يمتلك أحمد الشرع شجاعة الاعتذار. يمتلك أيضاً أخلاق الصفح والتسامح والترفّع. لم يحارب بشار ويهزمه ليصير لاحقًا على شاكلته. ولم يتحيّن اللحظة ليثأر من أولئك الذين أوغلوا عميقًا في دماء السوريين وكراماتهم. بل ارتضى أن يكون رجل دولة متكامل الأوصاف، لأنّ الدول لا تُبنى بالأحقاد والضغائن، بل بالتواضع والأخلاق والقيم.
اعتذر الرئيس السوري أحمد الشرع لوفد من أعيان ووجهاء دير الزور، عن كلام أدلى به والده في مقابلة تلفزيونية، بعدما فُهم على أنه إساءة لأهل المحافظة. لم يحاول التبرير، ولم يقل إنّ الكلام أُخرِج من سياقه، ولم يهاجم المنتقدين أو يتهمهم بالمؤامرة. قال ببساطة إنّ الكلام جرحه قبل أن يجرح أهل دير الزور، وإنه يعتذر عنه شخصياً ومن موقعه كرئيس للدولة.
في دول طبيعية قد يبدو هذا الأمر عادياً. أما في سوريا، فهو حدث بحد ذاته. لأنّ السوريين يعرفون جيداً شكل السلطة التي حكمتهم لعقود، ويعرفون معنى أن يعتذر رئيس، وأن يعترف بجرح معنوي أصاب جزءاً من شعبه. فهذه اللغة لم تكن موجودة أصلاً في قاموس النظام السابق.
جراثيم وإرهابيون وعملاء؟
حين اقتُلعت أظافر الأطفال في درعا مع بدايات الثورة السورية، لم يخرج بشار الأسد ليعتذر. ولم يُخلع ابن خالته عاطف نجيب من منصبه، رغم أنّ هذه القضية كانت الشرارة التي أشعلت البلاد بأسرها. بل على العكس تماماً، نُقل عن الأسد في ردّه على اقتراح وليد جنبلاط بإقالة نجيب، أنّ أحداً لم يتقدم بشكوى ضده حتى “يزيحه” من منصبه.
ربما لا تكفي هذه المشاهد وحدها لبناء سوريا جديدة. الطريق لا تزال طويلة ومليئة بالألغام والانقسامات والجراح الثقيلة
لعلّ الصورة التي شاهدها السوريون مؤخراً لعاطف نجيب نفسه تختصر هذا التحول. الرجل الذي ارتبط اسمه ببدايات الرعب في درعا، ظهر في المحكمة نظيف الوجه والثياب، هادئاً، مرتاحاً، من دون آثار ضرب أو تعذيب أو إذلال. جلس أمام قاضٍ ومحامين وإجراءات قانونية طبيعية. وهذا وحده يكشف الفارق الأخلاقي الهائل بين من كان يحكم سوريا ومن يحكمها اليوم.
السوريون يعرفون جيداً ماذا كانت تعني السجون في عهد الأسد. يكفي أن نتذكر الرواية الشهيرة التي نقلها المعارض السوري الراحل ميشال كيلو عن الطفل الذي وُلد داخل السجن، حتى إنه لم يكن يعرف معنى كلمة عصفور. طفل لم يرَ شجرة ولا سماء ولا طيراً، لأنّ النظام حوّل البلاد إلى شبكة هائلة من المعتقلات والمقابر والخوف.
الأمر لم يتوقف عند السجون. السوريون يتذكرون جيداً كيف اقتُلعت حنجرة إبراهيم القاشوش لأنه غنّى للحرية. ويتذكرون كيف مُثّل بجثة حمزة الخطيب. وكيف سُويت مدن كاملة بالأرض، من حمص إلى حلب إلى درعا. ويتذكرون صور الأطفال الذين اختنقوا بالكيماوي في الغوطة، فيما كانت السلطة تصف الناس بالجراثيم والإرهابيين والعملاء.

وسط هذا التاريخ الدموي كله، يبدو اعتذار أحمد الشرع حدثاً سياسياً وأخلاقياً بالغ الدلالة، لأنه يقول إنّ السلطة الجديدة تريد أن تبتعد عن منطق الإهانة والاستعلاء، حتى لو أخطأت أو تعثرت أو واجهت انتقادات كثيرة.
العلاقة مع “الحزب”
لا يمكن فصل هذا التحول عن العلاقة المعقدة مع “حزب الله”. فالسوريون لا ينسون أنّ “الحزب” دخل إلى سوريا بالسلاح، وشارك في الحرب إلى جانب النظام السابق، وكان جزءاً أساسياً من المعارك التي دمّرت مدناً وقرى وهجّرت ملايين الناس. لا ينسون خطاب السيد حسن نصر الله حين قال على الملأ: لو اقتضى الأمر أن أذهب أنا وكل إخواني إلى سوريا فسنذهب. ولا ينسون سخريته من معاناة اللاجئين السوريين حين قال لهم “اركبوا البحر واتخذوه جملاً”.
اعتذر الرئيس السوري أحمد الشرع لوفد من أعيان ووجهاء دير الزور، عن كلام أدلى به والده في مقابلة تلفزيونية، بعدما فُهم على أنه إساءة لأهل المحافظة
رغم كل ذلك، لم تذهب القيادة السورية الجديدة إلى الانتقام. بل على العكس، تكشفت في الأشهر الماضية معلومات كثيرة عن ضغوط أميركية وإسرائيلية مورست على دمشق للدخول إلى لبنان ومواجهة “الحزب” بعد افتتاحية قتل المرشد في طهران، مستفيدة من لحظة إقليمية شديدة الحساسية. كانت الفرصة، من زاوية الثأر السياسي والطائفي، تبدو مغرية لكثيرين. لكن أحمد الشرع رفض. أصر على الرفض، وطلب وساطات من المملكة العربية السعودية وتركيا للمساعدة في تثبيت هذا الموقف ومنع الانزلاق نحو مواجهة مذهبية كبرى.
تناقض هائل
الأهم من ذلك، أنه خرج علناً ليقول إنّ الصفحة مع “الحزب” طويت، وإنه لا يريد أي توتر لا مع “الحزب” ولا مع الشيعة ولا مع لبنان. وهذا بحد ذاته موقف نادر في منطقة تُدار غالباً بمنطق الأحقاد المتراكمة والثأر المفتوح.
هنا تحديداً يظهر الفرق الهائل بين مشروعين. مشروع مذهبي عقائدي حمل السلاح ودخل إلى بلد عربي دعماً لنظام يقتل شعبه، ولم يقم حتى اليوم بأي مراجعة أو اعتذار أو نقد ذاتي، بل لا يزال يحرض على القيادة السورية الجديدة، ومشروع آخر، رغم كل الجراح والدماء والخسائر، يحاول أن يمنع الانتقام وأن يفتح باب التهدئة والمصالحة.
قد يختلف الناس كثيراً حول أحمد الشرع، وحول تجربته وخياراته وتحالفاته ومستقبل حكمه، وهذا أمر طبيعي. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنّ سوريا اليوم تقدّم صوراً لم يكن أحد يتخيّل رؤيتها قبل سنوات قليلة: رئيس يعتذر علناً، مسؤولون سابقون يُحاكمون أمام القضاء لا في الأقبية، وخطاب سياسي يتحدث عن إغلاق صفحات الثأر لا فتحها.
يمتلك أحمد الشرع شجاعة الاعتذار. يمتلك أيضاً أخلاق الصفح والتسامح والترفّع. لم يحارب بشار ويهزمه ليصير لاحقًا على شاكلته
ربما لا تكفي هذه المشاهد وحدها لبناء سوريا جديدة. الطريق لا تزال طويلة ومليئة بالألغام والانقسامات والجراح الثقيلة. لكن الشعوب الخارجة من الكوارث لا تبدأ بالمعجزات، بل تبدأ أحياناً من كلمة مختلفة، ومن صورة مختلفة، ومن اعتراف بسيط بأن كرامة الناس هي ركن الزاوية في بناء الأوطان.
واحدة من أكثف روايات الحق والتواضع شهرة وأثراً في التاريخ تجسدت يوم قال الفاروق عُمر بن الخطاب على الملأ: أصابت امرأة وأخطأ عمر.
إقرأ أيضاً: إلى العاقل أحمد الشّرع: لبنان محرقة
الناس بأكثريتهم. تحفظ هذه الحادثة عن ظهر قلب. وتدرك أنّ قلة قليلة من صفوة الصفوة قادرون على استعادتها، ليس عبر ترتيبات في الظل أو في الكواليس، بل باعتذار مستحق على رؤوس الأشهاد.
لمتابعة الكاتب على X:
