عرف العالم العربيّ كلّ أنواع الحروب، وعانى منها جميعاً. هي صراعات تستنزف المقدّرات العربيّة في المكان الخطأ ومن أجل الهدف الخطأ. لذلك تصفّق لها إسرائيل وتباركها وتشجّع عليها، ولسان حالها يردّد: “فخّار يكسّر بعضه”، والتكسير يتواصل من خلال الصراعات البينيّة العربيّة – العربيّة المعلنة وتلك التي تحت الطاولة!
– عرف العالم العربيّ الحرب الأهليّة في لبنان وليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال.
– عرف الحروب الانفصاليّة في السودان (شمالاً وجنوباً)، وفي ليبيا (شرقاً وغرباً)، وفي اليمن (شمالاً وجنوباً)، وكذلك في الصومال.
– عرف الحروب العربيّة البينيّة، بين المغرب والجزائر، وبين العراق والكويت، وبين لبنان وسوريا.
– عرف الحروب ضدّ العدوّ المشترك إسرائيل في أعوام 1948 و1967 و1973 و1982، المستمرّة حتّى اليوم في غزّة ولبنان.
أُعيد فتح الحدود بين سورية والأردن، وبين سوريا والعراق ولو على خجل. لكنّ الحدود لا تزال مقفلة بين الكويت والعراق، وبين ليبيا وتونس. وهي مقفلة بين المغرب والجزائر منذ إعلان اتّفاق الدولتين الجارتين الشقيقتين على مشروع وحدة “المغرب العربيّ”؟ لم يعد هذا الشعار القوميّ يجد تجسيداً له اليوم إلّا في طبق “الكسكس” و”لبوس البرنس”.
جاءت قضيّة الصحراء الغربيّة لتزيد الطين بلّة بين الدولتين الشقيقتين منذ انسحاب إسبانيا منها في عام 1974.
الحرب الأهليّة في السودان جعلته يتبوّأ المرتبة الأولى بين دول العالم المنكوبة بالمجاعة والتشرّد والتدمير الذاتيّ. كان السودان، أو كان يمكن أن يكون، سلّة الغذاء للعالم العربيّ لِما يتمتّع به من ثروة مائيّة، مصدرها النيل الأبيض والنيل والأزرق، ومن أراضٍ شاسعة صالحة للزراعة.

وجّهت الحرب الأهليّة في لبنان طعنات عميقة في الوجدان العربيّ لمبدأ العيش الوطنيّ الواحد في مجتمع متعدّد الأديان والمذاهب، وحتّى متعدّد القوميّات.
الحرب الأهليّة في السودان جعلته يتبوّأ المرتبة الأولى بين دول العالم المنكوبة بالمجاعة والتشرّد والتدمير الذاتيّ
لا تريد إسرائيل من لبنان مياه نهر الليطاني فقط، لكنّها تريد تجفيف شعار الوحدة في التنوّع التي يقوم عليها الكيان اللبنانيّ، ليس كرهاً بلبنان فقط، لكن دفاعاً عن فلسفة وجود دولة دينيّة في منطقة متعدّدة الأديان والمذاهب والقوميّات.
محاولات الوصل
في المقابل، لم تقدّم محاولات الوصل بين الدول العربيّة دوماً نماذج ناحجة. وحدها دول مجلس التعاون في الخليج العربيّ خرجت من هذه الدوّامة منذ أن طلع الشيخ زايد بن نهيان يرحمه الله بفكرة الاتّحاد. على الرغم من بقاء البحرين والكويت خارج هذا الاتّحاد، شكّل المظلّة الواقية التي تحفظ دولها وتحافط عليها من سوءات الزمن ومتغيّراته، كما حدث خلال الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران.
لم تعِش الوحدة المصريّة – السوريّة (عبد الناصر – شكري القوّتلي) طويلاً. تبدّدت شعارات الوحدة السوريّة العراقيّة في ظلّ حزب البعث الذي حكم الدولتين معاً. لم تقُم لوحدة المغرب العربيّ قائمة.
حتّى السوق العربيّة المشتركة لم تبصر النور، فيما تحوّلت السوق الأوروبيّة المشتركة إلى وحدة أوروبيّة عسكريّة وسياسيّة واقتصاديّة على الرغم من سلسلة الحروب البينيّة التي سبق أن عصفت بها، وخاصّة الحربين العالميّتين الأولى والثانية وما سبقهما من حروب دامية بين فرنسا وألمانيا، وبين بريطانيا وفرنسا، وبين إسبانيا وبريطانيا، وبين ألمانيا وبولندا، حتّى إنّ تلك الحروب امتدّت عبر البحار إلى المستعمرات الأوروبيّة السابقة في الأميركيّتين الشماليّة والجنوبيّة.
عرف العالم العربيّ الحرب الأهليّة في لبنان وليبيا وسوريا والسودان واليمن والصومال.
ما زاد الأمور تعقيداً هو مشاريع التقسيم المسقطة بالقوّة من الخارج. قسّمت فرنسا وبريطانيا الشرق الأوسط وجزّأتاه إلى دويلات (سايكس-بيكو)، وتعمل إسرائيل اليوم على تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ لتفرض ذاتها سيّداً على المنطقة كلّها من النيل إلى الفرات. بالمناسبة أيّ نيل بعد السدّ الذي أقامته إثيوبيا لحصر مياهه؟
لا يمكن التصدّي لهذا المشروع المعلن في الثمانينيّات من القرن الماضي (مشروع برنارد لويس) وفي الوقت نفسه المضيّ قدماً في الانقسامات والصراعات العربيّة – العربيّة من السودان شرقاً حتّى الصحراء الغربيّة غرباً.
إقرأ أيضاً: التّاريخ لا يُكتب تحت القصف
هي صراعات تستنزف المقدرات العربية – العربية في المكان الخطأ ومن أجل الهدف الخطأ. ولذلك تصفق له اسرائيل وتباركه وتشجع عليه، ولسان حالها يردّد : “فخار يكسّر بعضه”، والتكسير يتواصل من خلال الصراعات البينية العربية – العربية المعلن عنها وتحت الطاولة!
