تعكس محاولة التيّار الراديكاليّ العودة إلى الفعل والتأثير في المشهد السياسيّ شعوراً متزايداً لدى أقطابه بأنّ المسار الذي بدأت تسلكه العمليّة السياسيّة منذ انتخاب مسعود بزشكيان رئيساً للجمهوريّة، على حساب مرشّحهم سعيد جليلي، قد يقود إلى عزلهم ومحاصرتهم، تمهيداً للقضاء عليهم وإخراجهم من التركيبة السياسيّة.
كان بزشكيان واضحاً، بعد انتخابه، في التعبير عن بداية تحوُّل داخل هرم القرار، عندما تحدّث علناً عن دور “المرشد الثاني” في قطع الطريق على محاولات التلاعب بنتائج الانتخابات، وأنّ دعم المرشد السابق (علي خامنئي) ومظلّة الحماية التي وفّرها له سهّلا إعلان فوزه، ولاحقاً سهّلا تشكيل الحكومة، التي حاول “الراديكاليّون – الثابتون” عرقلتها وفرض ممثّلين لهم داخلها.
بعد اغتيال المرشد، تشعر الجماعة الراديكاليّة بأنّ الشخصيّة التي كانت تمسك بعصا التوازن بين مختلف المكوّنات السياسيّة للمشهد الإيرانيّ لم تعد موجودة، وبالتالي ستشهد المرحلة المقبلة صراعاً مفتوحاً من جانبها لإعادة تثبيت موقعها داخل منظومة القرار أو حتّى مصادرتها بالكامل، في ظلّ ما تعتقده من ضعف في موقع المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي بات، وفق تقديرها، الشريك الأضعف في معادلة السلطة أمام مؤسّسة حرس الثورة، خلافاً لوالده الذي كان الشريك الأقوى.
ستكون تداعيات الحرب، وما ستتركه من آثار اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة سلبيّة، الأزمة الأبرز التي ستضع المرشد أمام تحدّيات معقّدة لن تسمح له باستعادة السيطرة والإمساك بالقرار بسرعة وحزم. قد يتحوّل، تبعاً لذلك، إلى الطرف الأضعف في مواجهة حرس الثورة، الذي أدار ملفّات الدولة وشؤونها خلال العقدين الأخيرين تحت قيادة والده.
وضعت إيران في مواجهة المجتمع الدوليّ، وساهمت في نقل الملفّ إلى مجلس الأمن الذي ترتّبت عليه قرارات وعقوبات اقتصاديّة
النّجاديّة وحسابات واشنطن
يجعل خروج المرشد السابق من المشهد هذه الجماعة، ومعها الطموحات التي تدور في عقول قياداتها، في مواجهة مكشوفة مع القوى السياسيّة الممثّلة للتيّارات المحافظة التقليديّة والإصلاحيّة والمعتدلة، وهو ما قد يدفعها إلى اعتماد مبدأ التصعيد والهجوم الاستباقيّ، فيما المتوجّسون من طموحات الراديكاليّين راحوا يستعيدون تجربة العقدين الماضيَين مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهوريّة بعد مرحلة إصلاحيّة ذهبيّة قادها محمّد خاتمي.
تستعيد الأوساط السياسيّة تصرّفات أحمدي نجاد، سواء في ما يتعلّق بالبرنامج النوويّ الذي تحوّل إلى أزمة وضعت إيران في مواجهة المجتمع الدوليّ، وساهمت في نقل الملفّ إلى مجلس الأمن الذي ترتّبت عليه قرارات وعقوبات اقتصاديّة وسياسيّة خانقة لا تزال إيران تعاني منها، أو في ما يتعلّق بإنكار الهولوكوست، وصولاً إلى تجاهل أسس إدارة الدولة الذي استتبع استنزاف الخزائن العامّة واحتياطاتها الماليّة الضخمة، التي كانت قد تراكمت خلال حكومة خاتمي، إضافة إلى العائدات النفطيّة الكبيرة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط العالميّة خلال فترة رئاسته.

لم يكن أحمدي نجاد، في سياساته ومواقفه وآرائه، تعبيراً عن قراءة شخصيّة خاصّة به، بل كان حينها، وما يزال، تعبيراً عن توجّه وتيّار يقوده “الثابتون” بمنهج راديكاليّ حاول محاكاة تيّار المحافظين الجدد في الولايات المتّحدة. وهو ما أدخله في مواجهة مباشرة مع المرشد السابق، من خلال عدم الاعتراف العمليّ بمرجعيّة المرشد بوصفه “الوليّ الفقيه” الذي تعود إليه الكلمة الفصل في ما يتعلّق بالدولة والنظام، واعتماده خطاباً أيديولوجيّاً يربطه مباشرة بالإمام الثاني عشر الغائب لدى الشيعة الإماميّة، وليس بالوليّ الفقيه باعتباره نائب هذا الإمام في إدارة الدولة والنظام. شكّل ذلك، عمليّاً، محاولة من هذا التيّار لمحاصرة المرشد وإبعاده عن شؤون الدولة والقرار فيها.
ستكون تداعيات الحرب، وما ستتركه من آثار اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة سلبيّة، الأزمة الأبرز التي ستضع المرشد أمام تحدّيات معقّدة
تجلّى هذا المسار بوضوح عندما تمرّد أحمدي نجاد على قرار المرشد وأصرّ على تغيير وزير الأمن حيدر مصلحي في حكومته، بعد رفض الأخير تسليمه ملفّات أمنيّة سرّيّة تتعلّق بالسلوكيّات الماليّة والاجتماعيّة والسياسيّة لعدد من كبار المسؤولين، ولا سيما داخل دائرة المرشد. رفض أحمدي نجاد أيضاً طلب المرشد وقراره الإبقاء على الوزير في منصبه، على الرغم من أنّ موقع وزير الأمن يُعتبر تقليديّاً من حصّة المرشد في أيّ حكومة إيرانيّة.
عودة نجاد؟
في أحد التسريبات التي نُقلت عن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بعد أسابيع من الحرب على إيران واغتيال المرشد وكبار قادة النظام، تحدّث عن تواصله مع “قيادات جديدة أكثر ديناميكيّة وتعاوناً” يمكن التوصّل معها إلى تفاهمات واتّفاقات، مشيراً إلى أنّ من بين هؤلاء شخصيّة تحمل اسم “محمّد”. دفع هذا الغموض في كلام ترامب كثيراً من المراقبين والسياسيّين إلى الاعتقاد، في البداية، بأنّ المقصود هو رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض محمّد باقر قاليباف. غير أنّ ما كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” عن أنّ واشنطن فكّرت في تسليم السلطة في إيران إلى محمود أحمدي نجاد، أعاد توجيه الأنظار نحو احتمالات أخرى. قد لا يكون هذا المسعى بعيداً عن التفكير الأميركيّ، وربّما تحرّكه أيضاً رغبة إسرائيليّة لدى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي سبق أن وصف وجود أحمدي نجاد بأنّه “نعمة كبيرة” لإسرائيل بسبب الدور الذي لعبه في إعادة ترميم صورة إسرائيل لدى الدول الغربيّة، بعد تصريحاته المتعلّقة بإنكار الهولوكوست والدعوة إلى إعادة اليهود إلى البلدان التي جاؤوا منها، فنشأت حالة تضامن جديدة مع إسرائيل، بعدما كانت تواجه انتقادات شعبيّة واسعة داخل المجتمعات الغربيّة.
يجعل خروج المرشد السابق من المشهد هذه الجماعة، ومعها الطموحات التي تدور في عقول قياداتها، في مواجهة مكشوفة مع القوى السياسيّة
إلّا أنّ في هذه المعادلة خللاً واضحاً، إذ إنّ “محمّداً” الذي تحدّث عنه ترامب لا يمكن أن يكون “محمود” الرئيس، إلّا إذا كان المقصود هو الشخصيّة التي تدير المشهد من الخلف، أي الأمين العامّ لـ”جبهة الثابتين” محمّد صادق محصولي، الجنرال الآتي من حرس الثورة، والصديق المقرّب لقاسم سليماني والعديد من القيادات العسكريّة التي تولّت مناصب سياسيّة وعسكريّة، وأحد أبرز أصحاب الثروات والمشاريع الاقتصاديّة والماليّة في إيران، والذي شغل مناصب وزاريّة في حكومة أحمدي نجاد، بينها وزارتا الداخليّة والشؤون الاجتماعيّة.
إيران الجديدة
في حال صحّت هذه الفرضيّة، يعني ذلك أنّ هذا التيّار لا يزال يطمح إلى تنفيذ انقلاب على السلطة والمرشد ليصبح هو صاحب القرار في “إيران الجديدة” بعد الانتقال إلى مرحلة التفاهم والاتّفاق مع الولايات المتّحدة الأميركيّة.
لا ترى القوى السياسيّة الإيرانيّة التي تمثّل الاتّجاه العقلانيّ، بمختلف توجّهاتها، أنّ قوّة إيران في التصدّي لأيّ اعتداء خارجيّ تقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تعتبر أنّ أساس هذه القوّة يكمن في التضامن الداخليّ والوحدة الوطنيّة، وأنّ الطريق إلى تحقيق ذلك يمرّ عبر تحالف النخب المؤثّرة والعقلانيّة، وتعزيز الدعم لمراكز القرار ومساعدتها على إخراج إيران من عين العاصفة التي تحيط بها.
إقرأ أيضاً: راديكاليّو إيران.. استعداء للمنظومة أم انقلاب عليها؟ (2/3)
يشكّل هذا المسار أرضيّة صلبة للتصدّي للمتطرّفين والراديكاليّين والسيطرة على تأثيرهم، بل ومحاصرتهم وإخراجهم من دائرة التأثير في القرارات والتوجّهات الاستراتيجيّة، التي لا تقتصر آثارها على ملفّات الحرب، بل تمتدّ إلى المسألة الوجوديّة لإيران دولةً موحّدةً ومستقرّة.
