القلق الخليجي من حيرة ترامب

مدة القراءة 6 د

لا تبدو واشنطن مطمئنة بالكامل إلى فكرة الحرب مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو قادرة على تجاهل تقدم البرنامج النووي الإيراني أو احتمالات استعادته زخمه بسرعة أكبر خلال السنوات المقبلة. هنا تحديداً تظهر حيرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يحاول الإمساك بخيطين متناقضين في وقت واحد: منع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تفتح المنطقة كلها على احتمالات يصعب التحكم بها.

 

الحديث المتصاعد عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد يقوم على وقف عمليات تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة، قد تصل إلى عشرين عاماً، مع نقل المواد الحساسة والغبار النووي إلى خارج إيران، يعكس حجم البحث الأميركي عن صيغة مختلفة عن اتفاق 2015. ترامب لا يريد العودة إلى الاتفاق السابق بالمنطق نفسه، لأنه أمضى سنوات وهو يقدمه باعتباره اتفاقاً منح طهران مساحة زمنية إضافية دون أن يغير سلوكها السياسي أو الإقليمي.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بما تريده واشنطن أو بما تقبل به طهران، بل بما تريده دول الخليج نفسها من هذا المشهد المعقد.

الخليج لا ينظر إلى الملف النووي الإيراني باعتباره قضية تقنية تخص أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب فقط، بل باعتباره جزءاً من معادلة أمنية أوسع تمس استقرار المنطقة بالكامل. لهذا فإن أي اتفاق جديد لا يبدد القلق الخليجي تلقائياً، خصوصاً إذا اقتصر على تأجيل البرنامج النووي دون معالجة أدوات النفوذ الأخرى التي بنتها إيران خلال العقود الماضية.

لا تبدو واشنطن مطمئنة بالكامل إلى فكرة الحرب مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو قادرة على تجاهل تقدم البرنامج النووي الإيراني أو احتمالات استعادته زخمه بسرعة أكبر خلال السنوات المقبلة

الردع لا الحروب المفتوحة؟

كثير من العواصم الخليجية تدرك أن الحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً، لأن المنطقة ستكون أول من يدفع الثمن اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. لكن هذه العواصم تدرك أيضاً أن العودة إلى سياسة المساومات المفتوحة مع إيران دون قواعد ردع واضحة قد تعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها بعد سنوات قليلة.

لهذا يبدو المزاج الخليجي أقرب إلى دعم “الردع المنظم” أكثر من الحروب المفتوحة أو الاتفاقات الهشة. بمعنى أن المطلوب ليس إشعال مواجهة شاملة، بل بناء معادلة تمنع إيران من استخدام الوقت لتوسيع قدراتها النووية والعسكرية ثم العودة لاحقاً إلى سياسة فرض الوقائع.

هذه النقطة تفسر لماذا تراقب دول الخليج سلوك ترامب بحذر شديد. فالرجل معروف بتقلباته السياسية وقدرته على الانتقال السريع من التصعيد إلى التفاوض، ومن التهديد إلى عقد الصفقات. والخليج يعرف أن أي تفاهم أميركي ـ إيراني غير مدروس قد ينعكس مباشرة على توازنات المنطقة.

المشكلة أن إيران نفسها لا تبدو مستعدة لتقديم تنازل كامل ينهي مشروعها النووي بصورة نهائية. طهران تتعامل مع الملف باعتباره ورقة قوة سيادية وأداة تفاوض طويلة المدى، وليس مجرد برنامج علمي يمكن التخلي عنه بسهولة. ولذلك فإن فكرة تجميد التخصيب لفترة طويلة قد تكون قابلة للنقاش إذا رافقها رفع واسع للعقوبات وضمانات اقتصادية وسياسية، لكنها ستبقى شديدة الحساسية داخل المؤسسة الإيرانية.

في المقابل، لا تثق واشنطن بالكامل بأي التزام إيراني طويل الأمد، خصوصاً بعد سنوات من التوتر والاتهامات المتبادلة. الأميركيون يخشون أن تستخدم طهران أي اتفاق جديد لإعادة ترتيب برنامجها النووي بهدوء، فيما تخشى إيران أن يتحول الاتفاق إلى قيد دائم يبقي اقتصادها رهينة للقرار الأميركي.

لهذا تبدو مشاريع المفاوضات الحالية أقرب إلى اختبار إرادات لا إلى مفاوضات تقليدية. كل طرف يحاول معرفة حدود الطرف الآخر، وحجم ما يمكن انتزاعه منه قبل الوصول إلى لحظة الحسم.

وسط هذا المشهد، يبقى احتمال عودة المواجهة العسكرية قائماً، حتى لو بدا مؤجلاً. السبب أن الملف الإيراني لم يعد منفصلاً عن حسابات الردع الإقليمي ولا عن العلاقة الأميركية مع إسرائيل ولا عن موقع واشنطن في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي.

كثير من العواصم الخليجية تدرك أن الحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً، لأن المنطقة ستكون أول من يدفع الثمن اقتصادياً وأمنياً وسياسياً

تأجيل الانفجار؟

هنا تظهر الخطط الأميركية البديلة الجاهزة إذا فشلت المفاوضات. هذه الخطط لا تبدأ مباشرة بالحرب الكبرى، بل بسلسلة أدوات ضغط متدرجة: تشديد العقوبات، توسيع العزل المالي، استهداف شبكات التهريب، العمليات السيبرانية، والضربات المحدودة ضد منشآت حساسة إذا اقتضت الحاجة.

لكن واشنطن تدرك أيضاً أن أي ضربة عسكرية لن تمر بلا رد. إيران تملك أدوات متعددة للرد المباشر وغير المباشر، سواء عبر الصواريخ أو عبر حلفائها في المنطقة. وهذا ما يجعل ترامب نفسه متردداً بين خيار القوة وخيار الصفقة.

من جهة أخرى، تبدو طهران بارعة في إدارة الوقت. القيادة الإيرانية تعرف أن عامل الزمن قد يكون أهم أدواتها التفاوضية، لذلك تعتمد غالباً سياسة المفاوضات الطويلة والرسائل المتدرجة والتصعيد المحسوب، بحيث تبقى أبواب التفاوض مفتوحة دون تقديم تنازلات حاسمة بسرعة.

السؤال الذي يشغل واشنطن والخليج معاً: هل يستجيب ترامب لهذه المماطلة؟

حتى الآن، يبدو أن ترامب لا يريد إغلاق باب الاتفاق، لكنه أيضاً لا يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي تمنحه إيران الوعود بينما تواصل كسب الوقت. ولهذا يحاول الجمع بين التهديد والتفاوض في وقت واحد، وهي معادلة معقدة لأن الطرفين يتحركان بمنطق الشك لا الثقة.

إقرأ أيضاً: إمارة الركام من غزة إلى النبطية: رؤية الشركاء وحيدي-نتنياهو 2030

الخليج هنا لا ينتظر فقط ما يقرره ترامب، بل يراقب ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلاً لبناء معادلة ردع مستقرة وطويلة المدى، أم أنها ستكتفي بتفاهم مؤقت يعيد تأجيل الأزمة إلى مرحلة لاحقة.

قد يكون الخيار الأكثر قبولاً خليجياً هو اتفاق قوي مدعوم بردع واضح، لا مجرد تسوية سياسية سريعة. لأن التجربة الطويلة مع إيران جعلت كثيرين في المنطقة يعتقدون أن غياب الردع الواضح لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تأجيل الانفجار فقط.

مواضيع ذات صلة

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…

“عقل” لا يهمّه مصير المواطن الجنوبيّ

سواء دخلت المعادلة الجديدة المتمثّلة في وقف قصف “الحزب” لشماليّ إسرائيل حيّز التنفيذ، في مقابل امتناع الدولة العبريّة عن مهاجمة الضاحية الجنوبيّة، أم لم يحصل…

رفع سوريا من قائمة الإرهاب: هل يفعلها ترامب؟

أعاد الاتّصال الهاتفيّ الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع ونظيره الأميركيّ دونالد ترامب ملفّ العقوبات إلى الواجهة، بعدما طلب الشرع إزالة ما بقي من القيود…

من دمشق إلى بغداد: ما المهمّة الإقليميّة الجديدة لتوم بارّاك؟

ما بدا في البداية أنّه تعديل إداريّ على مهمّة توم بارّاك الدبلوماسيّة، تحوّل سريعاً إلى مؤشّر إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع…