هستيريا إيرانيّة بعد فقدان ورقة لبنان

مدة القراءة 6 د

دفعت الهستيريا الإيرانيّة بفعل فقدان ورقة لبنان “حرس الثورة” إلى قرارات هوجاء مجدّداً، من دون حساب لردّة الفعل الإسرائيليّة. جاء ذلك بعدما تسبّب الجنون الإسرائيليّ ردّاً على مراعاة إدارة دونالد ترامب للموقف اللبنانيّ الرسميّ بجولة تصعيد طاولت الجيش اللبنانيّ ومناطق واسعة الأسبوع الماضي. إنّه نموذج عن التخادم بين إسرائيل وإيران على جبهة لبنان.

 

إنّه فعلاً عجيب غريب اتّفاق وقف النار في لبنان، كما قال عنه ترامب نفسه قبل أسبوع.  تنطبق الغرابة والعجب على ما جرى ويجري بشأن اتّفاق وقف النار بين أميركا وإيران. بل هما امتداد لما شهدته الكويت والبحرين من قصف إيرانيّ طاول منشآت مدنيّة مثل المطار. لم تتوقّف الضربات الموضعيّة المتبادلة بين الجيش الأميركيّ و”حرس الثورة” في محيط مضيق هرمز وفي إطار الحصار المتبادل على الملاحة البحريّة، مع استمرار حركة الوسيط الباكستانيّ. بات وقف النار غطاءً لاستمرار الضغوط العسكريّة المتبادلة، على الجبهتين الإيرانيّة واللبنانيّة.

الكلمة الأخيرة لـ”الحرس” قبل التّنازل؟

ثمّة وظائف سياسيّة للمواجهة العسكريّة الدائرة، على الرغم من أنّ انفلات عقالها قد يتسبّب بـ”ميني حرب” جديدة.

من وظائف التصعيد الإيرانيّ:

– يحتاج قادة “الحرس” والمفاوضون الإيرانيّون، بمن فيهم عبّاس عراقجي الموهوم بقدراته التفاوضيّة الخارقة، إلى استعراض قوّة قبل التوقيع على التنازلات لترامب بشأن النوويّ. يريد هؤلاء الإيحاء بأنّ الكلمة الأخيرة لهم ميدانيّاً، قبل أن تضع الحرب أوزارها. من يتحكّمون بالقرار في طهران تحرِّكهم سرديّة الانتصار التي تغذّيها العنجهيّة الفارسيّة ليتمكّنوا من إقناع الرأي العامّ الإيرانيّ بأنّ ضغوطهم العسكريّة جلبت اتّفاقاً مع ترامب مقابل الخسائر الهائلة التي سيستفيق الشعب الإيرانيّ على فداحتها فور استتباب الهدوء. لكنّ هذا الجموح الإيرانيّ كالعادة لا يقيم وزناً للعواقب.

دفعت الهستيريا الإيرانيّة بفعل فقدان ورقة لبنان “حرس الثورة” إلى قرارات هوجاء مجدّداً، من دون حساب لردّة الفعل الإسرائيليّة

فكّ الارتباط اللّبنانيّ بمفاوضات إسلام آباد

– هال المسؤولين الإيرانيّين خروج لبنان عن دائرة سيطرتهم على قراره. جاءت هستيريّة ردّة فعلهم على إعلان الرئيس جوزف عون أن لا علاقة لإيران بقرارات لبنان وأنّ شعب لبنان ليس شعب إيران.

أثبتت وقائع الأسبوع الماضي أنّ طهران فقدت ورقة لبنان في التفاوض مع واشنطن. قادتها غير معتادين على رئيس لبنانيّ لا ينصاع لأوامرهم  ولا يطوِّع مواقفه على إيقاع مصالحهم الإقليميّة على حساب لبنان. جاء نصّ إعلان النيّات الأميركيّ اللبنانيّ الإسرائيليّ الذي صدر فجر الرابع من حزيران، بعد الجولة الرابعة من التفاوض في واشنطن، ليكرّس فكّ الارتباط مع طهران.

أكّدت فقرتان أنّ “مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل يجب أن يقرّره الطرفان السياديّان وحدهما، مع رفض أيّ تدخّل من دول أو جهات غير حكوميّة في تقرير مستقبل لبنان”. وجاء فيه أنّ “أيّ اتّفاق لوقف الأعمال العدائيّة يجب التوصّل إليه مباشرة بين الحكومتين (اللبنانيّة والإسرائيليّة) وبرعاية أميركيّة وليس عبر أيّ مسار منفصل”.

قطع ذلك الطريق على أيّ استثمار إيرانيّ لورقة لبنان في مسار إسلام آباد. فوق ذلك أدان البيان اعتداءات إيران على دول الخليج العربيّ.

