعماً ماليّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً كاملاً للنظام الجديد في دمشق. إلّا أنّ الموقف العربيّ لا يتّجه ولن يوافق على تعريض استقرار “سوريا الجديدة” للخطر، لا سيما إذا ما زال لإيران مواقع نفوذ في الداخل السوريّ. أضف إلى ذلك الخاصرة الرخوة للنظام السوريّ الجديد على الحدود الشرقيّة مع العراق، إضافة إلى رفض إقليميّ لتوسيع النفوذ الإسرائيليّ عبر استبدال نفوذ إيران بنفوذ يمينيّ إسرائيليّ متطرّف.

“قبّة باط” سوريّة لردع نتنياهو؟

لملامسة عقل ترامب في كلّ من تركيا والعراق ولبنان وسوريا لا بدّ من التنبّه دوماً لما يعلنه توم بارّاك المقرّب جدّاً من الرئيس الأميركيّ لأنّ ذلك يقود إلى معرفة الخطوط العريضة للسياسة الأميركيّة في الدول الأربع.

أعلن توم بارّاك في وقت سابق دوراً سوريّاً على الحدود الشرقيّة للبنان، وإثر ذلك بدأ النظام الناشئ بتكثيف مصادرته لأسلحة “الحزب” على حدود سوريا مع لبنان ومداهمة مخازنه وكشف أنفاقه ومستودعاته ومحاصرة طرق تهريبه وكشف ما بقي من تنظيمات “الحزب” النائمة والقبض عليها في مداهمات ميدانيّة.

تتمسّك سوريا بدورها السياديّ في الداخل لجهة ترسيخ الأمن وتفعيل مؤسّسات الدولة فيما لا تزال تمانع الاستجابة لأيّ طلب يأتي من إسرائيل أو من واشنطن

لكنّ الضغط الإسرائيليّ الشديد على النظام الجديد والدور الفتنويّ الذي يعمل بنيامين نتنياهو على تزكيته بالداخل السوريّ ألزما دمشق بالتفتيش بدورها عن أدوات ضغط على تل أبيب من دون كسر اختلال ميزان القوى العسكريّ، بينها “مسيّرات صغيرة” موجّهة “بالفايبرأوبتيك” تنزل خسائر بالجيش الإسرائيليّ.

من هنا تُطرح مجموعة أسئلة الإجابة عليها في دمشق: هل دمشق هي الممرّ بموافقة إقليميّة أم الأمر شائعات فقط؟ كيف يحصل “الحزب” على مسيّرات “الفايبرأوبتيك”؟ وكيف تصل هذه المسيّرات إليه بعدما كانت غير متوافرة في حرب إسناد غزّة؟

إقرأ أيضاً: هل تتدخّل دمشق ضدّ “الحزب”؟

هناك مصلحة عربيّة – تركيّة في “تقليم أظافر” نتنياهو الجامح ومشاريعه التوسّعيّة وعدم أخذه بعين الاعتبار ملء المحور العربيّ “السنّيّ” للفراغ “الشيعيّ” الذي أُجبرت إيران على التخلّي عنه، ولن يقبل العرب أن يُستبدل النفوذ الإيرانيّ الإرهابيّ بنفوذ إسرائيليّ متطرّف.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@BadihYounes

مواضيع ذات صلة

عزيزي السّيّد وحيدي.. الغرور مقبرة الإمبراطوريّات!

حتّى ليلة السابع من حزيران 2026، ليلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، كانت إيران “منتصرة“ لأنّها صمدت وأفشلت أهداف الحرب. بقي النظام بما بقي من نوويّه…

استقلال المفاوض اللّبنانيّ: تقدير سعوديّ وتفهّم أميركيّ؟

تداعيات سياسيّة كثيرة يمكن أن تنجم عن إثبات الحكم اللبنانيّ استقلاليّة قراره عن إيران في مفاوضاته مع إسرائيل، خلافاً لربطه السابق سواء بنظام الحكم الأسديّ…

من سايروس إلى ترامب: أسطورة التكليف الإلهي

يروي الإنجيل المقدس في القسم 45 من كتاب النبي إشعيا، كيف أنّ الله اختار الملك سايروس، ملك إيران – وكان ملحداً – للقيام بمهمة دينية…

تحوّلات إيران وظرفيّة “وحدة السّاحات”

تحوّلات غير مسبوقة وبوتيرة سريعة يشهدها الشرق الأوسط جرّاء الحروب المتتالية وكثرة أطرافها ودوافعهم المختلفة. ربّما أبرز تجلّياتها أحداث إيران، وما لذلك من تداعيات على…