في قلب بيروت، وتحديداً في منطقة الزيدانية، وُلدت حكاية شاب بيروتيّ طموح، اسمه مليح عليوان، وُلد عام 1930. منذ طفولته، كان شغوفًا بكتابة يومياته ومذكّراته، وكان يعشق متابعة الأفلام التي تُجسّد البطولة والقوّة كان يلعب دور الوسيط في فضّ الخلافات بين أصدقائه، ما دلّ على شخصيّته القيادية والعادلة المبكّرة.
في عمر الحادية عشرة، بدأ التمارين الرياضيّة داخل منزله، وأبدى روح المبادرة منذ الصغر، إذ كان يعلّم أصدقاءه وأقاربه ركوب الدراجة، والسباحة، وممارسة التمارين.
في عام 1944، قفز مليح عن صخرة الروشة مع صديقيه وفيق بكداش وعبد فتوح، في مغامرة شبابيّة، كما شارك في سباقات الجريّ وغيرها من النشاطات الرياضيّة المتنوّعة.
تثقّف مليح عليوان وعمّق معرفته، متأثّراً بكتاب الأستاذ عارف الحبّال “الرياضة البدنية في سوريا ولبنان”. التحق بدايةً بـنادي أسامة في منطقة طريق الجديدة، وكان الوصول إليه شاقاً كما وصفه بـ”سفرة عالبيكسلات” من الزيدانية إلى هناك. رغم ذلك، دفع خمس ليرات واشترك، متباهياً أمام الجميع بشغفه.
في قلب بيروت، وتحديداً في منطقة الزيدانية، وُلدت حكاية شاب بيروتيّ طموح، اسمه مليح عليوان، وُلد عام 1930
لاحقًا، وبفضل قوّته وثقافته، دعاه الأستاذ الحبّال للالتحاق بـنادي الشبيبة الذي كان يقع في منطقة البرج، ثم انتقل لاحقاً إلى رأس النبع. وهناك، كانت أولى بطولات مليح عليوان حين كان في السابعة عشرة من عمره، حيث حمل وزن 87 كيلوغراماً في تلك المسابقة. ومنها كانت البداية الرسمية لرحلته نحو البطولات، واعتبرها مليح لاحقاً نقطة تحوّل في مسيرته، إذ اختبر للمرة الأولى التحدي على منصة أمام جمهور، واختبر شعور الفوز الذي لم يغادره بعدها.
بالتوازي، كان مليح قد بنى أول نادٍ رياضي بيده داخل أرض والده في الزيدانية، واضعاً لافتة تحمل اسم “نادي مليح الرياضي”، الذي سُجّل رسمياً عام 1955، تزامناً مع إطلاقه مجلة “نجوم الرياضة”.
من مقاعد مدرسة حوض الولاية، حمل مليح عليوان معه قصصاً مع أساتذته، مثل الأستاذين الأخوين محمد وأحمد فليفل، حيث يذكر أنّ الأخير كان يعاقبه على التأخير، لكن “عليوان الشاب” كان يرفض البكاء أمام أحد، محافظًا على صورة البطل، حتى لو كان في الداخل يتألم.
وبين تدريبه وتدريسه للرياضة البدنية في دار المعلمين، والجامعة الأميركية، ومدارس المقاصد، ومدرسة البر والإحسان، وبعض المدارس الرسمية، لم يتوقف عن الكتابة والتوثيق، ومراسلة الرياضيين حول العالم، رغم صعوبة التواصل آنذاك.
مليح عليوان، لم يبنِ فقط نادياً، بل بنى أجيالاً، وشكّل مفهوماً جديداً عن القوّة، والتنظيم، والانتماء، حيث كانت الرياضة ملاذاً، والانتماء للوطن لا يُقاس بالميداليات، بل بالموقف
في أولمبياد ميونيخ 1972، أصرّ على بقاء البعثة اللبنانيّة رغم مطالبة السلطات بالانسحاب، وضغط على بطل رفع الأثقال الراحل محمد خير طرابلسي للمشاركة، فكانت النتيجة ميدالية فضية للبنان. حتى تفاصيل صغيرة لم ينسها، كـ”المنقوشة” التي توحّم عليها الطرابلسي قبيل البدء بالمبارة.
من أهمّ إنجازاته فوزه بلقب “أبولون الشرق” عام 1952، ومستر يونيفرس في بطولات عالمية. والحصول على جائزة “بيار دو كوبرتان” عام 2013.
تدرّب على يده أبطال بارزون مثل: أحمد حيدر، محمد خير طرابلسي، سمير بنوت، محمد المولى، نظير الكعكي، وخالد بيرقدار، وغيرهم.
إقرأ أيضاً: أحمد قعبور: حارس الذّاكرة وجابر الانكسارات
في الثمانينيات، سلّم إدارة النادي لشقيقه، وبقي داعماً وموجّهاً في الخلفية. أسّس لاحقًا “جمعيّة الصّداقة الرياضيّة” لفضّ النزاعات وتعزيز الروح الرياضيّة.
تروي ابنته الدكتورة إيمان عليوان هذه السيرة بفخر: “مليح عليوان، لم يبنِ فقط نادياً، بل بنى أجيالاً، وشكّل مفهوماً جديداً عن القوّة، والتنظيم، والانتماء، حيث كانت الرياضة ملاذاً، والانتماء للوطن لا يُقاس بالميداليات، بل بالموقف”.
*عضو جمعيّة تراث بيروت