ترميم صورة “الحرس” عند شيعة لبنان؟

– احتاجت طهران، بمعرض تمسّكها بأذرعها، إلى ترميم صورتها أمام الجمهور الشيعيّ اللبنانيّ. تصاعدت الانتقادات في بيئة “الحزب” نفسها وفي صفوف النازحين لتخلّيها عن إسناد “الحزب”، وتركها الجنوبيّين يتعرّضون للقتل والتهجير وتدمير مساكنهم. لهذا السبب قال قائد القوّة الجوّفضائيّة في إيران فور إطلاق الصواريخ الأولى: “تمّ الوفاء بالوعد”. وسرّب “الحرس” بأنّه لن يطلق المزيد إذا لم تردّ إسرائيل.

لبنان

– أخذ تخلّي طهران عن “الحزب” يبيح انفكاك رئيس البرلمان نبيه برّي عن عباءتها، فهو يؤيّد ضمناً المسار التفاوضيّ اللبنانيّ مع الدولة العبريّة لوقف المأساة الجنوبيّة، حتّى لو اتّسم موقفه العلنيّ بالتحفّظ على التفاوض المباشر. كان انتقاده بيان واشنطن لمراعاة “الحزب” فقط، ولم يشمل رفضه بند انسحاب الأخير، فدعا إلى ربطه بانسحاب إسرائيل.

ردّت تل أبيب على مراعاة واشنطن لمطالب لبنان عبر مسار متدرّجٍ للانسحاب الإسرائيليّ يخالف نيّتها البقاء

سلاح الأذرع في العراق وغزّة

– لم يأتِ فكّ الارتباط اللبنانيّ مع إيران معزولاً عن مسار تجريد طهران من سلاح أذرعها في الإقليم بالتوازي مع طرح سلاح “الحزب”. السجال العراقيّ على وجوب حصر سلاح الفصائل المنضوية في “الحشد الشعبيّ” وغيرها بالدولة العراقيّة، وفكّ ارتباطه بطهران، بضغط أميركيّ، حمل إسماعيل قاآني على دعوة الفصائل إلى التمسّك بالسلاح.

في غزّة تراوغ حركة “حماس” في تسليم السلاح، ويتباهى عراقجي بإعلان اتّصالاته مع رئيس الحركة خليل الحيّة. ودفع بقاء صواريخ الحوثيّين في اليمن بعيدة عن نصرة الحلفاء منذ بدء الحرب، نظراً إلى إضعاف الضربات الأميركيّة الإسرائيليّة لهؤلاء، طهران إلى تحريك الصواريخ من اليمن أمس الإثنين لقصف إسرائيل.

توظيف نتنياهو للتّصعيد

لا تحتاج وظائف عطش بنيامين نتنياهو لاستئناف الحرب إلى شرح كبير، فهو يستجيب للانزلاق الإيرانيّ نحو التصعيد:

– ردّت تل أبيب على مراعاة واشنطن لمطالب لبنان عبر مسار متدرّجٍ للانسحاب الإسرائيليّ يخالف نيّتها البقاء، بحملة قصف وقتل وتدمير بعد 24 ساعة على بيان واشنطن. شمل التصعيد محيط بلدة جزّين مسقط رئيس الوفد اللبنانيّ المفاوض السفير السابق سيمون كرم، ردّاً على تهديده بالانسحاب من المفاوضات إذا لم يُؤخذ بمطالبه. شمل التصعيد بلدة كفرحونة الواقعة على تخوم بلدة العيشيّة، مسقط الرئيس جوزف عون ردّاً على تمسّكه بوقف النار والانسحاب الإسرائيليّ.

إقرأ أيضاً: مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

– القتل المتعمّد لقائد اللواء السابع في الجيش ومعه ضابط وعسكريّ على الطريق المؤدّية إلى القرى التي يعتبرها الأميركيّون نموذجيّة للبدء بتطبيق “المناطق التجريبيّة” القاضية بانتشار الجيش اللبناني فيها، بعد الانسحاب الإسرائيليّ، هو رسالة إلى المؤسّسة العسكريّة لأنّ اللواء السابع هو من سيتولّى هذه المهمّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

ما تزال إيران محتاجة إلى “الحزب”، وهي محتاجة أيضاً إلى أن يبقى مصدر إزعاج لإسرائيل. فهي تضغط على الولايات المتحدة عبر مضيق هرمز والملف النّووي،…

مطار القليعات… سلام ينهي الثّلث المعطِّل الجوّيّ

ثلاثة أثلاث تمكَّن الرئيسان جوزف عون ونوّاف سلام من إنهائها وإسقاطها منذ بداية العهد: 1– الثلث المعطّل داخل مجلس النوّاب. 2– الثلث المعطّل داخل الحكومة….

كذبة التّحرير عام 2000 أنهت لبنان

تزامن خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم في 24 أيّار الفائت، في مناسبة ما اصطلح على تسميته “عيد التحرير”، مع تصاعد حدّة التدمير الإسرائيليّ لقرى…

عون يُحرّر “بعبدا” من الاحتلال الإيرانيّ

في مقابلة مع شبكة CNN، لم يدعُ رئيس الجمهوريّة جوزف عون إلى الدولة فحسب، بل تحدّث عن سأم الدولة من الدويلة التي يمثّلها حاليّاً “الحزب”….