ثلاثة أثلاث تمكَّن الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام من إنهائها وإسقاطها منذ بداية العهد:
1– الثلث المعطّل داخل مجلس النوّاب.
2– الثلث المعطّل داخل الحكومة.
3– الثلث الجوّيّ المعطّل عبر افتتاح مطار القليعات.
لم تكن معركة افتتاح مطار القليعات، ولا كسر هيمنة الدويلة العميقة على البوّابة الجوّية للبنان، بالمعركة السهلة. لقد نجح نوّاف سلام حيث فشل من سبقه من رؤساء الحكومات منذ عام 2009 حتّى عام 2026. تقدّم نوّاف سلام حيث تراجع أقرانه من رؤساء الحكومات، وامتلك الشجاعة في الموقع الذي جَبُن فيه الآخرون. وربّما محضر جلسة كتلة الاعتدال مع رئيس كتلة “الحزب” النيابيّة النائب محمّد رعد عام 2023، قبل أشهر من حرب الإسناد، يختصر حكاية إسقاط الثلث المعطّل الجوّيّ.
رعد يصدم كتلة “الاعتدال”
في تفاصيل تلك الجلسة، قرّر نوّاب “الاعتدال”، وهم نوّاب عكّار والضنية والمنية، التحرّك لتشغيل مطار رينيه معوّض، مستأنفين حراكاً بدأ منذ عام 2009. ولنا عودة إلى هذا الحراك.
التقى نوّاب “الاعتدال” كلّ الكتل النيابيّة وعرضوا عليها ملفّ مطار القليعات، فأبدت الكتل كلّها موافقتها على تشغيل المطار، وبقيت كتلتان لم تلتقِ بهما كتلة “الاعتدال”: كتلة “التنمية والتحرير” التي يرأسها الرئيس نبيه برّي، وكتلة “الوفاء للمقاومة” التي يرأسها النائب محمّد رعد.
توجّهت الكتلة إلى عين التينة فالتقت الرئيس برّي الذي أبدى تجاوباً وتفهّماً لأهميّة تشغيل مطار القليعات، وطلب من أعضاء الكتلة الاجتماع بكتلة “الحزب” والعودة إليه لمتابعة الموضوع. ذهبت كتلة “الاعتدال” للقاء النائب محمّد رعد بحضور بعض أعضاء كتلته، وعرض كلّ عضو بدوره أهميّة هذا المطار بالنسبة لأهل الشمال تنمويّاً واقتصاديّاً، وما إن انتهوا من عرضهم حتّى بدأ النائب رعد بمطالعة غزليّة يروي فيها حبّه لعكّار والشمال وكيف تشبه مناطق بعلبك والهرمل بالحرمان والطيبة والوفاء، ثمّ تغيّرت ملامح وجهه قائلاً: “ولكن…”. نظر إليه نوّاب “الاعتدال”، فقال: “هناك ثلاثة هواجس لدى “الحزب” من افتتاح مطار القليعات، وهي:
وعد الرئيس نوّاف سلام فوفى بوعده، وتوجّه يوم السبت الفائت إلى القليعات لافتتاح مطارها والفرحة تغمره
1- لا نريد بأيّ شكل أن يتحوّل المطار ممرّاً “للدواعش” إلى لبنان.
2- من سيتولّى أمن المطار؟ الأمن بالنسبة لنا لا مساومة عليه.
3- في الحياة، عندما يريد الإنسان شيئاً عليه أن يختار التوقيت الصحيح، واليوم أيّها الزملاء ليس التوقيت الصحيح لتشغيل مطار القليعات”.
هنا نظر نوّاب الاعتدال بعضهم إلى بعض وقد أحسّوا وكأنّ النائب رعد يقفل الكلام بالرفض، فانبرى أحد أعضاء الوفد للكلام، فخاطبه النائب رعد: “لماذا لم تتكلّم في البداية وتريد الحديث الآن؟”، فأجابه: “أريد التعليق على الهواجس الثلاثة. نحن نشكرك على محبّتك لعكّار، لكنّ هذه الهواجس استوقفتني”. وأضاف:

1- “هاجس “الدواعش” ليس منطقيّاً، فأنا أدعوك إلى زيارة عكّار، وكلّ الحدود الشماليّة التي يدخل عبرها يوميّاً بشكل غير شرعيّ ما يقارب ألفَي سوريّ من دون حسيب أو رقيب، ومن دون معرفة هويّاتهم أو خلفيّاتهم، إن كانوا مهربّي مخدّرات أو “دواعش”. فهل “الداعشيّ” يحتاج إلى بطاقة سفر عبر المطار كي يأتي إلى لبنان والحدود البرّيّة مشرّعة أمامه؟
2- أمن مطار القليعات من الطبيعيّ أن يتولّاه جهاز أمن المطار، إلّا إذا كنتم تريدون أن تتولّوا شخصيّاً أمنه.
3- أمّا من حيث التوقيت الصحيح فنحن منذ عام 2009 نطالب بهذا المطار، فمتى يأتي هذا التوقيت الصحيح؟ موقفكم منذ ذلك الحين هو نفسه: ترفضون فتح المطار”.
رعد للاعتدال: “بعد عندكن شي؟”
هنا امتعض النائب رعد ووقف وكأنّه يعلن نهاية الاجتماع قائلاً: “بعد عندكن شي؟ سيتابع النائب حسين الحاج حسن مع النائب سجيع عطيّة الأمر في لجنة الأشغال النيابيّة”.
تمسّك “الحزب” برفض فتح مطار القليعات تماماً كما تمسّك بالثلث المعطّل في الحكومة، وأيضاً بالثلث المعطّل في مجلس النوّاب
خرج الوفد من الاجتماع بخيبة كبيرة، وتوجّه إلى السراي الحكوميّ حيث التقى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عارضاً عليه ما حصل معه، فأجابه ميقاتي: “سنرى ما سنفعل”. أدرج على جدول أعمال الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء بنداً بعنوان “مناقشة مطار القليعات”، فراجع النوّاب أحد كبار الموظّفين في السراي مستغربين لماذا وضعت كلمة “مناقشة” وليس “افتتاح مطار القليعات”، فأجابهم الموظّف الكبير: “كلمة افتتاح ما بتقطع في الجلسة”. فسألوه: “إذاً ما أهميّة هذا البند؟”، فأجابهم من دون تردّد: “فازلين”.
القصّة قديمة
بدأت قصّة مطار القليعات منذ عام 2009 أيّام حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى، حين راجعه عدد من النوّاب بالموضوع فقال لهم: “هذا الموضوع سيسبّب لي أزمة كبيرة داخل الحكومة، وأنا لا أريد أزمات الآن”.
ثمّ عاد الموضوع مجدّداً عام 2016، وبعد إلحاح نوّاب عكّار طلب الرئيس سعد الحريري من وزير الأشغال حينها يوسف فنيانوس الاتّصال بـ”الحزب” لاستمزاج رأيه، فعاد الوزير فنيانوس المعروف بقربه من قيادة “الحزب” بخيبة كبيرة قائلاً للرئيس الحريري: “الحزب لن يوافق”.
تمسّك “الحزب” برفض فتح مطار القليعات تماماً كما تمسّك بالثلث المعطّل في الحكومة، وأيضاً بالثلث المعطّل في مجلس النوّاب. إنّها سياسة التعطيل من أجل الهيمنة ومنع العمل ليس من أجل عمل آخر، بل من أجل القبض على قرار البلد والناس.
لم تكن معركة افتتاح مطار القليعات، ولا كسر هيمنة الدويلة العميقة على البوّابة الجوّية للبنان، بالمعركة السهلة
جاء عام 2025، فانتُخب العماد جوزف عون رئيساً للجمهوريّة، ثمّ كُلّف الرئيس نوّاف سلام تشكيل الحكومة الأولى في العهد، وخلال الاستشارات النيابيّة التي أجراها الرئيس سلام مع الكتل النيابيّة، طالبت كتلة “الاعتدال” بحقيبة وزاريّة، فأبدى الرئيس سلام معارضته لذلك قائلاً: “لن أدخل بالمحاصصة النيابيّة”، فقالوا له: “نحن مستعدّون للتنازل عن الحقيبة الوزاريّة بشرط واحد، وهو أن تتعهّد لنا بفتح مطار رينيه معوّض في القليعات”، فقال لهم: “أتعهّد بذلك، وأكثر، سأضعه بنداً من بنود البيان الوزاريّ”.
إقرأ أيضاً: بيروت الكبرى منزوعة السّلاح.. اليوم وليس غداً
وعد الرئيس نوّاف سلام فوفى بوعده، وتوجّه يوم السبت الفائت إلى القليعات لافتتاح مطارها والفرحة تغمره لأنّه يؤمن أنّ إعادة بناء الدولة تبدأ بتفكيك قواعد الدويلة العميقة، ومطار رينيه معوّض إحدى قلاعها الأخيرة. تقدّمت إعلاميّة من الرئيس نوّاف خلال مغادرته مطار القليعات سائلة إيّاه: “هل تكون الأولويّة في التوظيف لأهل عكّار والشمال؟”، فأجاب الرئيس نوّاف سلام: “طبعاً، طبعاً، طبعاً”. من وفى بوعده الأوّل من المؤكّد أن يفي بوعده الثاني.
لمتابعة الكاتب على X:
